Search our site or Ask

دليل وضع حديث جابر

هذا الحديث فيه ثلاث علل على أنه موضوع:

الأولى:أنَّ أوَّله وهو نصٌّ في أنَّ النور المحمدي أول المخلوقات على الإطلاق، ثم الجملة التي بعده وهي "خلقه الله تعالى من نوره قبل الأشياء"، فإن قُدّرت هذه الإضافة التي في كلمة نوره إضافةَ المِلْك إلى المالك كان المعنى أنَّ أول المخلوقات نورٌ خلقه الله تعالى ثم خلق منه نورَ محمدٍ فيكون هذا نقضًا لأوله فلا يصحُّ على هذا قولُ "نورُ محمدٍ أول المخلوقات على الإطلاق".

وأما إن قُدّرت هذه الإضافة إضافةَ الصفة إلى الموصوف فالبَليّةُ أشدُّ وأكبرُ لأنه يكون المعنى على هذا التقدير أنَّ نور محمد جزءٌ من الله وهذا هو الشرك الأكبر والكفر الأشنع، لأنَّ من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى لم يَنْحَلَّ منه شىء ولا يَنْحَلُّ هو من شىءٍ غيره وأنه ليس مركبًا وأنه ليس شيئًا له أجزاء وإنما الجزء للمخلوقات، وقد ذكر الشيخ عبد الغني النابلسي رضي الله عنه أن من اعتقد أن الله انحلَّ منه شىء أو انحلَّ هو من شىء فهو كافر وإن زعم أنه مسلم وأن من اعتقد أنه نور يتصوره العقل فهو كافر، فاعتقاد أن الرسول جزءٌ من نور هو من ذات الله كاعتقاد النصارى أنَّ المسيح روحٌ هو جزءٌ من الله.

ومن المعلوم أنَّ كلام الرسول لا ينقضُ بعضه بعضًا، وهذا الحديث الجملة الثانية منه تنقض الأولى، فالرسول منزهٌ عن أن ينطق بمثله، فبهذا سقط الاحتجاج بهذا الحديث على دعوى أنَ أول المخلوقات على الإطلاق نورُ محمد.

الثانية:قد حكم المحدث الحافظ أبو الفضل أحمد الغماري المغربي على هذا الحديث بأنه موضوع كما قدمنا، واستدل بما قرره علماء الحديث أن الركاكة في الحديث دليل كونه موضوعًا وذلك ظاهر لمن تأمل في ألفاظه.

الثالثة:من جملة ألفاظه ما نقله سليمان الجمل في شرحه على الشمائل عن سعد الدين التفتازاني في شرح بردة المديح عند قوله:

وكل ءاي أتى الرسل الكرام بها * فإنما اتصلت من نوره بهم

وهذا نص عبارته: "عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شىء خلقه الله فقال: هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير وخلق بعده كل شر، فحين خلقه أقامه قدامه في مقام القرب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام،

فخلق القلم من قسم والروح من قسم والجنة من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق الملائكة من جزء وخلق الشمس من جزء وخلق القمر والكواكب من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق العقل من جزء والحلم والعلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة، ثم نظر إليه فترشح ذلك النور عرقًا فقطرت منه مائة ألف وعشرون ألفًا وأربعة ءالاف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة روح نبي أو رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم نور أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة، فالعرش والكرسي من نوري، والكروبيون والروحانيون من الملائكة من نوري، وملائكة السموات السبع من نوري، والجنة وما فيها من النعيم من نوري، والشمس والقمر والكواكب من نوري، والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والشهداء والسعداء والصالحون من نتائج نوري، ثم خلق الله اثني عشر حجابًا فأقام النور وهو الجزء الرابع في حجاب ألف سنة وهي مقامات العبودية وهي حجاب الكرامة والسعادة والرؤية والرحمة والرأفة والحلم والعلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد الله ذلك النور في كل حجاب ألف سنة، فلما خرج النور من الحجب ركَّبه الله في الأرض فكان يضيئ، وركب فيه النور في جبينه ثم انتقل منه إلى شيث ولده، وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أن وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى زوجه أمي ءامنة، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجلين هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر".اهـ.

واللفظ الذي ساقه العجلوني ونسبه إلى مصنف عبد الرزاق وهذا نصه: "عن جابر بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شىء خلقه الله قبل الأشياء قال: يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأنبياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوحٌ ولا قلمٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ ولا ملكٌ ولا سماءٌ ولا أرضٌ ولا شمسٌ ولا قمرٌ ولا جنٌّ ولا إنسٌ، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم ومن الثاني اللوح ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات ومن الثاني الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنفسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم". اهـ.

وبين الروايتين المنقولتين اختلاف كبير فظاهر هذا اضطراب والاضطراب من موجبات الضعف.

ثم إن الإسناد الذي ذكر لهذا الحديث منقطع بين إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري وعبد الرزاق، فقد ظهر بذلك أن فيه ثلاث علل: الاضطراب، وانقطاع الإسناد، والركاكة، والركاكة من علامات الوضع كما قرره علماء الحديث في كتب المصطلح.


نصيحة

قال عصريّنا الشيخ عبد الله الغماري في رسالته "مرشد الحائر": "وما يوجد في بعض كتب المولد النبوي من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فلا يعتمد على تلك الكتب ولا يقبل الاعتذار عنها بأنها في الفضائل، لأن الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف، أما الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل إجماعًا، والنبيّ يقول: "مَن حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.."، ويقول: "مَن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وفضل النبيّ صلى الله عليه وسلم ثابت في القرءان الكريم والأحاديث الصحيحة وهو في غنًى عمّا يقال فيه من الكذب والغلو..." اهـ.

ثم إن التشبث بقول إن نور محمد أولُ المخلوقات على الإطلاق نوعٌ من الغلو وقد نهى الله ورسوله عن الغلو.

ومن الغلو أيضًا اعتقاد كثير من الناس أن الولي لا يخطئ في شىء من أمر الدين، وهذا خلاف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد منكم إلا يؤخذ من قوله ويترك غيرَ رسول الله"، وفي رواية: "غير النبي"، وحسَّنه الحافظ العراقي.

فالولي مهما علت مرتبته يخطئ في بعض المسائل الفرعية إلا في أصول العقيدة ونحو ذلك، وعلى هذا كبار القوم، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: "إذا علم المريد من الشيخ الخطأ فلينبهه فإن رجع وإلا فليكن مع الشرع".

وقال الشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه: "سلّم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشريعة فإذا خالفوا الشرع فكن مع الشرع"، يعني رضي الله عنه الأولياء.

وهذا الحديث صريح في أنَّ كل فرد من أفراد الأمة خواصها وعوامها لا بد أن يكون بعضُ قوله صحيحًا وبعض غير صحيح أي أنه لا يستثنى منهم أحد.

فيجب تحذير هؤلاء المتشبثين بكل ما ينسب إلى الأولياء مما صح عنهم مما هو خطأ ومما لم يصح عنهم وذلك أكثر، ويحتجون لهذا الفهم الفاسد بقول القائل:

وكن عنده كالميْتِ عند مُغَسّلٍ * يُقَلّبُهُ كَيْمَا يشاءُ ويفعلُ

ويظنون أنَّ معناه أنه يجب اتباع الشيخ الكامل في كل شىء وأنه منزه عن الخطإ فهؤلاء الجهلة سَاوَوا الوليَّ بالنبي.

ويكفي شاهدًا لما ذُكر أنه ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه اعترف بالخطإ على نفسه وذلك أنه قال مرةً: "أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء فأي إنسان بلغني أنه جعل مهر امرأته أكثر من أربعمائة درهم أخذته ووضعته في بيت المال"، فقالت امرأة: ليس لك ذلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول ﴿وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة النساء/20] فصعد عمر رضي الله عنه المنبر وقال: "أيها الناس أنتم وشأنكم في مهور نسائكم أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وعمر أفضل أولياء أمة محمد بعد أبي بكر رضي الله عنهما وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه مُلهَمٌ، فقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدَّثُون وإنه إن يكن في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب"، وكشف عمر رضي الله عنه ثابت وهو الذي قال: "وافقتُ ربي في أربع" أي وافق إلهامُه القرءان.

فليعلم هذا هؤلاء الأغرار الذين يعتقدون أن ما يقوله شيخ طريقتهم لا يخطئ أبدًا فيتشبشون بما يُنْسَب إلى مشايخهم مما يخالف الشريعة لاعتقادهم أنه لا يصدر منهم إلا ما يوافق الواقع، وهذا نوعٌ من الغلو الذي نهى عنه الله ورسوله قال الله تعالى:﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [سورة المائدة/77]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك مَنْ كان قبلكم الغلو في الدين" رواه النسائي.

ومن أشد الناس غلوًّا في هذا الزمن بعض المنتسبين للطرق فإنهم يَقبلون إذا قيل لهم المؤلف الفلاني أخطأ في كذا ولو كان من أشهر فقهاء المسلمين ولا يقبلون إذا قيل لهم شيخكم الذي تنتسبون إلى طريقته أخطأ ولو بُيَّن لهم الدليل، فليعلم هؤلاء أنهم خالفوا القرءان والحديث وكلام سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فإنه قال: "الطريق إلى الله مسدودة إلا على المقتفين ءاثار رسول الله"، وقال أيضًا: "ربما تخطر لي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة".

ومن هنا قال بعض الأصوليين في كتب أصول الفتح: "إلهام الولي ليس بحجة".

خاتمة

إن التشبث بهذا الحديث يقوّي الوهابية على الطعن في أهل السنة وتسفيههم وهم السفهاءُ، فلا خير في التمادي على قول يزيد أولئك الوهابية طعنًا في أهل السنة وتشنيعًا مما ليس له أصل عند أهل السنة، وكذلك القولُ بأنَّ الرسول يعلم كلَّ ما يعلم الله يزيدهم جرأة على الطعن في أهل السنة ولا سيما الصوفية.

فماذا يقول المنتسب إلى السنة أمام الوهابي إذا قال له الوهابي: من أين لكم أن تقولوا هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوتيتُ مفاتيح كل شىء سوى الخمس" وهو حديث صحيح صححه السيوطي، وحديث البخاري: "إنكم محشورون الى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ الآية، وإن أول الخلائق يُكسَى يوم القيامة إبراهيم الخليل، وإنه سَيُجَاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقول الله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح :﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾، قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم".

وزاد في رواية سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة أيضًا :"فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا"، فهذا نصٌ صريحٌ واضحٌ كالشمس في أن الرسول لا يعلم كل ما يعلم الله.

ثم التمادي على دعوى القول بأن نور محمد أول خلق الله لا يزيد الكافرين إذا سمعوا ذلك إلا نفورًا من الإسلام واستبشاعًا له، فأيُّ فائدة للتعصب لهذا الحديث؟!

فهذا الحديث تَنْفِرُ الكفارُ عند سماعه من بعض المسلمين نفورًا زائدًا على نفورهم الأصلي من الإسلام، فلقد ذكر لي رجلٌ يدعى أبا علي ياسين من أهل الشام أنَّ نصرانيًّا قال له: كيف تقولون أنتم محمد ءاخر الأنبياء وتقولون إنه أول خلق الله؟ وذلك نشأ عنده لما كان يسمع من بعض المؤذنين قولهم عقب الأذان على المنائر: "يا أول خلق الله وخاتم رسل الله"، قال أبو علي ياسين: فلم أجد جوابًا.

والحمد لله، وصلى الله عليه صلاةً يقضي بها حاجاتنا، ويفرّج بها كُرُباتنا، ويكفيَنا بها شرَّ أعدائنا، وسلم عليه وعلى ءاله الأطهار وصحابته الأخيار سلامًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. انتهى.