حرمة النبيّ حيًا وميتًا، وتوقيره وتعظيمه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله على محمد وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عبادَ الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ العظيم. قال الله تعالى: [فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {الأعراف:157} وقال سبحانه: [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ] {الأحزاب:6}.

إخوة الإيمان والإسلام:

إن الله تبارك وتعالى أرسل الأنبياء جميعا عليهم السلام بدين واحد هو الإسلام، وفضلهم على سائر المخلوقات، وجعل محمدا خاتـمهم وأفضلهم وأكثرهم أتباعا وأكثرهم بركة عليه الصلاة والسلام.

واعلموا رحمكم الله أن حرمةَ النبي بعد موته، وتوقيرَه وتعظيمَه، لازمٌ كما كان حالَ حياته، وعند ذِكره صلى الله عليه وسلم، وذِكرِ حديثـِه  وسُنَّتِه، وسماعِ اسمِه وسيرتِه، ومعاملةِ آلهِ وعِترتِه، وتعظيمِ أهلِ بيته وصحابتِه.

وحقٌّ على كلِ مؤمن متى ذكرَهُ، أو ذُكِرَ عنده، أن يخضعَ ويخشعَ،  ويتوقَّرَ ويَسْكُنَ من حركتِه، ويأخذَ في هيبتِه وإجلاله بما كان يأخُذُ به نفسَهُ لو كان بين يديه، ويتأدَّبَ بما أدَّبنا اللهُ به.

واسمعوا معي ماذا حصل مع أبي جعفر حين ناظر مالكا في مسجد رسول الله، قال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدَّب قومًا فقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ] {الحجرات:2}. ومدح قومًا فقال [إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ] {الحجرات:3}. وذم قومًا فقال: [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ] {الحجرات:4} وإنَّ حرمتَه ميْـتًا كحرمته حيًا. فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله، أستقبلُ القبلةَ وأدعو أم أستقبلُ رسولَ الله ؟ فقال: ولِـمَ تصرفُ وجهَكَ عنهُ وهو وسيلتُكَ ووسيلةُ أبيكَ آدمَ عليه السلام إلى الله تعالى يومَ القيامة؟ بل استقبِلْهُ واستشفِعْ به، فيُشفِّعه الله، قال الله تعالى: [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا] {النساء:64}.

وهكذا كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين رضي الله عنهم.

فهذا أيوبُ السَّخْتِيانـِي كان إذا ذُكِرَ النبيُّ بكى، وهذا مالكٌ كان إذا ذُكِرَ النبيُّ يتغيرُ لونُه، وينحنـِي حتى يصعُبَ ذلك على جلسائِه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليَّ ما ترون، ولقد كنتُ أرى محمدَ بنَ المنكدر، وكان سيدَ القراء لا نكادُ نسألُه عن حديثٍ أبدًا إلا يبكي حتى نرحمَهُ.

وأما جعفر بنُ محمدٍ، كان إذا ذكر عنده النبي اصفَرَّ، وما كان يُحدِّثُ عن رسول الله إلا على طهارة. وكان عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم يَذكُرُ النبيَّ، فيُنظَرُ إلى لونِه كأنه نُزِفَ منه الدمُ، وقد جَفَّ لسانُه في فمه هيبةً منه لرسول الله، وأما عامر بنُ عبدِ الله بنِ الزبير كان إذا ذُكِر عنده النبي بكى حتى لا يبقى في عينيه دموعٌ. وكذا صفوانُ بنُ سُلَيْمٍ، كان إذا ذُكِر النبي بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناسُ عنه ويتركوه. وأمثال هؤلاء كثير.

إخوة الإيمان:

وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعظمونه ويوقرونه، فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِى كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَلا يَتَكَلَّمُ صلى الله عليه وسلم إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا، لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ.

عباد الله:

ولقد كان الصحابةُ رِضوانُ الله عليهم يتبرّكونَ برسولِ الله وآثاره صلى الله عليه وسلم في حياتِه وبعدَ مماتِه، ولا زالَ المسلمونَ بعدَهُم إلى يومِنا هذا على ذلك.

وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم، حين حلق في حجة الوداع، قسم شعره بين أصحابه، أي ليتبركوا به لا ليأكلوه، لأن الشعر لا يؤكل، وليستشفعوا إلى الله بما هو منه، ويتقربوا بذلك إليه، قسمه بينهم ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم.

وفي رواية مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَىَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الـحـَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ. فَقَالَ: "احْلِقْ" فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ".

وفي لفظ: فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، وأعطى الأيسر أمَّ سليم، زاد أحمد في رواية له: لتجعله في طيبها.

قال العلماء: هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، منها: التَّبرُّك بشعره -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وجواز اقتنائه للتَّبرُّك.

وأخرج مسلم وأحمد والبيهقي عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْحَلاَّقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلاَّ فِي يَدِ رَجُلٍ.

وأخرج البخاري عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ:  أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ.

والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أمِّ سلمة فتجعلُ فيه تلك الشعرات وتغسلُها فيه وتعيدُه فيشربُه صاحبُ الإناء أو يغتسلُ به استشفاءً بها فتحصلُ له بركتُها.اهـ

إخوة الإيمان:

هكذا كان حالُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ بينَ الصحابةِ، يُعظمونَه ويقتَدُونَ به ويُطيعونَه ويحبونَه أكثرَ منْ أنفسِهم، ويتبركونَ بهِ وبآثارِه صلى الله عليه وسلم، وهكذا ينبغي أن نكونَ نحن. ومعنى التبركِ هو طلبُ زيادةِ الخيرِ من الله تعالى.

أحبابنا الكرام:

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بركةٌ في حياتِه وبعدَ مماتِه وهو الذي سَنَّ فِينَا سُنةَّ التبرُّكِ بهِ وبآثارِه صلى الله عليه وسلم، فتمسكُوا بِسُنَّتِهِ ولا تُعرِضُوا عنها.

نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا ببركات النبي محمد وسائر الأنبياء والصالحين.

هذا وأستغفر الله لي ولكم