Search our site or Ask

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

 

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي القدير القائل في محكم كتابه:{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}{لقمان:20} وقال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}{النحل:18}. وقال سبحانه: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}{الذاريات:21}، فالإنسان إذا فكر بنفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما، وقدره الله أطوارًا إلى أن أتم خِلقته، قدّر يديه ورجليه وعينيه وسائر أعضائه، وحسنًا أو دميمًا، وقصيرًا أو طويلاً، وشقيًا أو سعيدًا. وجعل أعضاءه سليمة مسوّاة معدّة لمنافعها من غير تفاوت، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعضَ الأعضاء أبيض وبعضها أسود. وسهّل له الخروج من بطن أمه، وألهمه إذا قرُب وقتُ خروجه أن يتنكس، فيصيرَ رأسُه من جهة أسفل بعد أن كان من جهة الأعلى. ثم نقله من حال الطفولة والضعف، إلى حال الشباب والقوة، ثم إلى حال الشيخوخة والضعف، {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} {عبس:21}

فيا عبد الله اشكر الله على ما أنعم به عليك، فهو سبحانه الذي جعل لك يدين تبطش بهما، ورجلين تمشي عليهما، وعينين تبصر بهما، وأذنين تسمع بهما، ولسانا تتكلم به، وأضراسا تطحن بها الطعام، تَحـْدثُ لك عند غناك عن الرضاع وحاجتِك إلى الغذاء، ومعدةً أعدت لطبخ الغذاء، وعروقا ومعابر تنفذ فيها إلى الأطراف، ومخرجا للبول ومخرجا للبراز. قال ابن السماك: تبارك من خلقك، فجعلك تبصر بشحم، وتسمع بعظم، وتتكلم بلحم.

فيا أخي المسلم: اشكر الله على ما أعطاك من النعم، وإياك أن تستعملها في الحرام، {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} {إبراهيم:7} وتذكّر أن نعيم الدنيا إلى زوال، وما عند الله خير وأبقى، وتذكر أنك في رحيل، وأنك ستسأل يوم الدين، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {الحجر:92}.

واعلم رحمك الله: أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} {يونس:101} يعني من الآيات الواضحات، والدلالات النيرات، وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدتَه كالبيت المبني الـمُعَدِ فيه جميعُ ما يحتاج إليه ساكنُه من آلة وعِتاد، فالسماءُ مرفوعةٌ كالسقف، والأرضُ ممدودةٌ كالبساط، والنجومُ منضودةٌ كالمصابيح، والجواهرُ مخزونة كالذخائر، وضروبُ النبات مهيأةٌ للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملةٌ في المرافق، والإنسانُ كالـمُمَّلَكِ للبيت، الـمُخَوَّلِ ما فيه. وفي هذا كلِه دِلالةٌ واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له صانعا حكيما تامَ القدرة بالغَ الحكمة.

إخوة الإيمان والإسلام:

الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنِعم كثيرة لا تُحصى منها ظاهرة ومنها باطنة. وأعظم نعمة هي نعمة الإيمان والإسلام. ومن الأدلة على ذلك ما رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" وإن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ".  وفي رواية الطبراني:" وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".

فنعمة الإيمان أفضل من نعمة الصحة والمال. "فمن أُعطي الإيمانَ ومُنِعَ الدنيا كأنما ما مُنِعَ شيئًا، ومن أُعطي الدنيا ومُنِعَ الإيمانَ كأنما ما أُعطي شيئًا". فحافظ يا أخي المسلم على الإيمان، وتمسك بالطاعة، وإياك والمعصية، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} {الحجر:99}.

نسأل الله تعالى أن يتوفانا على كامل الإيمان، وأن يدخلنا الجنة بأمان.

هذا وأستغفر الله لي ولكم