Search our site or Ask

س: إنسان وقع في الردة ثم طلق زوجته هل يقع طلاقه أم لا ؟ نرجو بيان الحكم عند المذاهب الأربعة مع ذكر الدليل ؟

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم وبعد،

المذهب الشافعي

قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في كتاب الأم:  ولو ارتد الزوج فطلقها في حال ردته...  ففعل ذلك وقف على ما فعل منه، فإن رجع إلى الإسلام وهي في العدة وقع ذلك كله عليها.... وهكذا إذا كانت هي المرتدة وهو المسلم. انتهى

معناه :  الزوج إذا ارتد وطلق ضمن العدة يكون موقوفا فإن رجع إلى الإسلام في العدة تحقق وقوع الطلاق وإن عاد بعد مضي العدة تبين أن العقد فسخ من وقت الردة فلا يقع الطلاق .

قال الإمام الشافعي في الأم: لو قالت له امرأتاه طلقنا بألف ثم ارتدتا ثم طلقهما كان الطلاق موقوفا فإن رجعتا إلى الإسلام في العدة لزمهما.اهـ

معناه إذا سألت المرأة الواحدة الطلاق بعوضٍ ثم ارتدت عقيب السؤال ثم أجابها الزوج فينظر؛ إن كان قبل الدخول فتـتنجز الفرقة بالردة ولا يقع الطلاق ولا يلزم المال، وإن كان بعد الدخول فالطلاق موقوفٌ فإن أصرت إلى أن انقضت العدة فلا طلاق ولا مال وإن عادت إلى الإسلام بان وقوع الطلاق ولزم المال وتحتسب العدة من وقت الطلاق، ولو قالت له امرأتاه طلقنا بألف وارتدتا ثم أجابهما فإن لم يكن دخل بهما لغا الطلاق وكذا لو كان قد دخل بهما وأصرتا إلى انقضاء العدة، وإن عادتا إلى الإسلام قبل انقضاء العدة تبين وقوع الطلاق عليهما.

ملخص المسألة: اذا طلبت الزوجة من زوجها أن يطلقها ثم ارتدت قبل أن يطلقها ثم طلقها بعد أن تلفظت بالردة فالطلاق موقوف معناه إذ رجعت إلى الإسلام ضمن العدة وقع الطلاق أما إذا رجعت إلى الإسلام بعد العدة تنجزت الفرقة بالردة ولا يقع الطلاق. اهـ

قال النووي في روضة الطالبين ج 7 ص 141-142 : فصل في الانتقال من دين إلى دين .....:  وإذا ارتد الزوجان أو أحدهما قبل الدخول تنجزت الفرقة، وبعده نقف على العدة فإن جمعهما الإسلام قبل انقضائها استمر النكاح وإلا بان حصول الفرقة من وقت الردة وفي مدة التوقف لا يحل الوطء ..... ولو طلقها في مدة التوقف أو ظاهر منها أو آلى توقفنا فإن جمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة تبينا صحتها وإلا فلا، وليس للزوج إذا ارتدت أن ينكح أختها في مدة التوقف ولا أربعا سواها .... فإن طلقها ثلاثا في مدة التوقف أو خالعها جاز له ذلك لأنها إن لم تعد إلى الإسلام فقد بانت بنفس الردة وإلا فبالطلاق أو الخلع‏ اهـ باختصار.

فهذا الكلام يوضح أن طلاق المرتد ضمن العدة موقوف، فإن رجع إلى الإسلام في العدة وقع الطلاق.

 

قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج الجزء الثالث ص 244 قبل "باب نكاح المشرك":  تتمةٌ : إذا طلقها في زمن التوقف أو ظاهر منها أو آلى ، فإن جمعهما الإسلام قبل انقضائها تبينا صحتها وإلا فلا. اهـ

قوله تبينا صحتها معناه أن طلاق المرتد في العدة يقع إذا عاد إلى الإسلام في العدة، وهو موافق لكلام النووي السابق ذكره.

 

وفي أسنى المطالب - للشيخ زكريا الأنصاري - في كتاب الخلع:  ( والخلع في الردة ) منهما أو من أحدهما [أي حال ردة أحدهما أو حال ردة كليهما] ( بعد الدخول موقوفٌ ) فإن أسلم المرتد في العدة تبينا صحة الخلع وإلا فلا لانقطاع النكاح بالردة. اهـ

ومعلوم أن الخلع طلاق عند كثير من العلماء، وأن الخلع يصح ممن يصح طلاقه، فلو كان المرتد لا يصح طلاقه لما صح خلعه. فقد قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج في كتاب الخلع: لأنه -أي الخلع - طلاقٌ فلا يصح ممن لا يصح طلاقه ممن يأتي في بابه. اهـ

وهذا يثبت أن الزوج إذا ارتد ثم خالع ثم رجع إلى الإسلام في العدة فقد وقع الخلع.

 

وفي الغرر البهية في شرح البهجة الوردية في باب الخلع ما نصه: ( وصح ) الخلع للزوجة ، ولو رجعية ( لا لبائنٍ ) بطلاقٍ ، أو غيره فلا يصح ؛ لأن المبذول لإزالة ملك الزوج عن البضع ، ولا ملك له على البائن ( فالرده يصح فيها ) خلع المرتدة المدخول بها ( إن تعد ) إلى الإسلام ( في العده ) وإلا فلا لتبين أنها زوجةٌ في الأول دون الثاني وكذا إن ارتد الزوج، أو هما معا، أو أسلم أحدهما وكان ذلك بعد الدخول، ثم وقع الخلع. اهـ

وهذا يبين أن خلع المرتد في العدة موقوف فإن عاد إلى الإسلام في العدة وقع الخلع، وكذلك إن ارتدت الزوجة وخالعها فهو على التفصيل المذكور. وبما أن الخلع موقوف في الحالة المذكورة فالطلاق مثله كما لا يخفى على طالب العلم، مع التذكير بأن الخلع هو طلاق عند كثير من أهل العلم.

وفي الغرر البهية في شرح البهجة الوردية أيضا في باب الردة:  (وباطل تصرفٍ ) منه ( لا يوقف ) أي : لا يحتمل الوقف ( قلت ) وهو ( الذي ما جاز أن يعلقا ) كبيعٍ ، وهبةٍ ، ونكاحٍ ، فإن احتمل الوقف ، وهو ما يجوز تعليقه كعتقٍ، وتدبيرٍ ، ووصيةٍ، وخلعٍ، ووقفٍ إن أسلم نفذ، وإلا ، فلا. اهـ

وهذا يؤيد النقول السابقة في أن طلاق المرتد موقوف في العدة موقوف على إسلامه فيها.اهـ

المذهب الحنفي

قال المرغيناني في كتاب الهداية في الفقه الحنفي ج 1ص 461:  اعلم أن تصرفات المرتد على أقسام: نافذ بالاتفاق كالاستيلاد والطلاق، لأنه لا يفتقر إلى حقيقة الملك وتمام الولاية. وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة لأنه يعتمد الملة ولا ملة له.  وموقوف بالاتفاق كالمفاوضة ... إلخ. اهـ

 

قال الشيخ عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي في الاختيار لتعليل المختار في الفقه الحنفي في فصل الردة ص672: اعلم أن تصرفات المرتد أربعة أقسام: نافذ بالاتفاق كالطلاق والاستيلاد وقبول الهبة وتسليم الشفعة والحجر على عبده المأذون لأنه لا يفتقر إلى تمام الولاية ولا إلى حقيقة الملك.  وباطل بالاتفاق كالنكاح والذبيحة لأنه يعتمد الملة ولا ملة للمرتد.   وموقوف بالإجماع كالمفاوضة لأنها تعتمد المساواة ولا مساواة، فإن أسلم حصلت المساواة وإلا بطلت فيوقف لذلك.

ومختلف فيه كالبيع والشراء والعتق والتدبير والكتابة والهبة والوصية وقبض الديون فهي موقوفة عند أبي حنيفة إن أسلم نفذت، وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت، وعندهما هي جائزة إلخ.اهـ

 

وفي كتاب البحر الرائق شرح كنـز الدقائق، في كتاب النكاح، باب الأولياء والأكفاء في النكاح، ما نصه:إن الفرقة بردته فسخ خلافا لأبي يوسف، ولو كانت هي المرتدة فهي فسخ اتفاقا، ويقع طلاقه عليها في العدة.اهـ

المذهب المالكي

وقبل أن نذكر حكم طلاق المرتد ننقل حكم الردة عندهم بالنسبة لعقد النكاح:  ففي كتاب منح الجليل شرح مختصر خليل، في باب النكاح ما نصه: ..... وفسخ لإسلام أحدهما بلا طلاقٍ ، لا ردته فبائنةٌ .... ( وفسخ ) - بضم فكسرٍ- النكاح ( لإسلام أحدهما بلا طلاقٍ ) وأخرج من قوله بلا طلاقٍ فقال ( لا ردته ) أي أحد الزوجين عن دين الإسلام بعد تقرره له ( فـ ) هي طلقةٌ ( بائنةٌ ) هذا هو المشهور . وقال ابن أبي أويسٍ وابن الماجشون فسخ بلا طلاقٍ.  إلى أن قال: وروى علي بن زيادٍ عن مالكٍ إن ارتدت الزوجة تريد فسخ نكاحها فلا تكون طلاقا وتبقى على عصمته . اهـ

وهذا يعني أن نفس الردة على مذهب المالكية تعد طلاقا على قول عندهم، وسواء في ذلك ارتد الزوج أو ارتدت الزوجة، إلا إن قصدت الزوجة بالردة الخلاص من زوجها فلا تحسب طلاقا.

 

قال ابن أبي زيد القيرواني في كتابه الرسالة - وهو من أشهر الكتب في مذهب مالك - ما نصه:

وإذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق، وقد قيل بغير طلاق. اهـ

 

فالمشهور من مذهب مالك أن نفس الردة طلاق كما ذكر ذلك زروق وابن ناجي والآبي في شروحهم على متن الرسالة.

 

وفي منح الجليل شرح مختصر خليل باب النكاح :  قال صاحب المختصر العلامة خليل: ..... وفسخ لإسلام أحدهما بلا طلاقٍ، لا ردته فبائنةٌ.  قال الشارح: (لا ردته) أي أحد الزوجين عن دين الإسلام بعد تقرره له (فـ) هي طلقةٌ (بائنةٌ ) هذا هو المشهور . وقال ابن أبي أويسٍ وابن الماجشون فسخ بلا طلاقٍ. وقال المخزومي طلاقٌ رجعي.  وقال الشارح بعد ذلك بأسطر: وشرط كون ردتها طلاقا عدم قصدها فسخ النكاح. اهـ

وأما لو قصد الزوج فسخ النكاح فهذا لا يمنع كون ردته طلاقا عند من قال بذلك، كما سيأتي النقل لاحقا.

وفي التاج والإكليل لمختصر خليل: كتاب الجنايات الموجبة للعقوبات، باب في الردة، حقيقة الردة وأحكامها يقول المؤلف ما نصه: ومن المدونة: وردة الزوج طلقةٌ بائنةٌ، وإن أسلم في عدتها فلا رجعة له، وكذلك ردة المرأة طلقةٌ بائنةٌ وإن رجعت إلى الإسلام. انتهى من التهذيب. ومقتضى هذا أنه ما حسبت لهما طلقةٌ إلا ليكونا عليها إذا رجعا للإسلام. انتهى النقل من التاج والإكليل.

ونذكر القارئ أن ردة المرأة لا تكون طلاقا إن قصدت بالردة فسخ النكاح.

 

وفي الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، تأليف الشيخ أحمد بن غنيم النفراوي: "باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع": قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: وإذا ارتد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاقٍ وقد قيل بغير طلاقٍ.

قال الشارح النفراوي: ولما اشتهر أن النكاح الصحيح اللازم لا يزيل العصمة فيه إلا الطلاق وكان يتوهم عدم انحلاله بالردة قال : ( وإذا ارتد أحد الزوجين ) المسلمين أي قطع إسلامه لأن الردة هي قطع الإسلام بكلمةٍ مكفرةٍ أو بإلقاء مصحفٍ في قاذوراتٍ،(1) وأولى ردتهما معا ( انفسخ النكاح ) اللازم بينهما ( بطلاقٍ ) بائنٍ، ولو ارتد الزوج المسلم لدين زوجته النصرانية أو اليهودية، والمراد أن الارتداد نفسه يعد طلاقا بائنا على مشهور المذهب. انتهى كلام الشيخ النفراوي المالكي.

(1) الردة ثلاثة أقسام كما هو معلوم، فليراجع في ذلك تآليف أهل العلم، والمؤلف هنا لم يذكرها كلها ولم يكثر من الأمثلة، إذ قد فعل ذلك في باب الردة.

 

وفي مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، فصل ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر، الفرع الثالث حكم شرب الأدوية لتقليل النسل:  ص ( لا ردته فبائنةٌ ) ش : يعني ؛ لأن ردة أحد الزوجين بطلقةٍ بائنةٍ قال الجزولي ويوسف بن عمر في شرح قول الرسالة وإذا ارتد أحد الزوجين وكذلك إذا ارتدا معا عند مالكٍ.اهـ

وهذا النقل يثبت أن الردة نفسها على مشهور مذهب مالك طلاق.

وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، باب في النكاح وما يتعلق به ، موانع النكاح: ( لا ردته ) أي أحد الزوجين فليس فسخا مجردا بل هو طلاقٌ وإذا كانت طلقةٌ ( فبائنةٌ ) لا رجعيةٌ فلا بد من عقدٍ جديدٍ ........ ومحل كلام المصنف ما لم تقصد المرأة بردتها فسخ النكاح وإلا لم ينفسخ.

قال الدسوقي في حاشيته:   ( قوله : لا رجعيةٌ ) أي خلافا للمخزومي وثمرة الخلاف عدم رجعتها إن تاب في العدة بل لا بد من عقدٍ جديدٍ على الأول لا الثاني وقيل إن الردة فسخٌ بغير طلاقٍ وهو قول ابن الماجشون وابن أبي أويس وينبني عليه أنه إذا تاب المرتد منهما وجدد الزوج عقدها تكون عنده على ثلاث تطليقاتٍ وعلى المشهور تكون عنده على طلقتين.

 

المذهب الحنبلي

ننقل ما يلي من كتاب مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى يقول في كتاب الطلاق: " فائدةٌ : طلاق المرتد بعد الدخول موقوفٌ ، فإن أسلم في العدة تبينا وقوعه وإن لم يسلم حتى انقضت العدة أو ارتد قبل الدخول ؛ فطلاقه باطلٌ ؛ لانفساخ النكاح قبله باختلاف الدين ، وتزويجه أيضا ذكرا كان أو أنثى باطلٌ. اهـ

 

وفي كتاب الفروع لابن مفلح، في مذهب أحمد في الجزء الخامس: وطلاق مرتد موقوفٌ، وإن تعجلت الفرقة فباطلٌ، وتزويجه باطلٌ. اهـ

 

وفي كتاب كشاف القناع عن متن الإقناع في كتاب الطلاق: ( وطلاق مرتد بعد الدخول ) موقوفٌ فإن ( أسلم في العدة تبينا وقوعه وإن عجل الفرقة ) بأن لم يسلم حتى انقضت العدة أو ارتد قبل الدخول ( فـ ) طلاقه ( باطلٌ ) لانفساخ النكاح قبله باختلاف الدين ( وتزويجه ) أي المرتد ذكرا كان أو أنثى ( باطل ) وتقدم في النكاح .اهـ

وهذا يبين أن طلاق المرتد في العدة موقوف كما هو مذهب الشافعي.

 

ملخص ما مر في حكم طلاق المرتد

1- مذهب أبي حنيفة: إذا ارتد الزوج ثم طلق ضمن العدة وقع الطلاق بلا خلاف، وكذلك الحكم إن ارتدت الزوجة فطلقها ضمن العدة (1).

2- مذهب مالك: الراجح أن الردة طلاق بائن، وقيل طلاق رجعي، وقيل فسخ بغير طلاق.

3- مذهب الشافعي: طلاق المرتد ضمن العدة موقوف فإن عاد إلى الإسلام ضمن العدة وقع طلاقه وإلا فلا يقع ويكون النكاح قد انفسخ، وكذلك الحكم لو كانت هي المرتدة فطلقها.

4- مذهب الإمام أحمد: طلاق المرتد موقوف كما هو الحكم في مذهب الشافعي.

---------------------------------------------

(1) ولا ندخل هنا في حكم ما لو لحقت بدار الحرب مرتدة أو لحق هو بدار الحرب مرتدا ثم طلق.