Search our site or Ask

قال الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله فقَد رُوّيْنا عن الحسن البِصريّ أنهُ قالَ مَن كَذّبَ بالقَدَر فقَد كفَر هذا مَعناهُ رُويَ حَديثًا مَرفُوعًا أي مِنْ كلامِ رسولِ الله، مِنْ قَولِ رسولِ الله، هَذا في مَعناهُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كمَا مَرَّ في الدّرس الماضِي في كتابِ القَدَر للبيهقي مِنْ حَديثِ رافِع بنِ خَدِيج رضيَ الله عنه وهوَ مِِن أصحابِ رسولِ الله أنّ رسولَ الله قال إنّ قَومًا يؤمنُونَ ببَعضِ القُرآنِ ويَكفُرونَ ببَعضٍ قيلَ لهُ كَيفَ ذلكَ يا رسولَ الله قالَ يؤمنونَ ببَعضِ القَدَر ويكذّبونَ ببَعض القَدَر، وهؤلاء الذينَ عناهُم الرّسولُ بقولِه هذا هُمُ الذينَ يقولونَ اللهُ تعالى يَخلُق الخَيرَ فَقط أي أعمالَ الخير فقَط وأمّا أعمالُ الشّرّ فإبليسُ يخلُقها.

هكذا فَسّرَ الرّسولُ صلى الله عليه وسلم الذينَ يؤمنونَ ببَعضِ القَدَر ويُكذّبونَ ببَعض، وهذا هوَ القَولُ أي قولُ المعتزلة ليسَ مِنَ الإسلام في شىءٍ، ليسَ مأخُوذًا مِنَ القُرآن ولا مِنْ حديثِ رسولِ الله إنما هوَ يَرجِعُ إلى عقيدةِ المجوس الذينَ هُم عبَدةُ النار، هؤلاء المجوس مُنذُ ألفِ سَنةٍ قَبلَ وِلادةِ الرّسولِ كانَ لهم محلٌّ يُوقِدُونَ فيهِ النار لا تَنطَفِىء النارُ لحظَةً لا لَيلا ولا نهارًا، والعياذُ بالله اتخَذُوا النّارَ إلهاً، عندَهُم النارُ هيَ صانعةُ العالم، هؤلاء المجوس كانوا يقولونَ العالم لهُ مدَبّران مدبّرُ خَيرٍ ومُدبّرُ شَرّ، قالوا مدبّرُ الخيرِ هو النّور، النارُ لأنها تُضِيءُ جَعلُوها مدبّرةَ الخيرِ أي خالقةَ الخَير، على زَعمِهم كلُّ ما يَحصُل في العالَم مِنَ الخير فهوَ مِنْ خَلقِ النار وهكَذا شمَلُوا جميعَ الأنوار قالوا كلمةً مُجمَلَة وهيَ النّور خالقُ الخَير، مُدبّرُ الخير، والظّلمةُ مدبّرةُ الشّرِ خالقةُ الشّر.

فهؤلاءِ الذينَ يقولونَ الله تعالى مَا خَلقَ أعمالَ العبادِ بل العبادُ يخلقُونَ أعمَالهم وافَقُوا أولئك المجوس، سيدُنا عليٌّ رضي الله عنه تحَدَّث عن المجوسِ فقالَ إنَّ المجوسَ كانَ لهم كتابٌ وعِلمٌ يَدرسُونَهُ أي كانُوا على الإسلامِ لهم كتابٌ سمَاويّ وعِلمٌ يَدرسُونَهُ ثم مَلِكُهم شَرِبَ الخمرَ فسكِرَ فوقعَ على أُختِه ثم لما صحَا تسَامَعَ بأمرِه الناسُ فعَلِمَ أنّ الناسَ تسَامَعُوا بما حَصلَ منهُ فجَمعَ رؤوسًا مِن رَعيّتِه فقال لهم نحنُ أَوْلى أم آدَمُ أَوْلى، آدمُ كانَ يُزوّجُ بنِيْهِ مِن بَناتِه كانَ يُزوّجُ الأخَ مِن أُختِه، نحنُ لا يجوزُ لنا أن نُسفّهَ ما كانَ علَيهِ آدمُ فإن الصّوابُ ما فعَلَهُ آدمُ، فبَعضُهم خالَفُوه وقالوا لهُ هذا لا يجوزُ وبَعضُهم وافَقُوه، صارُوا فريقَين، فالذين وافقُوه رضي عنهم وعَذّبَ الآخَرِين فقَتَل مَن قتَلَ مِنهُم حتى مَشَّى رَأيهُ هذا، فعِندَهُم يجوز زِواجُ الأخ مِنَ الأخت، لكنّهُم الآن قَلُّوا لكنْ يُوجَدُ منهُم في الهندِ في بعض الأراضِي هناك.

قال سيّدُنا عليّ رضي الله عنه فلَمّا فَعلُوا ذلك أُسرِيَ بكتابهِم، يعني كتابُهم رُفِع مِن بَينِهم، فَقَدُوه، الكتابُ المنزّل الكتابُ السّماوي الذي كان نُزّلَ على نَبيّهم وكانوا هم متَمسِّكينَ به رُفِع مِن بينِ أيْديْهِم، وأُخِذَ مِن قلُوبهِم ذلكَ العِلم الذي كان فيهم وهو عِلمُ الإسلام، الله تعالى رفَع كتابهم الذي كان بأيديهِم، الكتابَ المنزّل، وأُخرِجَ مِن قلُوبهِم العِلم الذي كانَ فيها، عِلم الدِّين، فبَقُوا على عبادةِ النار، إلى الآنَ أحَدُهم إذا سافَر سَفْرةً لما تُشعَلُ الكهرباء في المسَاء يَعبُدها يتَوجّه لها يَستقبلُها ويَعبُدها يقولُ كلماتٍ لعبادةِ هذه النار، وهؤلاء المجوس ما زالُوا إلى الآنَ كانوا موجُودينَ في الصّدر الأوّل ولا يزالونَ إلى الآن، لكن الآنَ اختفَوا حتى أنهم كانَ لهم وجُودٌ في الجزيرة العربية.

في زمَنِ الرّسولِ كان مَوقِعهُم في الجزيرة العربية البَحْرَين، الحاصلُ أنّ الذينَ قالَ الرّسولُ عنهم إنهم يؤمنونَ ببعضِ القدَر ويُكذِّبون ببعض القدَر هؤلاء ليسَ لهم سَلفٌ تقَدّمَهم في أصحاب رسول الله، أصحابُ رسول الله بريؤونَ مِن هذا لأنّ أصحابَ رسولِ الله في الاعتقادِ كلّهم على هُدى وإن حصَلَ بينَ بَعضِهم مع بعضٍ اختِلاف في مسائِلَ عمَليّة، ليست مسائلَ اعتقادِيّة(في أصول العقيدة) فكانَ المصِيبُ منهم في تلكَ المسائل الخلافيّة بعضًا منهم والبعض الآخَر مخطئينَ الصّواب، أخطؤوا الصّوابَ أمّا مِن حيثُ الاعتقادُ فكلّهُم كانوا على عقيدةٍ واحدةٍ، كانوا على عقيدةِ أنّ الله تعالى هو خالقُ كلِّ شىء بتَقديرهِ الأزليّ ومشيئتهِ الأزلية وعلمِه الأزلي بمعنى أنّ كلَّ ما يَدخُل في الوجود مِنَ الأجرام والأجسام ومِنَ الأعمال أنّ كلَّ ذلكَ بخلقِ الله ومشيئتِه دخَلَ في الوجودِ، لا بخلقِ شَىءٍ سِوَى الله، العبادُ لهم كسبٌ واختِيارٌ مخلوقٌ وقُدرَةٌ مخلوقةٌ وإرادةٌ مخلوقَةٌ لكنّهُم لا يخلقُونَ شَيئًا مِن هذه الأعمال التي يَعمَلُونها باختيارِهم، نحنُ نَعملُ أعمالا باختِيارنا لكنّنا لا نخلقُها بل الله خالقها فينا على وَفْقِ عِلمِه الأزلي ومشيئتِه الأزلية وقدرتِه الأزلية وتقديرِه الأزلي أي تَدبيرِه الذي دبّرهُ في الأزل دخَلت هذه الأشياء كلَّها في الوجُود.

فنَحنُ لا نخلُق أعمالَنا الاختياريّةَ إنما اللهُ هوَ خَالقُها لكن نحنُ نعمَلُها بإرادتِنا وقُدرتِنا الحادثتَين، هذا مَدارُ مَسألة الإيمان بالقَدَر، أي أنّ الإيمان يالقَدَر هو اعتقادُ أنّ كلَّ ما يَدخُل في الوجُودِ مِن حَركاتِ العبادِ وسكُونهِم التي هي باختيارهِم والتي هي ليسَت باختيارهِم أنّ الله هو خالقُها، فالعَمل الذي يعمَلُه الإنسانُ باختيارِه فهو مخلوقٌ لله ليسَ العبدُ خَلقَهُ، الله تعالى قدّرَه بتقديره الأزليّ أي دبّرَ الله تعالى في الأزل أن يحصُلَ مِن فلان كذا وكذا مِنَ الحركاتِ والسّكَنات والنّوايا والأفكار فلا بُدَّ أن تحصُل كما علِمَ اللهُ وشاءَ وقَدّر في الأزل، وما شاءَ الله وعَلِمَ وقَدّرَ أن يحصُلَ مِنَ العَبدِ مِنَ الحرَكاتِ بغَير اختيارِه بخلق الله وتقديرِه وعِلمِه، لا فَرقَ بَينَ أعمالِنا التي هيَ باختيارِنا وبينَ أعمالنا التي ليسَت باختيارنا في أنّ الله تبارك وتعالى هو خالقُ هذه وهذهِ، هذا حاصِلُ الإيمان بالقَدَر فمَن اعتقد هذا فقَد آمَنَ بالقدَر ومَن خَالَفَ هذا فقَد كذّب بالقَدَر، هذا هو خلاصةُ عقيدةِ أصحابِ رسولِ الله في القَدَر، فالذي يقول اللهُ قَدّر  ما يعمَلُ العبد مِنَ الأعمال الصالحةِ وأمّا ما يعمَلُه الإنسانُ منَ المعاصي فليس بتقدير الله هذا خالَفَ سُنّةَ رسولِ الله أي طريقةَ رسول الله التي كانَ عليها أصحابُه، فقَد كذّب بقَدَر الله، والذي يقولُ إنّ ما يعمَلُه الإنسان بإرادتِه فلَيس بخلق الله أمّا ما يعمَلُه بدونِ إرادةٍ منهُ فهو الذي يخلقُه الله هذا أيضًا ضَالٌّ مُكذّبٌ بقَدَر الله، وأمّا مَن قال كلُّ أعمالِ العبد الاختياريةِ وغَيرِ الاختياريةِ ما كانَ منها حسنةً وما كانَ منها سيئةً أي معصيةً العبدُ يخلقُها ليسَ الله خالقَها هذا أشَدُّ في الضّلال.

فنحنُ نقول لهؤلاء الله تعالى قال:" قُل الله خالقُ كلِّ شىء" الشرُّ شىءٌ أم لا، فإن قالوا الشرُّ شىءٌ ،قلنا لهم إذًا فقَد أَحْجَجْتُم أنفُسَكُم، في لغةِ العَرب الحركةُ التي يتَحركها الإنسان للخَير شَىء والحركةُ التي يتحركها للمعصيةِ شىء، فالقرآن أخبرنا بأنّه خالقُ كلّ شىءٍ، ما قالَ قل الله خالق كلِّ شَرّ، ثم إنّ الخليفةَ الرّاشدَ عمرَ بنَ عبد العزيز كانَ شديدَ النّكير على المعتزلة حتى إنّهُ عَمِلَ رسالةً، رسالتُه هذه موجودةٌ في المكتبات التي تحوي الكتُبَ الخطيّة، الكتبَ المخطوطةَ التي لم تُطبَع بَعدُ إلى الآن بعضٌ منها موجودةٌ في بعض مكتباتِ اسطَنبول وغيرها، رسالةُ عمر بن عبد العزيز في الردّ على المعتزلة، المعتزلةُ يزعمون أنهم هُم خُلاصة أمّةِ محمد وأمّا مَن سواهم في ضلالٍ، الآنَ انقَرضوا ما لهم وجودٌ بالمعنى الكامِل في اسم المعتزلي، فهؤلاء ردّ عليهم الخليفةُ الراشد عمرُ بن عبد العزيز، كانَ في زمانه شخصٌ يقال له غيلان بنُ مَروان الدِّمشقي ،هذا رُفِع إلى عمر بن عبد العزيز قيلَ لهُ هذا يقول إنّ العبدَ هوَ يخلق أعمالَه فقال لهُ ارجِع عن هذا الاعتقاد إلى الإسلام فأظهَرَ الرّجوع وتشَهّدَ فتَركه ثم بعدَ وفاةِ عمرَ بنِ عبد العزيز رجَعَ في أيام هشامِ بنِ عبد الملِك فأفتى الإمامُ الأوزاعيّ والإمام مكحُول، هذان إمامانِ مجتَهدان في برّ الشّام، مَكحولٌ كان يَسكُن دمشقَ أمّا الإمام الأوزاعيّ كانَ في لبنان، هَذان أفتَيا بحِلّ دمِه فقتَلَه الخليفةُ هِشام بنُ عبدِ الملك.قال الله تعالى:" قل الله خالقُ كلِّ شىء".