Search our site or Ask

اعلم أيها القارىء رحمنا الله وإياك بتوفيقه أن توزيع الزكاة أَحكَمَ الله عزَّ وجلَّ قواعدَه، وأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أصوله، وبلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، فلا يجوز لأحد أن يهمل تلك القواعد أو يتجاوز هذه الأصول، أو يدَّعي أنه أفهم لها ممن نزل عليه الوحي بها، وممن تلقاها منه وتعلمها على يده.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب الأم:"فأحكم الله عزَّ وجلَّ فرض الصدقات في كتابه ثم أكدها فقال:[فريضة من الله]، قال: وليس لأحد أن يقسمها على غير ما قسمه الله عزَّ وجلَّ". اهـ.

يعني بذلك قوله تعالى:[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] [سورة التوبة/60].

فلا يجوز ولا يجزىء إعطاء الزكاة لغير هؤلاء الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى في هذه الآية، .

وأما غير هؤلاء فلا يجوز أن يُعطَوا من هذا السهم درهمًا ولا أكثر، سواء كانوا أفرادًا متفرقين أو منتظمين في رابطة أو جمعية، وسواء كانوا علماء أو طلبة علم أو عامة، وسواء أرادوا استخدامها راتبًا لموظف أو أجرة لنسخ كتاب أو لبناء مسجد أو مصلَّى أو مدرسة أو كلفة عقد مؤتمر أو غير ذلك.

هذا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به الصحابة والتابعون وأتباع التابعين ومن جاء بعدهم من سلاسل علماء الدين الذهبية، وهو ما أفتوا به في حال قوة الأمة وضعفها، وفي حال اشتداد شوكة أهل البدع وشدة هجمتهم كما في حال انكسار ذلك.

والخلاصة: أن سهم :[وفي سبيل الله] المذكور في ءاية الصدقات لا يشمل عمل الرابطة أو الجمعية ولا أمثالها وبالتالي لا يجوز صرفه في نشاطاتها ونفقاتها. والفتوى بخلاف ذلك   غلط فاحش يحرم العمل بها لمخالفتها نص القرءان وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأئمة المجتهدين وأقوالهم.

تنبيه: من دفع زكاة ماله لطباعة الكتب أو عقد الندوات أو بناء المساجد أو المستشفيات أو افتتاح مراكز جمعيات وروابط أو نحو ذلك كما أجازه بعض المتعالمين فلا يصح منه ذلك ولا يجزىء عنه زكاةً، أفتى بذلك مفتي مصر الفقيه الحنفيّ المشهور محمد بخيت المطيعي الأزهري وكذا وكيل المشيخة الإسلامية في الدولة العثمانية الشيخ محمد زاهد الكوثري وأقرَّه، وقبلهما بكثير نقل ابن هبيرة الحنبلي الإجماع على ذلك ذكره في الإفصاح فَلْيُتَنَبَّهْ، فإن من فعل هذا يأتِي يوم القيامة والزكاة ما زالت في رقبته لم تبرأ منها ذمته، والله تعالى أعلم.

إذا وضح ذلك فاعلم أن أئمة المسلمين جميعًا أجمعوا على أن مصرف {وفي سبيل الله} المذكور في ءاية الصدقات لا ينطبق على كل وجوه البر وأنه خاص بالغازي المتطوع ، قال ابن هبيرة في الإفصاح (ص108) :"واتفقوا ـ أي الأئمة الأربعة وأتباعهم ـ على أنه لا يجوز أن يخرج الزكاة إلى بناء مسجد، ولا تكفين ميت وإن كان من القُرَبِ لتعيّن الزكاة لما عُينت له". اهـ.

وقال مالك في المدونة (2/59) :"لا يجزئه أن يُعطي من زكاته في كفن ميت لأن الصدقة إنما هي للفقراء والمساكين ومن سمَّى الله وليس للأموات ولا لبناء المساجد"اهـ.

وقال ابن قدامة الحنبلي ما نصه (المغني والشرح الكبير 2/527) :"فصل: ولا يجوز صرف الزكاة الى غير من ذكر الله تعالى من بناء المساجد والقناطر والسقايات وإصلاح الطرقات وسد البثوق وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف وأشباه ذلك من القُرَبِ التي لم يذكرها الله تعالى.

وقال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية، والأول أصح لقوله سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} وإنما للحصر والإثبات تثبت المذكور وتنفي ما عداه، والخبر المذكور، قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل: يكفن الميت من الزكاة؟ قال: لا، ولا يقضى من الزكاة دين الميت". اهـ،

ومثله قال من لا يحصى من فقهاء المذاهب الأربعة. فإذا كان لا يجوز دفعها لبناء مسجد يُدعى فيه إلى الله وتقام فيه شعائر الإسلام وتعلم علوم الدين فهل يجوز دفعها لاستئجار قاعة لمعرض أو لمؤتمر ؟!!! بالتأكيد لا.

وقال المحدث الشيخ عبد الله الغماري المغربي ردًّا على سؤال ورده ونصه :"عندنا مسجد مهدم فهل يجوز دفع جزء من زكاة المال لإعادة بناء هذا المسجد أم لا؟"، فأجاب ما نصه :"لا يجوز صرف الزكاة في بناء المسجد لأن الزكاة نص الله على الأصناف التي تستحقها فقال تعالى::[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] [سورة التوبة/60] وعلى هذا انعقد إجماع العلماء، وقد أفتت مجلة الأزهر أخيرًا بجواز إعطاء الزكاة في بناء المساجد بناء على توسع بعض العلماء في معنى قوله تعالى:[وفي سبيل الله] وهو قول شاذٌّ لا يجوز اعتماده، والله أعلم" اهـ.

ومثله ردَّ الكوثري على هذه الفتوى الواردة في مجلة الأزهر بقوله :"هذا ملخص الجواب المنشور هناك، ولكن هذا الجواب لم يقم على قدمي حق ولا على قدمي حق وباطل، بل حاول أن يقوم على قدمي باطل فانهار انهيارًا لا قيام له بعده، حيث بنى على الباطل من جميع النواحي، لأن ادعاءه اختلاف الأئمة في جواز صرف الزكاة الى عمارة المساجد بادىء ذي بدء لا نصيب له من الصحة أصلاً لأنه ليس بين الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد المعترف بإمامتهم عند الأمة أحد جوَّز ذلك". اهـ.

فمن هنا يُعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبناء المساجد والمستشفيات والمدارس، فمن دفع من زكاته إلى مدرسة أو إلى مستشفى أو إلى بناء مسجد فليَعلم أن زكاته ما صحت فيجب عليه إعادة الدفع للمستحقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة"، رواه البخاري في الصحيح. فيُفهم من هذا الحديث أن الذي يأخذ الزكاة وليس هو من المستحقين الذين ذكرهم الله في القرءان له النار يوم القيامة، وكذلك الذي يأكل مال الوقف الإسلامي بغير حق أي بغير الوجه الشرعي الذي بيَّنه الفقهاء في كتبهم فله النار يوم القيامة.

والدليل على أنه لا يجوز دفع الزكاة لكل ما هو بر وخير مما عدا الأصناف الثمانية وأن المراد بقوله تعالى :[وفي سبيل الله] ليس كل أنواع البر والإحسان من بناء مسجد ومدرسة ومستشفى ونحو ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذَكَرَ الزكاة: "إنها لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي"، وقوله صلى الله عليه وسلم لرجلين جاءا يسألانه الزكاة وكانا قويين :"إني أُعطيكما وليس فيها حق لغني ولا لقوي مكتسب" رواهما أبو داود والبيهقي، فحرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذين الحديثين الزكاة على من يملك مالا يغنيه أي يكفيه لحاجاته وعلى من له قوة على العمل الذي يكفيه لحاجاته الأصلية، فدلَّنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو المبيّن لما أنزل الله في كتابه بعض أعمال البِرّ لا كلّها وهو الجهاد ويدخل في ذلك الحج عند الإمام أحمد، ولم يقل إن كلمة [وفي سبيل الله] تعمُّ كل مشروع خيري أحدٌ من الأئمة المجتهدين إنما ذلك ذكره بعض الحنفية من المتأخرين ليس من أصحاب أبي حنيفة الذين هم مجتهدون، فحرام أن يؤخذ بقول هذا العالم. فليحذر من هؤلاء الذين يلمّون هذه الأموال باسم المستشفى أو بناء جامع أو بناء مدرسة من الزكوات، هؤلاء حرام عليهم وحرام على الذين يعطونهم لأنه لو كان كل عمل خيري يدخل في قوله تعالى: [وفي سبيل الله] ما قال الرسول :"إنه لا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب". اهـ.

تكميل: قال الفقهاء في تأكيد تحريم صرفها لغير الثمانية الذين ذكرهم الله في القرءان إنها ـ أي الزكاة ـ تحرم على الغازي المرتزِق،  قالوا: إنما يرزق من حصته، فإذا عدم الفىء واضطررنا إلى المرتزق ليكفينا شر الكفار أعانه الأغنياء من أموالهم لا من الزكاة، والمرتزق هو الجندي المسجل في ديوان المجاهدين. فإذا كان هذا لا يُعطى من الزكاة إلا المجاهد المتطوع الذي لا مرتب له في الفىء لا يجوز إعطاؤه من الزكاة في هذه الحال التي المسلمون بحاجة إلى إستمرار هؤلاء المرتزقين في وظيفتهم ليس لهم حق من الزكاة مع أنهم متفرغون للجهاد فكيف هؤلاء الذين تعمل لهم على حساب الزكاة مآدب ومآدب فتكلف الآلاف المؤلفة كما فُعل في بعض السنين الماضية وكما هم بصدد أن يفعلوه الآن. وفي الحديث الصحيح أن رجلين أتيا رسول الله يطلبان منه أن يعطيهما من الزكاة وكانا جَلْدَين ـ أي قويين ـ فصعَّد فيهما النظر وصوَّب ثم قال: "إنه لا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب" ثم أعطاهما بعد أن حسَّن الظن بهما بأن اعتبرهما لا يجدان من العمل ما يسدُّ حاجاتهما الأصلية، فبعد هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجوز أن يُتصرف فيها لإطعام هؤلاء الأغنياء بحجة تنشيطهم لدفع الزكاة، ثم إننا نحذر من دفعها لمن يتلاعبون بها بوضعها في غير محلها وإلى الله المرجع والمآب.

ثم إن الفقهاء قالوا: تولي تفرقة الزكاة للمالك بنفسه أفضل من توكيل غيره لأنه أدرى بأحوال أقربائه المحتاجين وجيرانه المحتاجين المستحقين لها". اهـ.

وفي الحقيقة هؤلاء يدخلون تحت حديث البخاري :" إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة " وليستحوا من رسول الله القائل في بيان حكم الزكاة :"إنه لا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب" فهؤلاء عكسوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح المشهور :"تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم". وليت شعري هل اطلعوا على هذه الأحاديث ثم منعهم هواهم أن يعملوا بها أم لم يطلعوا؟ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون" اهـ.