Search our site or Ask

من طريق الولاية

قال شيخنا رحمه الله ما شربَ نَبيٌّ قَطُّ خمرًا ،الحَلالُ هُم يَتركُونَ أَكثَرَهُ فَكَيفَ الخَمر،عيسَى عليهِ السّلامُ كانَ أَكلَه الشّجرُ ولِبَاسَهُ الشّعَرُ وبَيتَهُ المسجد .

لا يَصِيرُ المسلِمُ وَليّا حتى يَترُكَ مَا لا بأسَ به حذَرًا مِنَ الوُقوعِ فِيمَا فيهِ بأسٌ ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا يَبلُغُ العَبدُ أن يَكُونَ مِنَ المتّقِينَ حتى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ حَذَرًا مما بِه بَأسٌ"رواه الترمذيّ وابن ماجه والحاكم.(أي يَترُكُ فُضُولَ الحَلالِ حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ في الحرَام.يَترُكُ ما هوَ حَلالٌ في الظّاهِر مما يخشَى أنْ يَكُونَ حَرامًا أو خَالَطَه الحرَامُ وهوَ لا يَدرِي) هَكذَا الأولياءُ كُلُّهُم لا يَأكُلونَ جميعَ ما يَشتَهُونَ ولا يَلبَسُونَ جَميعَ ما يَشتَهُونَ،يَقتَصِرُونَ على القَليلِ.

ويُروى عن عيسى عليه السلام أنّه قالَ :واللهِ إنّ لُبْسَ المُسُوحِ واستِفَافَ الرَّمادِ والنَّومَ على المزَابلِ كَثيرٌ على مَن يموتُ".

هؤلاء الذينَ يَدّعُونَ الوِلايةَ ويَلتَزِمُونَ أَكلَ الأطعِمَةِ اللذيذَةِ والملابسَ الفَاخِرةِ بَعِيدُونَ مما يَدَّعُونَ ،لا يَكُونُ العَبدُ وَليّا إلا بزُهْدٍ،لُبسُ المُسُوحِ مَعناهُ هذا الشّعر شَعرُ البهَائم الذي لم تَدخُلْهُ صِنَاعَةٌ،هذا يَكونُ خَشِنًا،اليومَ هذا الصُّوفُ الذي نَلبَسُه دَخَلَتْه الصّنَاعَةُ،صَارَ قَريبًا مِنَ القُطْنِ،واستِفَافُ الرّمادِ هذا مَفهُومٌ،تَجرُّعُ الرّمادِ معَ الماء.

لُبسُ المُسُوحِ هذا يَليقُ بالأنبياء،أمّا سَفُّ الرّمَادِ والنّومُ على المَزابِلِ لا يَفعَلُونَهُ وهذا الذي ذُكِرَ مِثالٌ ،معناه الإنسانُ لَو فَعلَ ذلكَ فَهوَ أَهونُ مِنْ ضِيقِ القَبر ،وليسَ مَعنَاهُ أنْ يَتَعمَّدَ الإنسانُ فِعْلَ ذَلكَ .

قالَ المنَاوِيُّ في فَيضِ القَدير عندَ قَولِه عَليه السلام:"لا يَبلُغُ العَبدُ أنْ يَكونَ مِنَ المتّقِينَ حَتى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ حَذرًا مما بهِ بَأسٌ"أي يَترُكُ فُضُولَ الحَلالِ حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ في الحرَام قال الغَزاليُّ:"الاشتغالُ بفُضُولِ الحَلال والانهماكُ فيه يجُرُّ إلى الحرَام ومحضِ العِصيانِ لشَرَهِ النّفسِ وطُغيَانها وتمرُّدِ الهوَى وطُغيانِه فمَن أَرادَ أنْ يَأمَنَ الضّرَرَ في دِينهِ اجتنَبَ الخطَر فامتنَعَ عن فُضُولِ الحَلالِ حَذَرًا من أن يجُرَّهُ إلى مَحضِ الحرَام ،فالتّقوى البَالغَةُ الجامِعَةُ لِكُلِّ مَا لا ضَررَ فيهِ لِلدِّين". وقالَ الطِّيبيّ إنّما جُعلَ المتّقِي مَن يَدَعُ ذلكَ لِذلكَ، لأنّ المتّقي اسمُ فاعل مِن وقاه فاتّقى، والوِقايةُ فَرطُ الصِّيانة. ومِنه فَرس واق أي يقِي حَافِرَه أن يُصِيبَه أَدنى شىء مِن بَولِه، وشَرعًا مَن يَقِي نَفسَه تَعاطِي ما يَستَوجِبُ العُقوبةَ مِن فِعْلٍ أو تَركٍ.

وفي فتح البارى عندَ ذِكْرِ حَديث:"لا يَبلُغُ العَبدُ أن يَكونَ مِنَ المتّقينَ حتى يدَعَ مَا لا بأسَ بِه حَذَرًا مما بهِ بأسٌ" (قال ما نصُّه): وأنواعُ الشُّبَهِ تَختَلفُ بقُوّةِ قُربِهَا مِنَ الحرَام وبُعدِهَا عَنه. وقَد يَقعُ الاشتباهُ في الشىءِ مِن جِهةِ اشتِباهِ وجُودِ أَسبابِ حِلِّهِ وحُرمَتِه، كمَا يَشُكُّ الانسَانُ فِيه هل هُوَ مِلكُه أم لا، وما يَشُكُّ في زَوالِ مِلكِه عنه. وهذا قَد يَرجِعُ فيهِ إلى الأصلِ فيَبني عَليه،وقد يَرجِعُ في كثِيرٍ مِنه إلى الظّاهِر إذا قَوِيَ على الأصلِ ويَقَعُ التّردُّدُ عندَ تَساوِي الأَمرَينِ، وقَد يَقعُ الاشتباهُ لاختِلاطِ الحلالِ بالحرامِ في الأطعِمَةِ والأشرِبةِ مِن المائِعاتِ، وغيرِها مِنَ المَكِيلاتِ والموزُوناتِ والنُّقُودِ. فكُلُّ هَذهِ الأنواعِ مَن كانَ عِندَه فِيها عِلمٌ يَدُلُّه على حُكمِ الله ورسولِه فيها فتَبِعَهُ فَهوَ المصِيبُ. ومَن اشتَبهَت علَيه فإنِ اتّقَاهَا واجتنَبَها فَقد فَعَلَ الأَولَى واستَبرَأَ لِدِينِه وعِرضِهِ فسَلِمَ مِن تَبِعَتِهَا في الدُّنيا واللآخِرة، ومَن اشتَبهَت عَليه فلم يَتّقِها بل وقَع فيها فمَثَلُه كمَثَلِ رَاعٍ يَرعَى حَول الحِمَى فإنّه يُوشِكُ أن يُواقِعَه. وفي رواية: ومَن وقَع في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحرَام كرَاعٍ يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يَرتَعَ فيه. ومعنى هذا أنّ مَن وَقعَ في الشُّبُهاتِ كانَ جَدِيرًا بأن يقَعَ في الحرَام بالتّدرِيج، فإنّه يُسامِحُ نَفسَه في الوقُوعِ في الأمُورِ المشتَبِهة، فتَدعُوهُ نَفسُه إلى مُواقَعةِ الحرَام بَعدَه، ولهذَا جَاء في رِواية:"ومَن خَالطَ الرِّيْبَةَ يُوشِكُ أنْ يَجسُر" يعني يجسُرَ على الوقوعِ في الحرام الذي لا رَيبَ فِيه .

وقال في مَوضِعٍ ءاخَرَ ورُوِي عن أبي الدّرداءِ أنّه قَالَ: تمَامُ التّقوَى أن يَتّقي اللهَ العَبدُ حتى يتّقيَه مِن مِثقالِ ذَرّةٍ وحتى يَترُكَ مَا يَرى أنه حَلالٌ خَشيةَ أن يَكُونَ حَرامًا حِجابًا بَينَه وبَينَ الحرَام.