Search our site or Ask

القوافل الجارية في شرح حديث الجارية
عقيدة أهل السنة والجماعة كما قررها علماء المذاهب الأربعة.
الله خالق السماء والعرش والمكان والله كان موجوداً في الأزل قبل السماء بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان
 
بسم الله الرحمَن الرحيم
الحمد لله القدوس المتعال، المنـزه عن النظير والمثال، وتعالت عظمته عن الإحاطة والشمول، لا تحده الحدود والجهات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريـك لـه خلق الخلـقَ بقدرته وهدى لتوحيده من شاء من خلقه، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. والصلاة والسلام على صفيه من خيرة خلقه وخليله بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيله حق جهاده وبعد:

لقد وصلنا إلى زمن تطلع فيه الجهل برأسه وتطاول بعنقه وتكثر بخيله ورجله فاشتغل بعض الجماعات بنشره ونصرته وتـزيـينه وأيدت باطلها بالشبه الملبسات والفرى المختلَقات حتى انطلى تزييفها على بعض ضـعفاء العقول لأخذهم بالظاهر المتبادر الى الذهن من أيات وأحاديث الصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ولم يلتفتوا إلى النـصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ومن ذلك أخذهم بظاهر حديث الجارية لإثباتهم الجهة والحيز لله تعالى الله المتعال عما يقوله الظالمون علوا كبيرا. فرأيـت أن أجمعَ رسالة أبين فيها ما قاله أهل السنة والجماعة المشهود لهم بالحفظ والعلم في معنى حديث الجارية أسميتها: القوافل الجارية بشرح حديث الجارية.

وأما تمسك المشبهة والجهوية القائلين بالجهة لله تعالى وهي جهة العلو كما في كتب بعض الوهابية ككتاب محمد صالح عثيمين في شرح العقيدة الواسطية لاحمد بن تيمية وتبعا له ولابن القيم الجوزية كما في مختصر الصواعق واجتماع الجيوش لإثباتهم جهة العلو لله تعالى بحديث الجارية فهو تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث إذا حكم بصحته فهو مؤول على أنه سؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة , والحديث ليس على ظاهره , وهو الموافق للآية المحكمة {ليس كمثله شئ}. ثم إن حديث الجارية روي بعدة ألفاظ مختلفة منها ما رواه الإمام ابن حبان في صـحيحـه عن الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال: ادع بها فجاءت فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. ورواه أيضا بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي الكـبرى والإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه كتاب التوحيد من طريق زياد بن الربيع عن بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد. ومنها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء ابـن يسار عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قِبَلَ أُحد والجوَّانية فاطَّلَعتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني ءادمَ ءاسـفُ كما يأسفون لكني صككتـها صكَّـةً فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظَّمَ ذلك علي قُلتُ يا رسول الله أفلا أُعتقُها؟ قال: إئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت في السماء، قال: من أنا؟قالت أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنةٌ. وجاء من وجه ءاخر عند الإمام مالك في الموطأ: باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة بلفظ: أين الله وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله بزيادة: أتوقنين بالبعث بعد الموت دون لفظ: فإنها مؤمنة من طريق ابن شهاب في الثانية. وفي رواية لابن الجارود بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: اتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، قال: اعتقها فإنها مؤمنة. وهي رواية صحيحة. وفي رواية لأبى داود في سننه: باب: تشميت العاطس في الصلاة، وباب: في الرقبة المؤمنة ، من طريق يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. وفي لفظ من طريق الحجاج بن الصواف قالت في السماء.. وفي رواية لأحمد أنها أشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، وفي رواية لعبد الرزاق في مصنفه باب ما يجوز من الرقاب بلفظ: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء. وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا لله؟ قالت نعم.

 

كذا روى الدارمي في السنن بلفظ: أتشهدين من حديث الشريد قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن على أمي رقبة وإن عندي جارية سوداء...الحديث. وقد جاءت رواية: أيـن الله التي رواها عطاء بن يسار بلفظ ءاخر من طريق سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار قال حدثني صاحب الجارية وهي بلفظ: فمد النبي يده إليها مستفهما من في السمـاء؟ قالت الله... الحديث. أي دون أن يقول لها لفظ أين الله الذي يتشبث به القائلون بالجهة التائهون مـن وهابية وغيرهم لإثباتهم الحيز والجهة لله. وأوردها الذهبي أي رواية سعيد بن زيد في كتاب العلو وذكر سندها المزي في تحفة الأشراف , أي دون أن يقول لها أين الله , وهذا اللفظ غير مذكور في هذه الرواية الثانية , وقد سعى الالباني سعيا مكشوفا أن يضعف هذه الرواية رواية سعيد بن زيد الذي هو من رجال مسلم , وذلك لينفي الاضطراب عن رواية أين الله , فقد قال متناقض العصر ومقلب الصحف والاوراق ومحدث الكتب الذي لا يحفظ ولا صحيح مسلم فضلا عن صحيح البخاري , قال في معرض رده على المحدث العلامة محمد زاهد الكوثري صديق شيخنا الحافظ عبد الله بن محمد ابن الصديق الغماري , قال وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث , وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قبل إسناده لأنه من رواية سعيد بن زيد , فهو وإن في نفسه صدوقا فليس قوي الحفظ , ولذلك ضعفه جمع , بل كان يحيى بن سعيد يضعفه جدا وقد أشار الحافظ في التقريب إلى هذا فقال : صدوق له أوهام , زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بلا ريب انتهى من مختصر العلو . والجواب في رده هو أن سعيد بن زيد من رجال مسلم وهو ثقة وما قيل فيه لا يخرجه عن كونه ثقة محتج به هذا من جهة , ومن جهة أخرى فقد حسن هذا المتناقض حديثا فيه سعيد بن زيد , كما في إرواء الغليل له , 5-338 قال " قلت وهذا إسناد حسن , رجاله كلهم ثقات , وفي سعيد بن زيد -وهو أخو حماد – كلام لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن إن شاء الله تعالى , وقال ابن القيم في الفروسية 20 وهو حديث جيد الإسناد " انتهى . وبههذا الكلام يعلم مبلغ تناقض هذا المحدث المزعوم وتلاعبه تماشيا مع أهوائه , وسعيد بن زيد بن درهم الازدي هذا قال عباس الدوري عن يحيى بن معين ثقة وابن سعد والعجلي ثقة , ووثقه سليمان بن حرب كما قال أبو زرعة عنه , وقال عنه البخاري والدارمي صدوق حافظ وهو ثقة عن مسلم أيضا , وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ليس به بأس , وقال ابن عدي هو عندي من جملة من ينسب إلى الصدق وقال النسائي ليس بالقوي , قلت فهو عند التحقيق حسن الحديث . ثم اعلم أن من روى حديث الجارية وهو عطاء وهو الذي روي عنه حديث معاوية بن الحكم السلمي بلفظ " أين الله " فقد روي عنه بلفظ آخر أصح منه وبسند صحيح لو قلنا بصحة حديث الجارية فقد روي بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله , كما في مصنف عبد الرزاق 9-175 , وتقدم عنه بلفظ أين الله , وبلفظ الاستفهام , وقد ورد عنه بثلاثة ألفاظ , وهذا ما يقرر أن الاضطراب واقع فيه أي المتن , وأنه من تصرف الرواة وقد فعلت الرواية بالمعنى وقد نبه على ذلك العلامة الكوثري أيضا في تعليقه على الاسماء والصفات للبيهقي رحمه الله تبعا للبيهقي وغيره وهذا التنبيه في محله على ما هو مقرر في قواعد المصطلح . وقد قدمنا أن الامام مالك رواه بسند عال عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء الحديث بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم قالت نعم قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم . قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم فقال رسول الله صلى الله : " أعتقها " . ورواه عبد الزاق في المصنف قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله عن رجل من الانصار به ومن طريق رواه الامام أحمد في المسند كما رواه غيرهم كذلك . قال الحافظ ابن حجر في التقريب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود " ثقت فقيه ثبت " ولا يعرف بتدليس , وعنعنته محمولة على السماع وفد قال : " عن رجل من الانصار " . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره 1-547 إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد " ظاهره الارسال لكنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة , وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 1-23 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . انتهى ونزيد في البيان والايضاح فنقول بأن للفظ أتشهدين شواهد كثيرة , منها ما رواه الدارمي في السنن قال أخبرنا أبو الوليد الطيالسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ( وهذا الاسناد بعينه حكم عليه الالباني في صحيح أبي داود بالصحة , وقال " حسن صحيح " فتنبه ) عن الشريد قال الحديث وفيه أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ فقالت نعم قال " أعتقها فإنها مؤمنة " . وعند البزار كما في كشف الاستار وعند الطبراني من طريق سيدنا ابن عباس بلفظ اتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قالت نعم قال : فأعتقها . وقد مر . كما أن الحديث ورد بلفظ من ربك وهي رواية صحيحة الاسناد ايضا من طريق الشريد بن سويد وهي عند ابن حبان وعند النسائي في الكبرى والصغرى من السنن وعند أحمد والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد , ورواه من طريق زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد , رواه ابن خزيمة في كتابه التوحيد وعند الطبراني في الاوسط من حديث أبي هريرة بلفظ من ربك , قال الحافظ الهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين 1-24 ورجاله موثقون .

فصل في بيان ما يصح به الاسلام وما يقبل به :

 اعلم أن الكافر الذي يريد الدخول في الاسلام لا بد له من الاتيان بلفظ الشهادتين , بلفظ أشهد أو ما يعطي معناهما , كقوله لا إله إلا الله محمد رسول الله , أو أبو القاسم نبي الله أو رسول الله . أما مجرد أن يقول الكافر المريد الدخول في الاسلام " الله في السماء فلا يكفي ولا يكون مسلما . فقد روى البخاري في صحيحه : في باب كيف يعرض الاسلام على الصبي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد " أتشهد أني رسول الله " ؟ . وروى البخاري عن أن أنس بن مالك عن أبي هريرة وكذلك الامام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة وجابر وعبد الله بن عمر وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين , قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " الحديث قال الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بعد ذكره للحديث " وهو متواتر . وزاد المناوي في شرح الجامع فقال " وهو متواتر لأنه رواه خمسة عشر صحابيا " وفي كتاب نظم المتناثر للعلامة الكتاني ما نصه : " وفي شرح الاحياء – للمحدث الحافظ الزبيدي – رواه ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي . انتهى المراد منه . وفي صحيح الامام مسلم من حديث ابن عباس أن معاذا قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله الحديث , وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا هريرة نعليه وقال " إذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة الحديث , وفي الباب أحاديث كثيرة تقرر هذا الذي بيناه , ولله الحمد . قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل عند ذكر حديث الجارية ما نصه: وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقـد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له: فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما مَن في السماء ... الحديث، فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعا مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النـبي صـلى الله عليه وسلم عن ذلك ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصرا عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء وبدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.اهـ

وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم ما نصه: قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان:ـ

أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شئ وتنـزيهه عن سمات المخلوقات.

والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ

وقال العلامة أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ما نصه: وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُظهر منها ما يدلُ على أنها ليست ممن يعبُدُ الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك وكأنها قالت إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض. وأين ظرف يسأل به عن المكان كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان وهو مبنيٌ لما تضمنه من حرف الاستفهام وحُرّك لالتقاء الساكنين وخُصَّ بالفتح تخفيفا وهو خبرُ المبتدأ الواقع بعده وهو لا يصحُّ إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منـزه عن المكان كما هو منـزه عن الزمان بل هو خالق الزمان والمكان ولم يـزل موجودا ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان. ولو كان قابلا للمكان لكان مُختصا به ويحتاج إلى مخصص ولكان فيه إما متحركا وإما ساكنا وهما أمران حادثان وما يتصف بالحوادث حادث على ما يُبسط القول فيه في علم الكلام ولَمَا صَدَقَ قوله تعالى: {ليس كمثله شئ} إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها والممكنات في إمكانها وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسُّع والمجاز. وقال أيضا: وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها باين كلَّ مَن نُسبت إليه الإلهية وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرا ؟! والبصر من العمى؟! أي بعُدَ ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا. وهذا كما قال:

وإن بني عَوفٍ كما قد علمتم مناطُ الثُريّا قد تعالت نُجومها

أقول هذا والله ورسوله أعلم؛ والتسليم أسلم.اهـ

وقال الرازي أيضا في كتابه أساس التقديس: إن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا.اهـ

وصفوة القول أن المتشابهات لا تؤخذ بظواهرها، وللعلماء فيها مسلكان فالسلف منهم يؤولونها تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته ولم يعينوا ذلك المعنى بل فوضوه إلى الله تعالى وتبارك. والخلف يؤولونها تفصيلا بتعيين معانيها بما تفهمه لغة العرب ويصرفونها عن ظاهرها أيضا كالسلف، ثم إن حديث الجارية قد حكم غير واحد بضعفه . قال الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات بعد أن ذكر الحديث بلفظ: أين الله؟ وهـذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى ابن أبي كثير دون قصة الجارية وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ

وكلام البيهقي هذا فيه الرد الشافي على ما ادعاه ناصر الدين الألباني حيث بتر كلام البيهقي وقلبه رأسا على عقب في تعليقه على كتاب مختصر العلو للذهبي حيث قال: والبيهقي في الأسماء والصفات قال عقبه وهذا صحيح قد أخرجه مسلم. ليوهم القارئ أن البيهقي صحح حديث الجارية بلفظ أين الله، والبيهقي كما ترون من كلامه يُصرح بأن قصة الجارية اختلف الرواة في ألفاظها وهذا إشارة منه إلى اضطراب الحديث بقولـه: وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث. وقال الشيخ محمـد زاهـد الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات: وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماما للحديث أو كانت نسخة المصنف ناقصة وقد أشار المصنف ـ أي البيهقي ـ إلى اضطراب الحديث بقوله: وقد ذكرت في كتاب الظهار مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ

وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه التلخيص الحبير بعد أن ذكر روايات الـحديـث إلى اضطرابه بقوله: وفي اللفظ مخالفة كثيرة. وكذلك أشار الإمام البزار إلى اضطراب الـحديث أيضا في مسنده فقال بعد أن روى الحديث: وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة.

وقد قال شيخنا المحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في تعليقه على كتاب التمهيد لابن عبد البر عن لفظ: أين الله ما نصه: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا اللفظ كما هنا وبلفظ: من ربك؟ قالت: الله ربي، وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، وقد استوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بـحيـث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي.اهـ

وأما الحديـث المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة فقد قال الحافظ النووي في التقريب معرفا للحديث المضطرب ما نصه: المضطرب هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط ويقع في الإسناد تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة. اهـ وقال الحافظ ابن دقيق العيد في الاقتراح: المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة وهو أحد أسباب التعليل عندهم وموجبات الضعف للحديث.اهـ

وقال ابن الصلاح في علوم الحديث: المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه ءاخر مخالف له وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه، ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الاسناد وقد يقع من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط.اهـ

فقد ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: أين الله وهي رواية ضعيفة وأن الرواية الصحيحة رواية ابن الجارود التي جاء فيها: أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. وهذا معناه أنها كانت تشهد وتعترف بالشهادتين بدليل الاقرار وكانت بين قوم مسلمين ويدل على ما تقدم الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال الله في السماء بالدخول في الإسلام والحديث المتواتر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. وأما من قال بصحة حديث الجارية فإنهم حملوا لفظة: أين الله على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية عند المؤولين من المتشابه ففيه التشابه من وجهين أحدهما قولها في السماء وهذا تأويله كما في قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} فمعنى قولها في السماء العلو والارتفاع وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث،و الوجه الثاني: قولـه صلى الله عليه وسلم لها: أين الله؟ فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه بأين فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث.

قال الحافظ أبو سليمان الخطابي في شرحه على أبي داود ما نصه: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر لـه من إيمانها أكثر من قولـه حين سألها أيـن الله فقالت: في السماء وسألها من أنا فقالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا السؤال عن أمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وصفة حقيقته ولو أن كافرا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يصر به مسلما حتى يشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويـتـبرى من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وامرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه منك فيقول زوجتي وتصدقه المرأة فإنا نصدقهما في قولهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فإنا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر كذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان بكماله وشرائطه وإذا جاءنا من نجهل حاله بالكفر والإيمان فقال إني مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا منه خلاف ذلك.اهـ

ولأبي القاسم السهيلي على هذا الحديث كلام نفيس ومن كلامه فيما نقله الشيخ محمد الشنقيطي في كتابه استحالة المعية بالذات ما نصه: السؤال بأين ينقسم إلى ثلاثة أقسام اثنان جائزان وواحد لا يجوز:ـ

الأول: على جهة الاختبار للمسؤول ليعرف مكانه من العلم والإيمان كسؤاله عليه الصلاة والسلام للأمة.

والثاني: السؤال عن مستقر ملكوت الله تعالى وموضع سلطانه كعرشه وكرسيه وملائكته.

والثالث: السؤال بأين عن ذات الرب سبحانه وتعالى وهذا سؤال فاسد لا يجوز ولا يجاب عنه سائله، وإنما سبيل المسؤول عنه أن يبين له فساد سؤاله كما قال سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه حين سئل: أين الله؟ فقال: الذي أين الأين لا يقال فيه أيـن. كما ذكره عنه في التبصير فبين للسائل فساد سؤاله بأن الأينية مخلوقة والذي خلقها لا محالة قد كان قبل أن يخلقها ولا أينية له وصفات نفسه لا تتغير فهو بعد أن خلق الأينية على ما كان قبل أن يخلقها، وإنما مثل هذا السائل كمن سأل عن لون العلم أو طعم الظن أو الشك فيقال له من عرف حقيقة العلم أو الظن ثم سأل هذا السؤال فهو متناقض لأن اللون والطعم من صفات الأجسام وقد سألت عن غير جسم فسؤالك فاسد محال لتناقضه.اهـ وقال الرازي في أساس التقديس : وأما الخبر الثالث : فجوابه أن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنزلة والدرجة .

وفي كتاب إشارات المرام للإمام البياضي الحنفي ممزوجا بالمتن: ولا يتطرق إليه سمات الـحدوث والفناء كما أشار إليه بقوله فيه [وعليه] أي يُخرّج على أنه يدعى من أعلى ويوصف بنعوت الجلال وصفات الكبرياء [ما روي في الحديث أن رجلا] وهو عمرو بن الشريد كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن رواحة كما بيّنه الإمام في مسنده بتخريج الحارثي وطلحة والبلخي والخوارزمي [أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علي عتق رقبة مؤمنة] قال: إن أمي هلكت وأمرت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة ولا أملك إلا هذه وهي جارية سوداء أعجمية لا تدري ما الصلاة أفتجزيني هذه؟ عما لزم بالوصية كما في مصنف الحافظ عبد الرزاق وليس في الروايات الصحيحة أنها كانت خرساء كما قيل [فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أمؤمنة أنت؟ قالت نعم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أين الله؟] سائلا عن المنزلة والعلو على العباد علوّ القهر والغلبة، ومشيرا أنه إذا دعاه العباد استقبلوا السماء دون ظاهره من الجهة، لكن لما كان التنـزيه عن الجهة مما يقصر عنه عقول العامة فضلا عن النساء حتى يكاد يجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في الجهة كما في شرح المقاصد، [فأشارت إلى السماء] إشارة إلى أعلى المنازل كما يقال فلان في السماء أي رفيع القدر جدا كما في التقديس للرازي [فقال: أعتقها فإنها مؤمنة]. ثم قال: [فأشار إلى الجواب بأن السؤال والتقرير لا يدلان على المكان بالجهة لمنع البراهين اليقينية عن حقيقة الأينية]. ثم قال البياضي:ـ

الرابعة: أنه عليه الصلاة والسلام أراد امتحانها هل تُقرُّ بأن الخالق الفعال المتعالي هو الله الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما دل السؤال والتقرير كما في شرح مسلم للنووي، وإليه أشار بترتيب التخريج أنه يدعى من أعلى لا من أسفل.

الخامسة: أنها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عما في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أن معبودها إله السماء فإنهم كانوا يسمون الله إله السماء كما دل السؤال، والاكتفاء بتلك الإشارة كما في الكفاية لنور الدين البخاري.اهـ



وفي كتاب إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للإمام محمد بن خليفة الأُبي ما نصه: وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله في نفسها، فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}.اهـ ومثله في كتاب مكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم للإمام محمد السنوسي الحسني المالكي

وفي كتاب استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للشيخ المحدث محمد الشنقيطي ما نصه: وقال الامام المازري المالكي: وقيل وقع السؤال لها بأين لأجل أنه صلى الله عليه وسلم أراد السؤال عما تعتقده من جلالة البارئ وعظمته جل وعلا، فأشارت إلى السمـاء إخباراً عن جلالته سبحانه وتعالى في نفسها، لأنها قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ

وقال الإمام أبو بكر بن فورك في مشكل الحديث وبيانه : إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ استعلام لمنـزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى السماء فدلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منـزلة فلان في السماء أي هو رفيع الشأن عظيم القدر كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها تنبيها عـن مكانته في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة على نحو هذا المعنى وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف.اهـ

وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في شرح جامع الترمذي: أين الله؟ والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه.اهـ

وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في دفع شبه التشبيه بعد رواية حديث معاوية بن الحكم: قلت قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.اهـ

وقال القاضي الحافظ الباجي المالكي: لعلها تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو فيقال فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه.اهـ

وقال البيضاوي: لم يرد به السؤال عن مكانه فإنه منزه عنه والرسول أعلى من أن يسأل ذلك.اهـ

وقال الإمام تقي الدين السبكي الشافعي في رده على نونية ابن القيم الجوزية الحنبلي المجسم المسمى بالسيف الصقيل: أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ قالت في السماء وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشَّاء على بدعة لا يقبل غيرها.اهـ

قال الفخر الرازي الشافعي: وأما عدم صحة الاحتجاج بحديث الجارية في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنـزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات، قال الله تعالى: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} [الأنعام:12] وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} [الأنعام:13] وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنـزيه الله سبحانه عن المكان والزمان.اهـ

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المالكي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الأذكار: لأن كل من في السموات والأرض وما فيهما خلق الله تعالى وملك له وإذا كان كذلك يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} وقوله عليه السلام للجارية: أين الله؟ قالت في السماء، ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم.اهـ وقال العلامة ملا علي القاري الحنفي في كتابه مرقاة المفاتيح : ( فقال لها ) أي : للجارية ( رسول الله ) ( أين الله *؟ وفي رواية أين ربك ؟ أي : أين مكان حكمه وأمره وظهور ملكه وقدرته ( فقالت : في السماء ) . قال القاضي : هو على معنى الذي جاء أمره ونهيه من قبل السماء لم يرد به السؤال عن المكان , فانه منزه عنه كما هو منزه عن الزمان . وقال أيضا : فقال لها أين الله * أي أين المعبود المستحق الموصوف بصفات الكمال . ونحوه ذكر الطيبي في شرح مشكاة المصابيح .

وقد قال الحافظ محمد بن علي بن طولون في "الاربعون في فضل الرحمة والراحمين "وبسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء وفي رواية ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "، ورواه بلفظ يرحمكم أهل السماء , الإمام عبد الله بن المبارك في مسنده والحافظ والحميدي في مسنده و الحافظ العراقي في اماليِّهِ بلفظ "يرحمكم أهل السماء .واعلم أنه لا يجوز ان يقال عن الله أهل السماء فتحمل رواية الترمذي في جامعه "يرحمكم من في السماء "على معنى الملائكة بدليل ما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: "إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفا". وعند الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء....الحديث وعند ابن مردويه من حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان....الحديث. وهو في الاسماء والصفات للبيهقي وخلق أفعال العباد للبخاري .

 ومما هو معروف في النحو افراد ضمير الجمع قال الله تعالى ومنهم من يستمع اليك "سورة الانعام وقوله تعالى ومنهم من يستمعون اليك "سورة يونس وقوله تعالى ومنهم من ينظر اليك "سورة يونس 43. وكذلك يحمل قوله تعالى " أأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الأرض "على الملائكة أو جبريل كما قال ابن عطية في تفسيره والرازي في تفسيره وابن حيان في تفسيره البحر والقرطبي في تفسيره الجامع والنسفي في تفسيره وغيرهم . وفي قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله "وقوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} رد على مزاعمهم باثبات ان الله متحيز في السماء أو انه مستقر فيها . قلت وفي سند رواية " أين الله " هلال بن أبي ميمونة , قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال " قال أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس به بأس .قلت وهذا اللفظ ليس به بأس من أدنى مراتب التعديل , وقول أبي حاتم شيخ يكتب حديثه في اصطلاحه لمن كان فيه ضعف كما قال الذهبي ذلك , وعليه يكون حديث هلال هذا حسنا وليس صحيحا على حسب القواعد المقررة , فرواية هلال ابن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي إسنادها حسن إلا أن المتن مضطرب من هذا الطريق أيضا . وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل دلالة واضحة في نفي المكان والجهة عن الله تعالى وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه وابن الجارود في المنتقى والبيهقي من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: اتى اناس من أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين فانبئنا عن بدء هذا الأمر ما كان قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ". وفي رواية ابن الجارود واخرى للبخاري "عن أول هذا الأمر ما كان "انظر فتح الباري ج 13/ ص 420، فقوله صلى الله عليه وسلم "كان الله "اي لم يزل موجودا في الازل ليس معه غيره وقوله عليه الصلاة والسلام "وكان عرشه على الماء "اي حدث عرشه على الماء وفي الحديث ان الماء والعرش أول خلق الله وأولهما وجودا الماء، فالماء اصل لكل شيء والماء خلق من غير اصل، قال الطيبي: لفظة "كان "في الموضعين بحسب حال مدخولها، فالمراد بالاولى الازلية والقدم وبالثاني الحدوث بعد العدم وقاله الحافظ ايضا وقال الراغب: "كان "عبارة عما مضى من الزمان لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبىء عن معنى الازلية كقوله تعالى: (وكان الله بكل شيء عليما). قال الحافظ السيوطي في معترك الأقران وتأتي "أي كان"بمعنى الدوام والاستمرار نحو {وكان الله غفورا رحيما}. {وكنا بكل شيء عالمين} أي لم نزل كذلك. وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان. قال أبو بكر الرازي: كان في القرآن على خمسة أوجه: بمعنى الأزل والأبد، كقوله:{وكان الله عليما حكيما}.اهـ2/245.

 قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/421، واستدل به على ان العالم حادث لان قوله "ولم يكن شيء غيره "ظاهر في ذلك فان كل شيء سوى الله وجد بعد ان لم يكن موجودا. وقال الحافظ ابن حجر 13/416 قوله "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم " كذا ذكر قطعتين من آيتين، وتلطف في ذكر الثانية عقب الاولى برد من توهم من قوله في الحديث "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء "ان العرش لم يزل مع الله تعالى وهو مذهب باطل "اهـ

 وقد روى ابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل شيء خلق من الماء " وعند ابن حبان قال: ان الله تعالى خلق كل شيء من الماء وفي هذه الاحاديث ابين البيان واوضح برهان بأن الماء اصل كل شيء ولم يكن للعرش العظيم وجود قبل الماء لا بالجنس ولا بالنوع كما زعم في الثاني أحمد ابن تيمية الحراني وهو قول باطل .

قال الزجاج المتوفى 311 هجري والعلامة اللغوي أبو القاسم الزجاجي في كتابه اشتقاق أسماء الله قال والعلي والعالي ايضا القاهر الغالب للاشياء فقول العرب علا فلان فلانا أي غلبه وقهره كما قال الشاعر فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر يعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم انتهى وقال الإمام أبو اسحق الزجاج المتوفى 311 هـ في كتابه تفسير اسماء الله الحسنى ص 60 في تفسير اسم الله الظاهر "وان اخذته من قول العرب ظهر فلان فوق السطح إذا علا، ومن قول الشاعر، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " فهو من العلو والله تعالى عال على كل شيء وليس المراد بالعلو ارتفاع المحل لأن الله تعالى يجل عن المحل والمكان وانما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان أهـ. وفي كتاب عمدة الحفاظ في تفسير اشرف الالفاظ للشيخ أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي المتوفى 756 هـ 3/304 وقوله: (وهو القاهر فوق عباده) فالفوقية هنا ليست حقيقتها مراده تعالى الله عن الجهة وانما المراد ان قهره وسلطانه وقدرته استعلت على عباده فهم تحت قهره وسلطانه وقال ايضا قال بعضهم فوق تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلةوذلك أضرب إلى ان قال السادس بإعتبار القهر والغلبة كقوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) أهـ

قال المفسر العلامة أبو حيان في البحر المحيط : " وفي قوله " فأينما تولوا فثم وجه الله " رد على من يقول إنه في حيز وجهة , لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات , دل على أنه ليس في جهة ولا حيز , ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الاماكن , فحيث لم يخصص مكانا علم أنه لا في جهة ولا حيز بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه .فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره . انتهى . قال محمد صالح عثيمين المجسم في شرح العقيدة الواسطية ص 286 : ولكن الصحيح أن المراد بالوجه هنا وجه الله الحقيقي أي إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله سبحانه وتعالى لأن الله محيط بكل شيء . ولانه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه , ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه , لان الله قبل وجهه . وقال قبل ذلك وهو وجه قائم به تبارك وتعالى موصوف بالجلال والاكرام , وهو من الصفات الذاتية الخبرية , ونقل عن ابن تيمية ان معيه الله حقيقية تليق به انتهى . وقال أبو حيان في كلامه عن الاتيان والمجيء , فروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر , ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون ويكلون فهم معناه الى علم المتكلم به وهو الله تعالى . وقال عند ذكر اليد : وقال قوم منهم الشعبي وابن المسيب والثوري نؤمن بها ونقر كما نصت ولا تعين تفسيرها , ولا سيبق النظر فيها .

 قال القرطبي في تفسيره : قوله تعالى: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض" قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه. وقيل: تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته. وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض. وقيل: هو إشارة إلى الملائكة. وقيل: إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب.

قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون. "فإذا هي تمور" أي تذهب وتجيء. والمور: الاضطراب بالذهاب والمجيء. قال الشاعر:

رمين فأقصدن القلوب ولن ترى دما مائرا إلا جرى في الحيازم

جمع حيزوم وهو وسط الصدر. وإذا خسف بإنسان دارت به الأرض فهو المور. وقال المحققون: أمنتم من فوق السماء؛ كقول: "فسيحوا في الأرض" [التوبة: 2] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز لكن بالقهر والتدبير. وقيل: معناه أمنتم من على السماء؛ كقوله تعالى: "ولأصلبنكم في جذوع النخل" [طه: 71] أي عليها. ومعناه أنه مديرها ومالكها؛ كما يقال: فلان على العراق والحجاز؛ أي وإليها وأميرها. والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة، مشيرة إلى العلو؛ لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند. والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت. ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام. وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته؛ كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان. ولا مكان له ولا زمان. وهو الآن على ما عليه كان. .

قوله تعالى: "أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا" أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء. وقيل: سحاب فيه حجارة. انتهى .

وقال البغوي في تفسيره : فقال: 16- "أأمنتم من في السماء"، قال ابن عباس: أي: عذاب من في السماء إن عصيتموه، "أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور"، قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل، تعلو عليهم وتمر فوقهم. يقال: مار يمور، أي: جاء وذهب.
17- "أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً"، ريحاً ذات حجارة كما فعل بقوم لوط. "فستعلمون"، في الآخرة وعند الموت، "كيف نذير"، أي إنذاري إذا عاينتم العذاب.
18- "ولقد كذب الذين من قبلهم"، يعني كفار الأمم الماضية، "فكيف كان نكير"، أي إنكاري عليهم بالعذاب. وقال ابن جرير في تفسير : القول فـي تأويـل قوله تعالى:{أَأَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ }.
يقول تعالى ذكره: أأَمنْتُمْ مَنْ فِي السّماءِ أيها الكافرون أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فإذا هِيَ تَمُورُ يقول: فإذا الأرض تذهب بكم وتجيء وتضطرب أمْ أمِنْتُمْ مَنْ فِي السّماءِ وهو الله أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبا وهو التراب فيه الحصباء الصغار فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبة نذيري لكم, إذ كذبتم به, ورددتموه على رسولي.

 قال القاضي ابو بكر بن العربي المالكي في العارضة قوله في السماء اخبار كما تقدم عن غاية الرفعة ومنتهى الجلالة لا عن محل استقر فيه قال : بلغنا السماء مجدنا وحدودنا وانا لنرجو فوق ذلك مظهرا  

ولم يحل بالسماء ولكنه اراد ما ذكرناه أ.هـ وفي الحاوي للفتاوي للحافظ السيوطي 2ص453 عن الشيخ عز الدين عند حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه قال السيوطي:(إن هذا الحديث ليس بصحيح وقد سئل عنه النووي في فتاويه فقال:إنه ليس بثابت، قال وتنزه عن المكان والزمان، علمنا أنه أقرب إلى كل شيء ليس شيء أقرب إليه من شيء ولا شيء أبعد إليه من شيء لا بمعنى قرب المسافة لأنه منزه عن ذلك، علمنا أنه منزه عن الكيفية والأينية فلا يوصف بأين ولا كيف. علمنا أنه منزه عن الحس والجسم واللمس والمس، وقال الحافظ السيوطي: فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والأين. وفي الفتح 7/98 قال الحاكم الاحاديث التي تصرح باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين وليس لمعارضها في الصحيح ذكر انتهى وقيل المراد باهتزاز العرش اهتزاز حملة العرش ويؤيده حديث ان جبريل قال من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها اخرجه الحاكم إلى ان قال، قال أبو الوليد بن رشد في شرح العتبية إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل ان العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته كما يقع للجالس منا على كرسيه وليس العرش بموضع استقرار الله تبارك الله وتنزه عن مشابهة خلقه انتهى ملخصاً والذي يظهر ان مالكاً ما نهى عنه لهذا اذ لو خشي من هذا لما اسند في الموطأ حديث ينزل الله إلى سماء الدنيا لانه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش ومع ذلك فمعتقد سلف الائمة وعلماء السنة من الخلف ان الله منزه عن الحركة والتحول والحلول ليس كمثله شيئ، ويحتمل الفرق بان حديث سعد ما ثبت عنده فأمر بالكف عن التحدث به بخلاف حديث النزول فانه ثابت فرواه ووكل أمره إلى فهم اولي العلم الذين يسمعون في القرءان استوى على العرش ونحو ذلك وقد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو اكثر وثبت في الصحيحين فلا معنى لانكاره. اهـ قال ابن عبد البر في التمهيد : روى حرملة بن يحيى قال سمعت عبدالله بن وهب يقول سمعت مالك بن أنس يقول من وصف شيئا من ذات الله مثل قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة وأشار بيده إلى عنقه ومثل قوله وهو السميع البصير فأشار إلى عينيه أو أذنه أو شيئا من بدنه قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه . وقال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه ما نصه : روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " إن الله كان سميعا بصيرا " النساء 58 , فوضع إصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه " .قال العلماء : أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى , فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر , لا أن لله سبحانه جارحة . انتهى . وقال البيهقي في الاسماء والصفات , " وليس في الخبر إثبات الجارحة تعالى الله عن شبه المخلوقين علوا كبيرا " . والحديث رواه أبو داود في سننه , والبيهقي في الاسماء والصفات . وقد ورد في طبقات الحنابلة في ذكر عقيدة الإمام أحمد بن حنبل "كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول، الله تعالى له يدان وهما صفة له، ليستا بجارحتين وليستا مركبتين ولا جسم ولا من جنس الاجسام ولا من جنس المحدود والتركيب والابعاض والجوارح ولا يقاس على ذلك ولا له مرفق ولا عضلة ولا فيما يقتضي ذلك من إطلاق قولهم يد إلا ما نطق به القرآن الكريم، طبقات الحنابلة 2-391، ويقويه ما ذكره الحافظ البيهقي في مناقب أحمد قال، وقال أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد، و أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال إن الاسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه وتعالى خارج عن ذلك ولم يجيء في الشريعة ذلك. اه وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى أن الإمام أحمد كان يقول "والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل ولا يلحقه الحدود قبل العرش ولا بعد خلق العرش. وقد قال صلى الله عليه وسلم "إنما نزل كتاب الله عز وجل يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم فكلوه إلى عالمه "رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه وأحمد في المسند وابن ماجه، وقال أبو حنيفة في الفقه الاكبر "وصفاته في الازل غير محدثة ولا مخلوقة: فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها أو شك فيهما فهو كافر بالله تعالى، وقال لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الازل قادرا بقدرته والقدرة صفة في الازل الخ ما قاله ارجع اليه، وقد قال ابن تيمية في كتابه نقض المنطق ص5: وثبت عن الربيع بن سليمان انه قال: سالت الشافعي رحمه الله تعالى عن صفات الله تعالى ؟ فقال:حرام على العقول ان تمثل الله تعالى وعلى الاوهام ان تحدّه وعلى الظنون ان تقطع وعلى النفوس ان تفكر وعلى الضمائر ان تعمق وعلى الخواطر ان تحيط. وقال أبو يعلى الفراء الحنبلي في كتابه إبطال التأويلات قال الإمام أحمد كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال، وقال في رواية حنبل احتجوا علي يومئذ "تجيء البقرة يوم القيامة ""وتجيء تبارك "فقلت لهم هذا الثواب، قال فقد نص أحمد على المعنى الذي ذكرنا. انتهى. ونقله عن القاضي أبي يعلى ابن القيم في مختصر الصواعق ص 448 دار الحديث القاهرة . وقال الذهبي في كتابه العلو , وقال حنبل بن اسحاق : قيل لابي عبد الله ما معنى " وهو معكم " قال : علمه محيط بالكل وربنا على العرش بلا حد ولاصفة . قال الإمام الترمذي في سننه 4-692 "والمذهب في هذا عند أهلم العلم من الائمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس، وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الاشياء ثم قالوا: تروى هذه الاحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه ال أشياء كما جاءت ويُؤمَنُ بها، ولا تُفسرُ ولا تتوهم ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه , وأما ما قاله شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي المجسم فإن قال انه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء ام في الأرض قال هو كافر لانه انكر كونه في السماء فمن انكر انه في السماء فقد كفر لأن الله تعالى في أعلى عليين وهو يدعى من أعلى لا من أسفل. اهـ وكلامه مردود وهو من القائلين بالجهة أي جهة العلو والفوقية بالذات. فاجاب الشيخ ملا علي القاري الحنفي في شرح الفقه الاكبر ص 171 بقوله: و الجواب انه ذكر الشيخ الإمام ابن عبد السلام في كتاب "حل الرموز "انه قال أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله "من قال لا اعرف الله تعالى في السماء هو، ام في الأرض كفر، لان هذا القول يوهم ان للحق مكاناً ومن توهم ان للحق مكاناً فهو مشبه اهـ. ولا شك ان ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم فيجب الاعتماد على نقله لا على ما نقله الشارح ا هـ."أي ابن أبي العز"وهو رجل فاسد ضال ومشربه مشرب ابن تيمية من حيث المعتقد. قال الذهبي في كتابه العلو : وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب الفقه الاكبر قال : سألت أبا حنيفة عمن يقول : لا أعرف ربي في السماء أو في الارض , فقال : قد كفر لأن الله يقول " الرحمن على العرش استوى " وعرشه فوق سماواته . فقلت إنه يقول : أقول على العرش استوى ولكن قال : لا يدري العرش في السماء أو في الارض , فقال : إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر . رواها صاحب الفاروق بإسناد عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم . انتهى . قلت في السند الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي كان وضاعا ففي لسان الميزان قال أحمد : لا ينبغي أن يروى عنه شيء وقال أبوداود : تركوا حديثه , وقال ابن عدي : هو بين الضعف عامة ما يرويه لا يتابع عليه , وقال أبو حاتم الرازي كان مرجئا كذابا انتهى . ونقله ابن القيم في اجتماع جيوشه ص 74-75 من طريق أبي مطيع البلخي , ثم قال , قال شيخ الاسلام أبو العباس أحمد :ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الارض , فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الارض ؟ واحتج على كفره بقوله تعالى " الرحمن على العرش استوى " قال : عرشه فوق سبع سموات , الخ قوله . قلت ولم يبينوا كذب هذه الرواية ولا التي قبلها التي ذكرها ابن القيم من طريق نعيم بن حماد يقول سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول : كنا عند أبي حنيفة , الخ ما نقله , هناك , ولم يبين حال نوح هذا , بل ساقها ابن القيم وأوهم ثبوتها كعادته في التدليس , وحاله معروف عند علماء الجرح . قال فيه الحافظ ابن حجر كذبوه في الحديث , وقال ابن المبارك كان يضع . وقال الذهبي فقيه واسع العلم تركوه , وقال البخاري قال ابن المبارك لوكيع , حدثنا شيخ يقال له أبو عصمة كان يضع كما يضع المعلى بن هلال , وقال أحمد كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير , وقال أبو زرعة ضعيف الحديث , وقال أبو حاتم ومسلم بن الحجاج , وأبو بشر الدولابي والدارقطني متروك الحديث , وقال النسائي سقط حديثه , وذكر أبو عبد الله النيسابوري الحافظ : أنه وضع حديث فضائل القرآن , وقال فيه ابن حبان نوح الجامع جمع كل شيء الا الصدق , وقال لا يجوز الاحتجاج به بحال , كما في تهذيب الكمال للمزي .

وقال القرطبي في تفسيره ايضا : عند قوله تعالى : وهو الله في السموات وفي الارض 6/390 والقاعدة تنزيهه جل وعز عن الحركة والانتقال وشغل الامكنة وقال في تفسير قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده " القهر والغلبة ومعنى فوق عباده فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم اي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته اي بالمنزلة والرفعة . أ.ه قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح ناقلا مقرا 6/158 : ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ان لا يوصف بالعلو لان وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس أ.هـ قال الإمام النووي في شرح مسلم 3/19 وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق، وقال النووي أيضا: والله تعالى منزه عن الجسم والحد. وقال الشيخ ملاّ علي القاري في شرح الشفا 2/530 (والمحققون أنه تعالى منزه عن المكان والزمان وأما قوله تعالى {وهو الله في السموات وفي الأرض} فمعناه أنه هو المستحق لأن يعبد فيهما لا غير كقوله تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} وقال الامام الرازي في التفسير الكبير 30/69-70 ( ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فاذا هي تمور ) واعلم ان المشبهة احتجوا على اثبات المكان لله تعالى بقوله ( ءأمنتم من في السماء ) الجواب عنه ان هذه الاية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين لان كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع الجوانب فيكون اصغر من السماء والسماء اصغر من العرش بكثير فيلزم ان يكون الله تعالى شيئا حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وذلك باتفاق اهل الاسلام محال ولانه تعالى قال : ( قل لمن ما في السموات والارض قل لله ) فلو كان الله في السماء لوجب ان يكون مالكا لنفسه وهذا محال ، فعلمنا ان هذه الاية يجب صرفها عن ظاهرها الى التأويل ثم فيه وجوه احدها لم لا يجوز ان يكون تقدير الاية أأمنتم من في السماء عذابه وذلك لان عادة الله جارية بأنه انما ينزل البلاء على من يكفر بالله ويعصيه من السماء ، فالسماء موضع عذابه تعالى كما انه موضع نزول رحمته ونعمته . هـ وقال الشيخ الامام زكريا الانصاري في كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرءان ص 432 قوله تعالى ( ءأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض ) ان قلت كيف قال ( من في السماء ) مع انه تعالى ليس فيها ولا في غيرها بل هو تعالى منزه عن كل مكان ؟ قلت المعنى من ملكوته في السماء التي هي مسكن ملائكته ومحل عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنه تنزل اقضيته وكتبه أ. وقال ابو حيان الاندلسي في النهر الماد 2/2 ص 1131 " أأمنتم من في السماء " هذا مجاز وقد قام البرهان العقلي على انه تعالى ليس بمتحيز في جهة ومجازه ان ملكوته في السماء لان في السماء هو صلة من ففيه الضمير الذي كان في العامل فيه وهو استقر اي من في السماء هو اي ملكوته فهو على حذف مضاف وملكوته في كل شيء لكن خص السماء بالذكر لانها مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأمره ونهيه .انتهى وقال الله تعالى ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . قال ابن حزم الظاهري في الفِصَل ص 98 فهو ان الله تعالى لا في مكان ولا في زمان قال وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى : ( الا انه بكل شيء محيط ) فهذا يوجب ضرورة انه تعالى لا في مكان اذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به في جهة ما او من جهات وهذا منتف عن الباري بنص الاية المذكورة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز ان يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة و بالله تعالى التوفيق أ.ه . وقال الامام ابو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الابسط وكان من رؤوس علماء السلف الصالح كان الله ولا مكان كان قبل ان يخلق الخلق ، كان ولم يكن اين ولا خلق ولا شيء وهو خالق كل شيء .

وقال في الفقه الاكبر : لا جسم ولا عرض ولا حد له ولا ضد ولا ند ولا مثيل ، وثبت عن الامام احمد نفي الحد فقد قال ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعده كما ذكره ابو الفضل التميمي في اعتقاد احمد وعن ذي النون المصري المتوفى 245 ه قال لا الاين والحيث والتكييف يدركه ولا يحد بمقدار ولا أمد . تنبيه : قال ابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز المجلد الرابع صحيفة:53 ما نصه قوله :{ في جذوع النخل} اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قوله ركبت على الفرس .وفي البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي الجزء السادس صحيفة 242 ما نصه: ولما كان الجذع مقرا للمصلوب واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عدي الفعل بفي التي للوعاء وقيل في بمعنى على؛ وقيل نقر فرعون الخشب وصلبهم في داخله فصار ظرفا لهم حقيقة حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا ومن نعدية صلب بفي قول .وفي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي الجزء الخامس صحيفة 41 ما نصه: قوله:{في جذوع النخل} يحتمل ان يكون حقيقة وفي التفسير أنه نقرَ جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا ؛ وأن يكون مجازا وله وجهان: أحدهما أنه وضع حرفا مكان ءاخر والأصل على جذوعلا النخل كقوله: بطلٌ كأن ثيابه في سَرحِه يُحذى نِعا السبت ليس بتوأم والثاني: فإنه شبه تمكنهم بتمكن مَن حواه الجذع ومن تعدى صلب بفي قول الشاعر: وقد صلبوا العبديَّ في جذع نخلة فلا عَطِسَت شيبان إلا بأجدَعا انتهى . قال الشوكاني في تفسيره. "ولأصلبنكم في جذوع النخل" أي على جذوعها كقوله: "أم لهم سلم يستمعون فيه" أي عليه، ومنه قول سويد بن أبي كاهل: هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعا وإنما آثر كلمة في للدلالة على استقرارهم عليها كاستقرار المظروف في الظرف قال ابن جرير في تفسيره :وقوله: وَلأُصَلّبَنّكُمْ فِـي جُذُوعِ النّـخْـلِ يقول: ولأصلبنكم علـى جذوع النـخـل, كما قال الشاعر:
هُمْ صَلَبُوا العَبْدِيّ فِـي جِذْعِ نَـخْـلَةٍفَلا عَطَسَتْ شَيْبـانُ إلاّ بأجْدَعا
يعنـي علـى جذع نـخـلة, وإنـما قـيـل: فـي جذوع, لأن الـمصلوب علـى الـخشبة يرفع فـي طولها, ثم يصير علـيها, فـيقال: صلب علـيها. قال ابن الجوزي في الزاد : تقول: سماء عليا، وسماوات على، . قال الامام الزركشي في البحر المحيط فِي : لِلْوِعَاءِ إمَّا حَقِيقَةً وَهِيَ اشْتِمَالُ الظَّرْفِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ ، كَقَوْلِك : الْمَالُ فِي الْكِيسِ ، وَإِمَّا مَجَازًا كَقَوْلِك : فُلَانٌ يَنْظُرُ فِي الْعِلْمِ ، وَالدَّارُ فِي يَدِهِ ، فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } فَقَالَ : الْمُبَرِّدُ : بِمَعْنَى " عَلَى " ، وَقَالَ الْحُذَّاقُ : عَلَى حَقِيقَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْجِذْعَ يَصِيرُ مُسْتَقَرًّا لِهَذَا الْفِعْلِ .
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ : الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأُدَبَاءِ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الظَّرْفِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا سِوَى الزَّمَخْشَرِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى بَابِهَا قَالَ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْمُحَقَّقِ وَالْمُقَدَّرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرَكِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ ، وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُحَقَّقِ مَجَازٌ فِي الْمُقَدَّرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمُحَقَّقِ .
قَالَ : الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ : وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ فِي حُكْمِ الْمَقْرُورِ بِهِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ : لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ : إنَّ إقْرَارَهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ دُونَ الْمِنْدِيلِ وَزَعَمَ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِهِمَا .

 

تنبيه :

قال اهل اللغة والاستفهام هو طلب يوجه إلى المخاطب يستفهم به عن حقيقة أمر أو شيء معين , بواسطة أداة من أدوات الاستفهام , منها : أين . تقول : أين بيتك ؟ أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم أو اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية متعلق بخبر مقدم محذوف تقديره موجود بيتك مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة وهو مضاف والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر بالاضافة . أين كنت ؟ أين اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية , متعلق بخبر كان المقدم , المحذوف تقديره , موجودا كنت فعل ماض ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر والتاء ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع اسم كان . وكذلك يستفهم بها عن المكانة والمنزلة والشأن , كما يقال أين هو منك , أين الثرى من الثريا ؟ أو الفرق بين الشيئين مثل : أين هذا من ذاك . وقال ابن عثيمين في شرح العقيدة الواسطية ص 44 : قوله أين الله ( أين ) يستفهم بها عن المكان , واستفهام النبي صلى الله عليه وسلم ب ( أين ) يدل على أن لله مكانا , ولكن يجب أن نعلم أن الله تعالى لا تحيط به الامكنة , لانه أكبر من كل شيء وأن ما فوق الكون عدم , ما ثم إلا الله , فهو فوق كل شيء . قلت وهذا رجل جاهل بكلام العرب وصفات الرب سبحانه . قلت وماذا يقولون هؤلاء المجسمة والمشبهة الذين يتمسكون بالظواهر أي حقيقة ظاهر اللفظ المتبادر بقول الله تعالى " فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني انا الله رب العالمين الى قوله تعالى يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين القصص -30 " وفي قوله تعالى " فأينما تولوا فثم وجه الله " البقرة 115 . وقوله تعالى إخباراً عن آسية { ربي ابن لي عندك بيتاً في الجنة} , وقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري , عن عبد الله بن عمر مرفوعا : " إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَلَ وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى " وفي رواية أخرى للبخاري من حديث سيدنا أنس مرفوعا : " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقُن أحدكم قِبَلَ قبلته " الحديث . وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم "الذي تدعونه اقرب إلى احدكم من عنق راحلة احدكم "و كما روي عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي "والله لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله"وقوله تعالى إخباراً عن آسية { ربي ابن لي عندك بيتاً في الجنة} وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم "اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل "وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} وحديث اني لست كأحدكم اني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهو في الصيحين , وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا، وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملآ الاعلى وقال الحافظ ايضا قال ابن بطال وصف سبحانه نفسه بأنه يتقرب إلى عبده ووصف العبد بالتقرب اليه ووصفه بالاتيان والهرولة كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز، فحملها على الحقيقة يقتضي قطع المسافات وتداني الاجسام وذلك في حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز لشهرته في كلام العرب فيكون وصف العبد بالتقرب اليه شبرا وذراعا واتيانه ومشيه معناه التقرب اليه بطاعته وأداء مفترضاته ونوافله، ويكون تقربه سبحانه من عبده واتيانه والمشي عبارة عن اثابته على طاعته وتقربه من رحمته ويكون قوله أتيته هرولة أي أتاه ثوابي مسرعا، ونقل عن الطبري أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر منه والضعف من الكرامة والثواب بالذراع فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته لمن ادمن على طاعته، أن ثواب عمله له على عمله الضعف وان الكرامة مجاوزة حده إلى ما يثيبه الله تعالى، وقال ابن التين القرب هنا نظير ما تقدم في قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى، فان المراد به قرب الرتبة وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة اليه ورضا الله عن العبد وتضعيف الاجر اه، وقال ابن الجوزي والتقرب والهرولة توسع في الكلام كقوله تعالى،, سعوا في أياتنا، وقوله تعالى في سورة الحشر 3 : هُوَ الّذِيَ أَخْرَجَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنّوَاْ أَنّهُمْ مّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللّهِ فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ }. قال ابن جرير في تفسيره : يعني تعالى ذكره بقوله: هُوَ الّذِي أخْرَجَ الّذِينَ كَفَروا مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوّلِ الْحَشْرِ الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب, وهم يهود بني النضير من ديارهم, وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم . وقال ابن جرير :وقوله: فأتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم, وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا, قذف في قلوبهم الرعب بنزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم في أصحابه, يقول جلّ ثناؤه: وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرّعُبَ. وقال ابن جرير في تفسيره في سورة النمل , آية 8 الآيات: 7 - 14 {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون، فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين، يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم، وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون، وفي الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر "أخرجه أحمد ومسلم واخرجه البخاري بلفظ فان الله هو الدهر، ولفظ لمسلم فاني أنا الدهر واخرجه البخاري ومسلم عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار "قال أبو يعلى الفراء المجسم في كتابه إبطال التاويلات، فقد بين ابراهيم الحربي ان الخبر ليس على ظاهره وانه ورد على سبب وقال وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله رحمه الله هذا الحديث في كتابه وقال لا يجوز أن يسمى الله دهرا والامر على ما قاله لانه قد روي في بعض الفاظ هذا الحديث ما منع من حمله على ظاهره انتهى وكتاب أبي يعلى هذا المتوفى سنة 458 ه وكر ومشحون في التشبيه والتجسيم فقد وصف

قال ابن جرير في تفسيره : واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله مَنْ فِـي النّارِ فقال بعضهم: عنـي جلّ جلاله بذلك نفسه, وهو الذي كان فـي النار, وكانت النار نوره تعالـى ذكره فـي قول جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
20425ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, فـي قوله: فَلَـمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فـي النّارِ يعنـي نفسه قال: كان نور ربّ العالـمين فـي الشجرة.
20426ـ حدثنـي إسماعيـل بن الهيثم أبو العالـية العبدي, قال: حدثنا أبو قُتَـيبة, عن ورقاء, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبـير, فـي قول الله: بُورِكَ مَنْ فـي النّارِ قال: ناداه وهو فـي النار. حدثنا مـحمد بن سنان القزاز, قال: حدثنا مكي بن إبراهيـم, قال: حدثنا موسى, عن مـحمد بن كعب, فـي قوله: أنْ بورِكَ مَنْ فِـي النّارِ نور الرحمن, والنور هو الله وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَالَـمِينَ اه . وقال البغوي في معالم التنزيل : وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: "بورك من في النار"، يعني قدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها، قوله تعالـى: {فَلَمّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ أَن يَمُوسَىَ إِنّيَ أَنَا اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ }. القصص 30 , قال ابن جرير الطبري في تفسيره : حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد فَلَـمّا أتاها نُودِيَ مِنْ شاطِىءِ الوَادِ الأيـمَنِ قال: شِقّ الوادي عن يـمين موسى عند الطور. حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة, قوله فَلَـمّا أتاها نُودِيَ مِنْ شاطىءِ الوَادِ الأيـمَنِ فِـي البُقْعَةِ الـمُبـارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ قال: نودي من عند الشجرة أنْ يا مُوسَى إنـي أنا اللّهُ رَبّ العالَـمِينَ. وقوله: يا مُوسَى أقْبِلْ وَلا تَـخَفْ يقول تعالـى ذكره: فنودي موسى: يا موسى أقبل إلـيّ ولا تـخف من الذي تهرب منه إنّكَ مِنَ الاَمِنِـينَ من أن يضرّك, إنـما هو عصاك وقال ابن كثير في تفسيره :. وقوله تعالى: {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا رب سواه, تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه . انتهى , فماذا يقولون المشبهة هل كان الله في الشجرة لما كلم موسى اخذا في ظاهر الخبر وانه ترك وأخلى العرش كما يزعمون بانه مستقر وجالس عليه , وهذا نص قراني ذكرناه , ظاهره المتبادر أن الله كان في تلك البقعة من شاطئ الوادي الايمن وأنه في الشجرة أو عند الشجرة , اليس ظاهر الاية التحديد والحصر من شاطئ الوادي الايمن , وزيد على حسب الظاهر الحصر والتحديد من الشجرة , تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا , وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق : 2 470 طبعة دار الحديث القاهرة : ما نصه : وروى عبد الله بن أحمد عن نوف قال : نودي موسى من شاطئ الوادي . قال من أنت الذي تناديني ؟ قال أنا ربك الاعلى . انتهى . قال القرطبي في تفسيره :{فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}
قوله تعالى: "فلما أتاها" يعني الشجرة قدم ضميرها عليها "نودي من شاطئ الواد" "من" الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و"من الشجرة" بدل من قوله: "من شاطئ الواد" بدل الاشتمال، لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، وشاطئ الوادي وشطه جانبه،

 "الأيمن" أي عن يمين موسى وقيل: عن يمين الجبل "في البقعة المباركة من الشجرة"

"ومن الشجرة" أي من ناحية الشجرة . ، قال القرطبي في تفسيره : وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قدس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدس وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل؛ نادى الله موسى وهو في النور؛ وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا؛ وهذا لأن الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" [الزخرف: 84] لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة. : , وقال الذهبي في كتاب العلو :شريك عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس " أن بورك من في النار " النمل , قال : الله عز وجل " ومن حولها " قال الملائكة إسناده صالح , انتهى . فهل هؤلاء الجهوية القائلون في جهة فوق على ظاهر الاخبار يقولون ان الله عز وجل كان في تلك البقعة وفي قوله تعالى أقبل ، هل يقولون إقبال مسافة الى مسافة بينه وبين الباري ؟ وماذا يقولون في حديث البخاري " اذا كان احدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فان الله قبل وجهه اذا صلى " وفي رواية إخرى للبخاري " إن احدكم إذا قام في صلاته فانه يناجي ربه أو ان ربه بينه وبين القبلة فلا يبصق احدكم قبل قبلته " فهل يقولون ان الله بين العبد وبين القبلة بالمسافة والجهة على ظاهر الخبر أو ان الله أمام العبد بالمسافة قريب منه متمسكاً بالظاهر من هذا الحديث وغيره من الاحاديث التي يدل ظاهرها على اثبات الجهة والمكان لله تعالى . بماذا يجيبون هؤلاء المجسمة وماذا يصنعون بحديث مسلم "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" فهل يأخذون بهذه الظواهر فيثبتون الجهة وقرب المسافة لله تعالى والمكان ام ياخذون بظواهر بعض الايات والاحاديث ويتركون البعض فما هذا التحكم ؟ وماذا يفعلون بقوله تعالى " وهو معكم اينما كنتم " وبقوله تعالى حكاية عن سيدنا ابراهيم عليه ال‍سلام " إني ذاهب إلى ربي " مع إتفاق المفسرين انه كان ذاهب إلى بر الشام . وكذلك قوله تعالى " وهو الله في السموات والارض " وقوله تعالى "انني معكما اسمع وأرى " قال ابن جرير في تفسيره: القول فـي تأويـل قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله: ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ الوَرِيدِ فقال بعضهم: معناه: نحن أملك به, وأقرب إليه في المقدرة عليه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد بالعلم بما تُوَسْوس به نفسه. وقال البغوي في تفسير:. "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه "، يحدث به قلبه ولا يخفى علينا سرائره وضمائره، "ونحن أقرب إليه "، أعلم به، "من حبل الوريد "، لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب علم الله شيء، وقوله " والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماءً حتى اذا جاءه لم يجده شيئاًووجد الله عنده "الاية وقوله تعالى في الظل " ثم قبضناه الينا قبضاً يسيراً" وقوله " ونحن اقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون " وقوله تعالى " فاينما تولوا فثم وجه الله " وفي حديث البخاري ومسلم واللفظ لمسلم " الذي تدعونه اقرب الى احدكم من عنق راحلة احدكم " و كما روي عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي " والله لو دليتم بحبل الى الارض السابعة لهبط على الله" وقوله تعالى إخباراً عن آسية { ربي ابن لي عندك بيتاً في الجنة} وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الامام مسلم " اللهم انت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل " وبقوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} وحديث اني لست كأحدكم اني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني وهو في الصحيحين فبعض هذه الايات والاحاديث لو حمل على ظاهرها لكان فيه اثبات التحيز والجهة وشغل المكان في جهة العلو ،في السموات وفي الجنة وفوق العرش، وفي بعضها اثبات المسافة بين العبد وربه في الارض ، وفي بعضها في كل الجهات ، وكل ذلك باطل عقلاً وشرعاً وسبيل التوفيق في ذلك الرجوع الى الايات المحكمة ، وصريح العقل ، إذ العقل شاهد الشرع ولا يأتي الشرع الا بما يتوافق مع العقل، ولا يأتي الشرع بما يحيله العقل، والعقل قاض بان الله عز وجل لا يشبه شيئاً ولا مِثْلَ له وانه منزه عن سمات الحدث وفي قوله تعالى " ليس كمثله شيء " كفاية لتنزيه الله عز وجل عن مشابهة المخلوقين . وما اجمل عبارة الحافظ ابن الجوزي فان علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فاذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس , فالمجسمة والمشبهة يقولون فوق العرش بذاته وفي السماء بذاته وبيننا وبين القبلة على الحقيقة وينزل على الحقيقة وهل يخلو منه العرش فيه قولان ومحيظ بالعالم على الحقيقة وفي الجنة على الحقيقة نعوذ بالله من فساد المعتقد وقالوا ويضع قدمه ورجله في النار و ياتي هروله على الحقيقة وكيف توجه العبد فيقابل وجه الله على الحقيقة ولا يمتنع عليه ذلك. سبحان واهب العقول فاحذرهم ايها العاقل وحذر منهم

قال الحافظ ابن حجر عند قوله صلى الله عليه وسلم " إن أحدكم اذا قام في صلاته فانه يناجي ربه او ان ربه بينه وبين القبلة " الحديث . فيه الرد على من أثبت انه على العرش بذاته . وقال المحدث الزبيدي في الاتحاف ج3/ص18 ، " وقيل أقرب ما يكون العبد من الله تعالى أي من رحمته (ان يكون ساجداً اي حالة سجوده وهو معنى قوله عز وجل في اخر سورة العلق " واسجد واقترب" اي دم على سجودك اي صلاتك واقترب من الله تعالى " وهذا قول مجاهد اخرجه عبد الرزاق في مصنفه وسعيد بن منصور في سننه عنه قال "اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا تسمعونه يقول واسجد واقترب وقال الزبيدي عند حديث " ان احدكم اذا قام في صلاته فانما يناجي ربه أو ربه بينه وبين قبلته فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه الحديث ، رواه البخاري ومسلم والترمذي وابو داود والنسائي ، قال الثانية قوله أو أن ربه بينه وبين القبلة ظاهره محال لتنزيه الرب تعالى عن المكان فيجب على المصلي اكرام قبلته بما يكرم به من يناجيه من المخلوقين عند استقبالهم بوجهه ومن اعظم الجفاء وسوء الادب ان تتنخم في توجهك إلى رب الأرباب وقد اعلمنا الله باقباله على من توجه إليه. وقال الكرماني في شرح البخاري 4 ــ 70: فإن قلت ما معنى كون الرب بينه وبين القبلة إذ لا يصح على ظاهره لأن الله تعالى منزّه عن الحلول في المكان تعالى عنه . قال الحافظ البيهقي في كتابه الاسماء والصفات ج2/ص213 وقال ابو الحسن بن مهدي فيما كتب لي ابو نصر بن قتادة من كتابه معنى قوله صلى الله عليه وسلم ان الله قبل وجهه اي ان ثواب الله لهذا المصلي ينزل عليه من قبل وجهه ومثله قوله " يجيء القرءان بين يدي صاحبه يوم القيامة " : اي يجيء ثواب قراءته القرءان . وقال ابن كثير في تفسيره وقال عكرمة عن ابن عباس " فأينما تولوا فثم وجه الله " قال قبلة الله ، وقال ابن جرير حدثنا ابو كريب أخبرنا ابن إدريس حدثنا عبد الملك هو ابن ابي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر انه كان يصلي حيث توجهت به راحلته . ويذكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الاية " فأينما تولوا فثم وجه الله " رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وابن مردويه من طرق عن عبد الملك بن ابي سليمان به وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة من غير ذكر الاية اهـ بتصرف " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم أينما كانوا " أي مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم قاله ابن كثير . وفي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي وأنا معه حيث يذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا اقتربت اليه باعا وان أتاني يمشي أتيته هرولة , قال الحافظ ابن حجر في الفتح والتقدير ان ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا , وان ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملآ الاعلى .


ثم يقال لمن يستدل بحديث الجارية بأن الله في السماء حقيقة بذاته، يقال له ماذا تقول بمن أورد عليكم حديث أحمد في المسند الترمذي في جامعه وابن ماجه في سننه والطبراني في الكبير، من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس (وقد قال الذهبي في العلو: رواه شعبة وغيره عن يعلى فقالوا، بدل عدس بدل حدس وقال الذهبي في العلو وإسناده حسن، قلت بل الحديث ضعيف وفيه وكيع بن عدس ولم يوثقه إلا ابن حبان ولم يرو عنه إلا يعلى بن عطاء وضعفه المتناقض الالباني في ضعيف الترمذي وفي ضعيف ابن ماجه وفي تخريجه لسنة ابن أبي عاصم، أما ما قاله في مختصر العلو ص 186 "وقال رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده حسن، فليس بحسن، ولكن صحح اسناده ابن العربي في العارضة فافهم) عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض ؟. فالجواب من الخصم والمعارض، إما أن يقول كان ولا شيء معه، ولم يكن شيء غيره كما قال رسول الله كما في صحيح البخاري وغيره، وهذه الموجودات من العرش والسموات والماء لم تكن موجودة وكان الله قبل هذه الموجودات، وإما أن يقول إن الله كان في الازل وكانت السموات و الأرض والعرش أو شيء من ذلك , وهو الحاد وكفر والرد عليه واضح، وإما أن يقول: كان وحده في الازل ثم انتقل وتحول من لا مكان ولا زمان أي من الازل إلى الإمكان وهو الحدوث حتى صار في السماء حقيقة بظاهر حديث الجارية، أو جلس واستقر بظاهر آية الاستواء كما تقول المشبهة، وهذا فيه نسبة الحدوث والامكان لله تعالى والتنقل والتحول والتصرف في نفسه، وهذا التحول والتنقل بزعمهم يكون تجدد عليه شيء لم يكن، أضف أنه لم يجيء ذلك لا في كتاب ولا سنة ولا عن أحد من السلف فوصفوا الله بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان الله ولم يكن شيء غيره، ونقل على ذلك ابن حزم الاجماع، ومن قال بخلاف ذلك كفر كما في مراتب الاجماع، وقال أبو حنيفة في الفقه الاكبر "وصفاته في الازل غير محدثة ولا مخلوقة: فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف فيها أو شك فيهما فهو كافر بالله تعالى، وقال لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الازل قادرا بقدرته والقدرة صفة في الازل الخ ما قاله ارجع اليه، قال ملا علي القاري أي موصوفا بنعوت الكمال، وأن صفات الله وأسمائه كلها أزلية لا بداية لها وأبدية لا نهاية لها، لم يتجدد له تعالى صفة من صفاته ولا إسم من أسمائه لانه سبحانه واجب الوجود لذاته الكامل في ذاته وصفاته، فلو حدث له صفة أو زال عنه نعت لكان قبل حدوث تلك الصفة وبعد زوال ذلك النعت ناقصا عن مقام الكمال وهو في حقه سبحانه من المحال فصفاته تعالى كلها أزلية أبدية. انتهى واما الحديث الثاني حديث أبي رزين فقد قال فيه يزيد بن هارون: قوله في عماء أي ليس معه شيء كما نقل عنه الترمذي في جامعه وقيل: إن هذا بالقصر. وقال ابن الجوزي: العماء السحاب. واعلم ان الفــوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى. و (في) بمعنى فوق. والمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات سألوا عنها. والسحاب من جملة خلقه. ولو سئل عما قبل السحاب لاخبر ان الله تعالى كان ولا شيء معه. كما روي في الحديث: كان الله تعالى ولا شيء معه. ولسنا نختلف ان الجبار تعالى لا يعلوه شيء من خلقه بحال، وانه لا يحل في الاشياء بنفسه، ولا يزول عنها لانه لو حل بها كان منها، ولو زال عنها لنأى عنها. اهـ قال القاضي ابو بكر ابن العربي في العارضة ( وقد سأل بها النبي السوداء في الصحيح من الصحيح وغيره فقال لها اين الله والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فان المكان يستحيل عليه وهي أين مستعملة فيه وقيل إن استعمالها في المكان حقيقة وفي المكانة مجاز وقيل هما حقيقتان وكل خارج على أصل التحقيق مستعمل على كل لسان وعند كل فريق . انتهى  

قال ابن الجوزي في كتابه المجالس ثم يقال للمشبهة الذين ينكرون التأويل ما تقولون في قول سيد الاولين والاخرين "الحجر الاسود يمين الله في الأرض "هل تتأول الحديث أم لا ؟ فإن قلت لا أتأوله، وأحمل اللفظ على ظاهره، فقد خرقت الاجماع والحقت معبودك بالجمادات ووصفته بها وهذا شيء يتقدس عنه العبد المخلوق فكيف بالمولى الخالق ؟ ولهذا اجمعت الامة على تأويل هذا الحديث من قال بالتأويل ومن أنكره وكذلك أجمعوا على تأويل قول النبي "أخذ نفس الرحمن من قبل اليمن "لاستحالة أن يكون الحجر الاسود صفة من صفات الله أو يكون له نفس كتصاعد نفس الآدمي .


قال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري (324 هـ) رضي الله عنه ما نصه: " كان الله ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه " اهـ أي بلا مكان ومن غير احتياج إلى العرش والكرسي. نقل ذلك عنه الحافظ ابن عساكر نقلا عن القاضي أبي المعالي الجويني