Search our site or Ask

 

الحمدُ للهِ الذِي هدَانا لِهذَا ومَا كنَّا لنَهتديَ لوْلا أنْ هدانَا الله. والصلاةُ والسَّلامُ على سَيدِنا وحبِيبِنا وعظيمِنا وقُرَّةِ أعينِنا أحمدَ محمدٍ الأمينِ سيدِ الأولينَ والآخرينَ خاتمَ النبيينَ والمرسلينَ بعثهُ اللهُ رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا ليَهديَ اللهُ به من فتحَ اللهُ على قلبِه، وليكونَ شاهدًا على الكافرينَ الذين طمَس اللهُ على قلوبِهم. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعدُ عبادَ اللهِ أُوصي نفسيَ وإياكم بتقوى اللهِ العظيمِ والثباتِ على دِينِه القويمِ ونبذِ كلِّ بدعةٍ ضلالةٍ والإعراضِ عن كلِّ ما فيه خُسرانٌ ويؤدي إلى الهلاكِ وأوصيكم بالتَّمسُّكِ بهذهِ الشريعةِ الحنيفِيَّةِ السمحاءِ. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

فمن تمسَّكَ بها لم يضِلَّ ولن يضلَّ أبدًا، مهما أتَتْ عليكَ أخي المسلم رياحٌ فاسدةٌ فصُدَّها بالعلمِ والقرءانِ، ومهمَا أتتْ عليكَ وساوِسُ شيطانيةٌ فصدَّها ورُدَّها وأعرِضْ عنها بالعلمِ والبرهانِ فقد قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿قلْ هل يَستَوي الذِينَ يعلمونَ والذينَ لا يعلمونَ﴾ وما أَرسلَ اللهُ من نَبيٍّ إلا وأُوتِي الحكمةَ وحسنَ المنطقِ والبرهانَ والدليلَ والمعجزةَ ليُظهِرَ الحقَّ وليُحاربَ الباطلَ بسيفِ العلمِ والإيمانِ والدليلِ والبرهانِ.

فالأنبياءُ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ أيَّدهمُ اللهُ بالمعجزاتِ والبراهينِ الصادقةِ الدّالةِ على صحةِ نبوتِهم وصدْقِ دعواهم،  والله تبارك وتعالى مع ذلك أيَّدهُمْ بالصبرِ فكلُّهم صبَروا على ما أُوذُوا  واضطُهِدوا في سبيلِ الله. وقبلَ الكلامِ عنْ معجزاتِ الأنبياءِ التي ينكرُها أصحابُ الأهواءِ المُرديةِ لا بدَّ لك أخي المؤمن أن تعرفَ بالدليلِ والبرهانِ القاطعِ الذي لا شكَّ فيه أن هذا العالمَ إنما لهُ إلهٌ خالقٌ موجِدٌ أوجدهُ من العدمِ وجعلَ فيه السمواتِ وزيَّنها بمصابيحَ وجعلَ فيها سراجًا وهاجًا وقمرًا منيرا. وجعلكَ أنتَ أيها الإنسان لك عينانِ تُبصِرُ بهما وأُذُنانِ تسمعُ بِهما وعقلٌ تعقِلُ به ومعِدةٌ تمضَغُ وتطحَنُ الطعامَ وأسنانٌ تنبُتُ لك عندَ استغنائِكَ عن الحليبِ واحتياجِك إلى ما يُمضَغُ بالأسنانِ. واللهُ تبارك وتعالى قالَ: ﴿وفي أنفُسِكم أفلا تُبصِرون﴾ (سورة / الذاريات 21) جعلَ لكَ مخرجَ البولِ والغائطِ تفكَّرْ بعقلِكَ في نفسِك فلو لم يكن لك إلا فمٌ تأكُلُ منهُ وبطنٌ تملؤُه بالطعامِ والشرابِ فلو لم يكنْ لك مخرجُ البولِ ومخرجُ الغائط فماذا جرَى بحالِ الإنسان.

فالمعجزة أمرٌ خارقٌ للعادةِ يظهرُ على يدِ مدَّعي النبوةِ سالمٌ من المعارضةِ بالمثلِ، فليس صنعُ الطيرانِ من قبيلِ المعجزاتِ لأن المعجزاتِ هي خاصةٌ بمن أَوحى اللهُ إليهم وجعلهم أنبياء مصطفَينَ أخياراً، فالمعجزة أمر خارق للعادةِ تظهرُ على يدِ من ادَّعى النبوة، ولذلكَ لمَّا طلبَ قومُ صالحٍ من نبيِّ اللهِ صالح معجزةً أيدَهُ اللهُ بالمعجزةِ فأخرجَ لهُ من الصخرةِ الصَّمَّاءِ ناقةً وفصيلَها، فآمنَ من هدى اللهُ قلبَه وعاند وتكبرَ عن الإيمانِ من علِم اللهُ بعلمِه الأزليِّ أنه لن يُؤمن. وكذلك عيسى ابنُ مريمَ عليه الصلاة والسلام جاءَ بدينِ الإسلامِ الذي يدعو إلى وحدانيةِ اللهِ أيَّدَهُ اللهُ بالمعجزاتِ وكان قد اشتهرَ قومُه بالطبِّ ومع ذلك عجَزُوا عن أن يعارضوا عيسى ابنَ مريمَ عليه الصلاة والسلام إذ أيَّدَهُ اللهُ بمعجزةِ إحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ بإذنِ الله وهم اشتهروا بالطبِّ فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثلِ ما أتى به ولم يستطيعوا أن يُحيوا ميتًا ولا أن يَشفوا أبرَصَ أو أكمه بمجرد وضعِ اليدِ عليهِ أو بمجرَّدِ مسحِ عينيهِ لأنَّ هذه الأمورَ خارقةٌ للعاداتِ لا تظهَرُ إلا على يدِ الأنبياءِ، لوِ اجتمعَ الكفارُ قاطبةً على أن يأتوا بمثلِ معجزة من معجزاتِ أي نبيٍ من أنبياءِ اللهِ لما أتَوا بها ولا بمثلِها أبداً. فلما كانَ للأنبياءِ علينا ميزات أنَّ لهم معجزاتٍ إذًا صارَ واجبًا على كلِّ من بلغتهُ دعوةُ النبيِّ أن يصدِّقَ بهذا النبيِّ لأنهُ بيدِه البرهانُ والدليلُ على أنه صادقٌ وليس مُشَعْوِذًا ولا صاحبَ خُرافاتٍ ولا صاحبَ شَعوَذاتٍ. فأنبياءُ اللهِ تبارك وتعالى نزَّهَهم اللهُ تعالى عن الرذائلِ نزههم اللهُ تعالى عن الفحشاءِ والمنكر، نزَّههمُ اللهُ تعالى عن الزنا وشربِِ الخمرِ والفسقِ والفجورِ. إنما اصطفاهم الله تبارك فصار واجبًا علينا أن نؤمن بهم جميعًا من أولهِم ءادمَ عليه الصلاة والسلام إلى ءاخرِهم محمدٍ عليهم الصلاةُ والسلامُ جميعًا، من غيرِ أن نُكذِّبَ عيسى، من غير أن نُكذِّبَ موسى، من غير أن نكذبَ هارون،َ من غيرِ أن نكذبَ يعقوبَ أو اسحقَ أو إسماعيلَ أو إبراهيمَ أو نوحاً نؤمن بهم جميعاً لا نفرِّقُ بين أحدٍ من رسلِه. مع أنَّ اللهَ تعالى جعلهمْ درجاتٍ وجعلَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم أعظمَهم درجةً، محمدٌ عليه الصلاة والسلام أيدهُ اللهُ تبارك وتعالى بمعجزاتٍ كثيرةٍ. اشتهرَ قومُه باللغةِ العربيةِ بالفصاحةِ والبلاغةِ، وأعظمُ معجزاتِ النبيِّ القرءانُ الذي عجَزَ فصحاءُ العربِ وبلغاؤُهم عن أن يأتُوا ولو بمِثلِ ءايةٍ منهُ.

فأيُّ خيرٍ وأيُّ بركَةٍ أُحدِّثُكمْ عنها اليومَ، أبو هريرة يأْتي بتَمَراتٍ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ويقولُ ادعُ لي فيهِنَّ بالبركةِ، اسمَعُوا جيِّدا اخوةَ الإيمَانِ ، أبو هريرةَ يأتي بإحدَى وعشرينَ تمرةً ويقولُ اُدعُ لِي فيهنَّ بالبركةِ فجعلَ صلى الله عليه وسلم يضعُ كلَّ تمرةٍ ويسمِّي ثمّ جمعه وقالَ: ادعُ فلانا وأصحابَه فأكلُوا حتَّى شبِعوا وخرجوا ثم قال ادعُ فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرَجوا ثم قال: ادع فلانا وأصحابَه فأكلوا وشبِعوا وخرجوا وفَضَلَ تمرٌ، ثلاثةُ أفواجٍ منَ الرجالِ دخلوا وأكلوا منَ التمرِ.

والأمرُ إخوةَ الإيمانِ لم يَصلْ إلى هذا القَدرِ فقط، يقولُ أبو هريرة رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اُقْعُدْ. فقعَدت فأكلَ وأكلْت، قال وفضَل تمرٌ فأخذَه، أخذ بقيَّة التمراتِ فأدْخله في الْمِزْوَد، والمزود إخوةَ الإيمانِ هو الوِعاءُ من جلدٍ وغيرِه يُجْعلُ فيه الزادُ، أَدخل صلى الله عليه وسلم بقيةَ التَّمراتِ في المزودِ وقال: يا أبا هريرةَ إذا أردْتَ شيئا فأَدْخِلْ يدَك فخُذْ . قال أبو هريرة: فأكلت منه حياةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وأكلت منه حياةَ أبي بكرٍ كلَّها، وأكلت منه حياةَ عمرَ كلها، وأكلت منه حياةَ عثمانَ كلها، هذا كلُّه إخوةَ الإيمانِ ببركةِ دعائِه صلى الله عليه وسلم.

ومن معجزاته أنّه كان صلى الله عليه وسلم يومَ الخندقِ والصحابةُ الكرامُ يَحفِرون الخندقَ عرَضَت لهم صخرةٌ كبيرةٌ فأَخبَروا بذلكَ قائدَهم محمَّدا فجاء صلى الله عليه وسلم فأخذ الْمِعْول فسمَّى ثلاثا ثم ضرب الصخرةَ فنَزلت رمْلا سائلا. ومن معجزاته صلوات ربي وسلامه عليه، أتاه رجلٌ من أهلِ اليمامَة بغلامٍ يوم وُلِد وقد لفَّه في خِرْقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلامُ منْ أنَا فأنطَق اللهُ تعالى الغلامَ فقال أنت رسولُ الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بارَك اللهُ فيكَ" فكان هذا الغلامُ يُسمى مباركَ اليمامَة ومن معجزاته أنّه كان صلى الله عليه وسلم يرى أصحابَه وهم وراء ظهرِه فعنْ أنس بن مالك قال: بينمَا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ يومٍ إذْ أقيمَتِ الصَّلاةُ، فقالَ: "أيهَا النَّاسُ إنِّي أمامَكُم فَلا تَسبقُونِي فِي الركُوعِ ولا فِي السُّجودِ ولا ترفعُوا رؤوسَكُم فإنِّي أراكُم ِمنْ أمَامِي ومنْ خَلفِي" الحديث

فيَا أخِي المسلِم: معجزاتُ الأنبياءِ صدقٌ يجبُ الايمانُ بها، فالأنبياءُ عليهمُ صَلواتُ اللهِ قدْ بُعثُوا ليُعلِّموا الناسَ الخيرَ وليَنْهَوهُم عنِ الشرِّ. فطوبَى لمنْ تمسكَ بهم، فأنبياءُ اللهِ أفضلُ خلقِ اللهِ وأحبُّ الخلقِ إلَى اللهِ مَوصوفُون بِالصِّدقِ والأمَانةِ والعِفةِ والفصَاحةِ والفطَانةِ والتبليغِ والشجَاعةِ والطهَارةِ، مَعصومُونَ منَ الكفْرِ والكَبائرِ وصَغائرِ الخسةِ قبلَ النبوةِ وبعدَها. وجعلهُم اللهُ أكثرَ الخلقِ بركةً. هذَا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.