Search our site or Ask

لا تَطْلُبُوا الدُّنيا

رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "عَجِبْتُ لِطَالِبِ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبهُ، وَعَجِبْتُ لِغَافِلٍ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَجِبْتُ لِضَاحِكٍ مِلْءَ فِيهِ وَلا يَدْرِي أَرُضِيَ عَنْهُ أَمْ سُخِطَ" فِـي هَذَا الْـحَديثِ تَـحْذِيرٌ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الاشْتِغَالِ لأَمْرِ الآخِرَةِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغي أَنْ يَشْتَغِلَ بِطَاعَةِ اللهِ وَيَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ وَيَخَافُ عِقَابَهُ.

وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قالَ اللَّهُ تَعَالَـى: "يا دُنْيَا مَنْ خَدَمَني فَاخْدُميهِ وَمَنْ خَدَمَكِ فَأَتْعِبيهِ" فَمَنِ اشْتَغَلَ فِـي الدُّنْيا وَغَفَلَ عَنِ الآخِرَةِ يَتْعَبُ، أَمَّا مَنِ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَاتَّقَى اللَّهَ فَهُوَ الَّذي سَيَرْتَاحُ  بَعْدَ الْمَوْتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَـى: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب}.

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يا ابْنَ ءادَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي أَمْلأْ صِدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلا تَفْعَلْ مَلَأتُ يَدَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ" فَمَنِ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ اللهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ غِنًى مَعْنَوِيًّا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ حَيْثُ الْمَالُ.

قَالَ الإمامُ التَّابِعيُّ الْـحَسَنُ الْبِصْرِيُّ: "مِسْكِينٌ أَيُّهَا الإنْسَانُ مَحْتُومُ الأَجَلِ مَكْتُومُ الأَمَلِ مَسْتُورُ الْعِلَلِ تَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ وَتَنْظُرُ بِشَحْمٍ وَتَسْمَعُ بِعَظْمٍ، أَسِيرُ جُوعِكَ صَرِيعُ شِبَعِكَ، تُؤذِيكَ الْبَقَّةُ وَتُنْتِنُكَ الْعَرْقَةُ وَتَقْتُلُكَ الشَّرقَةُ، وَلا تَمْلِكُ لِنَفْسِكَ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَلا مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا" مَعْنَاهُ أَنَّ الإنْسَانَ أَجَلُهُ لا يَتَغَيَّرُ وَلا يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ مِنْ شَأنِهِ فِـي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَثِيرا مَا تَكُونُ فِـي جِسْمِهِ عِلَلٌ مَسْتُورَةٌ وَهُوَ ضَعيفٌ، لِسَانَهُ مِنْ لَـحْمٍ وَعَيْنُهُ مِنْ شَحْمٍ وَسَمْعُهُ بِالْعِظَامِ الصَّغِيرَةِ، يُتْعِبُهُ الْـجُوعُ وَكَثِيرٌ مَا يُهْلِكُهُ الشِّبَعُ، وَتُؤذِيهِ الْـحَشَرَاتُ الصَّغِيرَةُ وَتُنْتِنُهُ رَائِحَةُ الْعَرَقِ وَقَدْ يـَمُوتُ بِشَرقَةٍ، وَالشَّرَقَةُ بِفَتْحَتَيْنِ الْغُصَّةُ.

وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبِصْرِيِّ نُرِيدُ مِنْكَ وَصِيَّةً قَالَ "دِرْهَمٌ مِنْ حلالٍ وَأخٌ في اللَّهِ وجَنَّبَكَ اللَّهُ الأَمَرَّيْنِ وَوَقَاكَ شَرَّ الأجْوَفَيْنِ" فَخَيْرٌ لِلإنْسَانِ أَنْ يَقْنَعَ بِالْـحَلالِ وَإِنْ قَلَّ لأَنَّ الْـحَرَامَ عَاقِبَتُهُ وَخِيمَةٌ وفي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُم: "لا خَيْرَ في لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ"، وَالأَمَرَّانِ هُـمَا الْفَقْرُ وَالْـهَرَمُ، وَالأجْوَفَانِ هُـمَا الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ.

وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْـجَوْزِيِّ رَحِـمَهُ اللَّهُ تَعَالَـى فِي كِتَابهِ "صيدُ الْـخَاطِرِ": "مَنْ تَفَكَّرَ في عَواقِبِ الدُّنيا أَخَذَ الْحَذَر، وَمَنْ أَيْقَنَ بِطُولِ الطَّرِيقِ تَأهَّبَ لِلسَّفَر" وَقَالَ: "ما أَعْجَبَ أَمْرَكَ يَا مَنْ يُوقِنُ بَأَمْرٍ ثُمْ يَنْسَاهُ، وَيَتَحَقَّقُ ضَرَرَ حَالٍ ثُمَّ يَغْشَاهُ، وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاه، تَغْلِبُكَ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَظُنُّ، وَلا تَغْلِبُهَا عَلَى مَا تَسْتَيْقِنُ، مِنْ أعْجَبِ الْعَجَائِبِ سُرُورُكَ بِغُرُورِكَ، وَسَهْوُكَ عَنْ لَهْوِكَ، وَقَدْ شَغَلَكَ نَيْلُ لَذَّاتِكَ عَنْ ذِكْرِ خَرَابِ ذَاتِكَ".

وَفِـي الْـحَديثِ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوتُ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأتِ على الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ فيهِ فَيَقُولُ: "أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قالَ لَهُ الْقَبْرُ: "مَرْحَبًا وَأَهْلاً، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وَلِيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنيعي بِكَ، فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلى الْجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: "لا مَرْحَبًا وَلا أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وَلِيتُكَ الْيَومَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنيعي بِكَ" فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ وَيُقَيَّض لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ في الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلى الْحِسَابِ، إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ" [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ السِّيوطِيُّ]. وَالتَّنِّينُ ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ مِنْ أَعْظَمِهَا كَأَكْبَرِ مَا يَكُونُ مِنْهَا.

يَا أَرحَـمَ الرَّاحِـمِينَ  يَا أَرحَـمَ الرَّاحِـمِينَ  يَا أَرحَـمَ الرَّاحِـمِينَ

اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ

وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ

وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ

وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ