Search our site or Ask

رسالة التعاون على النهي عن المنكر

مقدمة

الحمد لله رب العالمين الذي شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله الطيبين الطاهرين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ومن تبعهم إلى يوم الدين أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضى الناس سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس" رواه ابن حبان وصححه (أخرجه ابن حبان في صحيحه: أول كتاب البر والإحسان، انظر "الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان" (1/247) لابن بلبان)، ومراده صلى الله عليه وسلم بالناس في الموضعين الخيار وهم الأتقياء

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الناسَ إذا رأَوُا المنكر فلَم يغيّروه أوشك أن يعمَّهُمُ الله بعقاب" رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث أبي بكر رضيَ الله عنه(أخرجه أحمد في مسنده (1/2 و5 و9)). ومعنى الحديث أن الله ينتقم منهم إذا تركوا النهيَ عن المنكر، يُنزل بهم نِقمًا ونَكبَات في الدنيا قبل الآخِرة، ولا شك أن النِّقم التي تنزل بالمسلمين في هذه الأزمنة من شؤم ترك تغييْر المنكر والنهي عنه. ثم إن أعظم المنكرات الكفر وقد شاعت منكرات هي من نوع الكفر بين الناس حتى صارت عند بعض الجهال كأنها تحيّة يُحَيّي بها بعضُهم بعضًا فقد شاعت كلمات كفرية بين الناس منذ قرون ثم زادت في هذا العصر

فصل في أن علماء المذاهب الأربعة على التحذير من كلمات الكفر

قال رضي الله عنه:  وها أنا عبد الله بن محمد الهرري أكتب هذه الرسالة عملاً بهذا الحديث لبيان الحقيقة لا لغرض دنيوي رجاء أن ينتفع بها المسترشدون ويكف عن افتراءاتهم المفترون مما نسب إلينا من أننا نكفر الناس. وإنني أقتدي بمن سبقنا من علماء المذاهب الأربعة فإنهم لما علِموا بكفريات شاعت على ألسنة الناس ألفوا تآليف فيها بيان الكلمات الكفرية منهم أبو علي عمر بن محمد الإشبيليُّ المالكي الأشعري السَّكوني ألف كتابًا سماه "لحن الخاصة والعامّة" وقد نقل عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه "لطائف المنن والأخلاق" ووصفه بأنه إمام علامة، وكانت وفاة السَّكوني سنة سبعمائة وسبعة عشر من الهجرة والشعراني من أهل القرن العاشر.  وقال الحافظ الفقيه الحنفي اللغوي خاتمةُ اللغويين والحفاظ محمد مرتضى الزبيدي شارح "إحياء علوم الدين" ما نصه (إتحاف السادة المتقين "5/333"): "وقد جمع من أئمة المذاهب الأربعة رسائل في بيان الكلماتِ الكفرية" اهـ

وها أنا أسوق عبارة الشعراني فقد قال في كتابه المذكور (لطائف المنن والأخلاق "ص/394 ـ 395"): "قال الإمام العلامة عمر بن محمد الإشبيلي الأشعري في كتابه المسمى بـ "لحن العوام": وليحذر من العمل بمواضع من كتاب "الإحياء" للغزالي ومن كتاب "النفخ والتسوية" له وغير ذلك من كتب الفقه فإنها إما مدسوسة عليه أو وضعها أوائلَ أمره ثم رجع عنها كما ذكره في كتابه "المنقذ من الضلال". وكذلك يحذر من مواضع من كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي نحو قوله: الله تعالى قوت العالم، ومن مواضع في تفسير مكي، ومن مواضع كثيرة في كلام ابن مَيْسرة الحنبلي وقد صنف الناس في الرد عليه. وليحذر من مطالعة كلام منذر بن سعيد البلوطيّ فإنه مخلوط بكلام أهل الاعتزال لمّا عاشرهم حين رحل إلى بلاد المشرق، ومن مطالعة كتب ابن بَرجان، وكذلك مواضع في تفسير الزمخشري وبعضها كفر صُراح.  وكذلك يحذر من مطالعة كتاب "إخوان الصفا" وهو مشتمل على اثنتين وخمسين رسالة وهو تأليف المجريطي وقد ذكروا أنه كان من الملحدين المجانبين لطريق الإسلام، وكذلك يحذر من مطالعة كلام إبراهيم النظّام وابن الراوندي ومَعْمر بن المثنى، ومن مطالعة قصيدة عبد الكريم الجيليّ التي رَويُّها العين المضمومة ومن جملتها  قطعتَ الورى من نفس ذاتك قطعة * وما أنتَ مقطوع وما أنت قاطع  فإنه لفظٌ لا يجوز إطلاقه على الله تعالى مطلقًا

ومن مطالعة كتاب "خلع النعلين" لابن قَسِيّ لعُلو مراقيه عن الفهم، وكذلك تائية سيدي محمد وفاء.  وليحذر كل الحذر من مطالعة كتب محمد بن حزم الظاهريّ إلا بعد التضلع من علوم الشريعة لاسيما ما فيها مما يتعلق بأصول الدين وقواعد العقائد والمعاني والحقائق لأنه لم تكن له يد في هذه العلوم وإنما أخذها بالفهم فلم يحسن كلامه فيها. وكذلك ينبغي أن يحذر من مطالعة كلام الحفيد ابن رشد لأن غالب كلامه في المعتقد فاسد.  وليحذر أيضًا من مطالعة كتب الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ لاسيما "الفصوص" و"الفتوحات المكية" فقد أخبرني الشيخ أبو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة أنه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محي الدين من الأمور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب "القاموس" في اللغة.اهـ. قلت: وقد اختصرت "الفتوحات المكية" وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة فلما أُخبرت بأنهم دسّوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورَد على الشيخ شمس الدين المدني بنسخة "الفتوحات" التي قابلها على خط الشيخ بقُوْنيا فلم أجد فيها شيئًا من ذلك الذي حذفته ففرحت بذلك غاية الفرح فالحمد لله على ذلك

وليحذر أيضًا من مطالعة كتب عبد الحق بن سبعين لما فيها مما يوهم الحلول والاتحاد والتشبيه وأقوال الملحدين، ومَنَع بعضهم من سماع كلام سيدي عمر بن الفارض في التائية والجمهور على جواز ذلك مع التأويل، فهذه عِدة نصائح وتحذيرات قد سبقْت إليها فزنها بميزان الشرع فإن لم تجد عنها بدًّا فاعمل يا أخي بها.  وعليك بمطالعة كتب الشريعة من حديث وتفسير وفقه والاقتداء بأئمة الدين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومقلديهم من الفقهاء والمتكلمين رضي الله عنهم أجمعين. وإياك والاجتماع بهؤلاء الجماعة الذين تظاهروا بطريق القوم في النصف الثاني من القرن العاشر من غير إحكام قواعد الشريعة فإنهم ضلوا وأضلوا بمطالعتهم كتب توحيد القوم من غير معرفة مرادهم، وقد دخل عليّ منهم شخص وأنا مريض ولم يكن عندي أحد من الناس فقلت له: من تكون؟ قال: أنا الله فقلت له: كذبتَ فقال: أنا محمد رسول الله فقلت له: كذبتَ فقال: أنا الشيطان وأنا اليهودي فقلت له: صدقتَ فوالله لو كان عندي أحد يشهد عليه لرفعته إلى العلماء فضربوا عنقه بالشرع الشريف فالحمد لله الذي عافانا وإخواننا من مثل ذلك فالله تعالى يوفق الإخوان ويتولاهم" انتهى

قال الحافظ أبو زرعة العراقي وليُّ الدين في كتاب "الأجوبة المرضيّة على الأسئلة المكيّة": "إن في كتاب "الفتوحات المكية" كفرًا لا يمكن تأويله" اهـ.  ثم قال الشعراني ما نصه (لطائف المنن والأخلاق "ص/390 ـ 391"): "وقد نقل الشيخ محي الدين بن عربي في "الفتوحات المكية" إجماع المحققين على أن مِنْ شرط الكامل أن لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة أبدًا بل يرى أن من الواجب عليه أن يُحقّ الحق ويبطل الباطل ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما أمكن. انتهى، هذا لفظه بحروفه. ومن تأمله وفهمه عرف أن جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسةٌ عليه لاسيما كتاب "الفتوحات المكية" فإنه وضعه حال كماله بيقين وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين وبقرينة ما قاله في "الفتوحات المكية" في مواضع كثيرة من أن الشطح كلَّه رعونةُ نفس لا يصدرُ قطُ من محقّق، وبقرينة قوله أيضًا في مواضع: من أراد أن لا يضل فلا يَرْم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليل نهار عند كل قول وفعل واعتقاد". انتهى [كلام ابن عربي]

وبالجملة فلا يحل مطالعة كتب التوحيد الخاص إلا لعالم كامل أو من سَلكَ طريق القوم، وأما من لم يكن واحدًا من هذين الرجلين فلا ينبغي له مطالعة شىء من ذلك خوفًا عليه من إدخال الشُّبه التي لا يكاد الفطن أن يخرجَ منها فضلاً عن غير الفطن ولكن من شأن النفس كثرة الفضول ومحبة الخوض فيما لا يعنيها، وقد وضع بعض العلماء من السلف كتابًا جمع فيه كثيرًا من الكلمات التي ينطق بها العوام مما يؤدي إلى الكفر وحذّر فيه من النظر في جملة من الكتب نصيحةً للمسلمين وقد حُبّب لي أن أذكر طرفًا من ذلك هنا لتجتنب النطق به أو النظر فيه فأقول وبالله التوفيق: مما يقع فيه كثير من الناس قولهم يا من يرانا ولا نراه، وقولهم يا ساكن هذه القبة الخضراء، وقولهم سبحان من كان العُلى مكانَه ونحو ذلك ومثل ذلك لا يجوز التلفظ به لما يورث من الإيهام عند العوام وأن الله في مكان خاص، وإن قال هذا القائلُ: أردتُ بقولي ولا نراه عدمَ رؤيتنا له في الدنيا قلنا له: قد أطلقتَ القول والإطلاق في محل التفصيل خطأ وقد أجمع أهلُ السنة على منْع كل إطلاق لم ترد به الشريعة سواء كان في حق الله تعالى أو في حق أنبيائه أو في حق دينه، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري يقول: ما أطلق الشرع في حقه تعالى أو في حق أنبيائه أو في حق دينه أطلقناه وما منع منعناه، وما لم يرد فيه إذنٌ ولا منعٌ ألحقناه بالممنوع حتى يرِدَ الإذن في إطلاقه انتهى

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ما لم يرد لنا فيه إذن ولا منع نظرنا فيه فإن أوهم ما يمتنع في حقه تعالى منعناه وإن لم يوهم شيئًا من ذلك ردَدْناه إلى البراءة الأصلية ولم يُحكم فيه بمنع أو إباحة انتهى. فقد اتفق الإمامان على منع كل إطلاق يوهم محظورًا في حق الله تعالى وتبعهما العلماء على ذلك قاطبةً وقد نقلوا فيه الإجماع.  فعُلم من هذه القاعدة أن كل من كان لا يفرق بين ما يوهم إطلاقه محظورًا وبين غيره فلا يجوز له أن يطلق في حق الله تعالى إلا ما ورد به التوقيف والإذن الشرعي حذرًا [من] أن يقع فيما لا يجوز إطلاقه على الله تعالى فيأثمَ أو يكفر والعياذ بالله تعالى.  ومما يقعون فيه أيضًا قولهم يا دليل الحائرين يا دليل من ليس له دليل يا دليلَ الدليل ونحو ذلك وكله لم يرد به شرع فلا ينبغي أن يقال. وكذلك من الخطإ قولهم يا مَن لا يوصف ولا يعرف، فإنه تعالى موصوف معروف من غير تكييف

ومما يقعون فيه أيضًا قولهم يا من هو في عرشه يرانا لإيهامه الاستقرار وإنما يقال يا مَن استوى على عرشه كما ينبغي لجلاله، وقد أجمع أهلُ الحق على وجوب تأويل أحاديث الصفات كحديث: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" وخالف في ذلك الكرامية المجسمةُ والحشوية المشبهة فمنعوا تأويلَها وحملوها على الوجه المستحيل في حقه تعالى من التشبيه والتكييف حتى إن بعضهم كان على المنبر فنزل درجًا منه وقال للناس ينزل ربكم عن كرسيه إلى السماء الدنيا كنزولي عن منبري هذا وهذا جهل ليس فوقه جهل وكل هؤلاء محجوجون بالكتاب والسنة ودلائل العقول". انتهى كلام الشعراني

ومما ينبغي بيانه أنّ بعض الوهابية وجماعة سيد قطب أرادوا أن ينفروا الناس مِنا فصاروا يقولون إننا نكفر العلماء ومرادهم بذلك ابن تيمية وسيد قطب.  أقول: أما ابن تيمية فإني تبعت فيه العلماء الذين قبلنا فقد كفره الشيخ علاء الدين البخاري حتى قال:"من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر" اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي في حاشية مناسك النووي (حاشية ابن حجر الهيتمي على الإيضاح ص/214): "ولقد كفره كثير من العلماء" اهـ.  ثم إني رأيت في عدد من كتبه قوله إن الله لم يسبق جنس العالم بالوجود بل هو وجنس العالم قديمان أزليان وذلك في كتابه المسمى "منهاج السنة النبوية" (انظر الكتاب 1/83 و109) وكتابه المسمى "موافقة صريح المعقول" (انظر الكتاب 2/64 و75 و245) وكتابه "شرح حديث عمران بن حصين" (انظر الكتاب ص/193 ومجموع فتاوى 18/239) وكتابه "نقد مراتب الإجماع" (انظر الكتاب ص/168) و"شرح حديث النزول" (انظر الكتاب ص/161) وقال في "شرح حديث عمران بن الحصين" (انظر الكتاب ص/193) إن ذلك كمال لله تعالى

وقال الشيخ جلال الدين الدواني في "شرح العضدية" (شرح العضدية ص/13) :"وقد رأيت في تأليف لأبي العباس أحمد بن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش" يعني أن العرش قديم مع العالم لم يزل موجودًا لكن بجنسه ليس كل فَرْد من أفراده ومعنى ذلك أن العرش يتجدد وجوده من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم كلَّ وقت.  وأما سيّد قطب فإنّه يقول في تفسيره (انظر كتابه المسمى "في ظلال القرءان" 6/3481) إنَّ الله مع كل أحد في كلّ مكان حقيقة لا كنايةً ومجازًا، وسمّى الله في موضع ءاخر القوة الخالقة (انظر المصدر السابق 1/40) فقال إرادةُ القوّة الخالقة سمّى الله قوة والله يقول: {إنَّ اللهَ هو الرزَّاق ذو القوّة} [سورة الذاريات/58]. وقال في سيّدنا موسى إنه عصبيّ المزاج. انظر كتابه المسمى "التصوير الفني في القرءان" ص/162

ولتنفير الناس منا حتى لا يسمعوا ردي عليهم قالوا في ذلك إننا نحرّم العَسل لأنّ النحلة لا تستأذن حينما تأكل من أزهار الناس، وقال بعضهم حين غبت شهرين إلى اليمن للتداوي عند طبيب عربي إن عبد الله الهرري مات في اليمن وأوصى بأن يدفَن في تل أبيب، ثم لما عدت إلى لبنان وعملت درسًا في جامع كبير من جوامع طرابلس قال بعض الذين حضروا لمن قال ذلك: أنت قلت إن الشيخ عبد الله مات وأوصى قبل أن يموت بأن تُنقَل جثّته إلى تل أبيب، وها هو يدرس في مسجد كذا فقال هذا أخوه، إلى غير ذلك من السّفاهات، وذلك لأنّهم لا يتمكنون من أن يناظروني بالأدلة الشرعية

ليعلم أن أكثر فِرَق الضلال وجودًا اليوم المشبهة، والوهابية ها هم صريحًا يشبهون الله بخلقه والمشبّهُ كافر، وينشرون هذه العقيدة الفاسدة بين الناس فهل نسكت عنهم فيتوهم الناس أنهم على الإسلام ليتبعهم أكثر ممن تبعهم قبلُ ولتَهُون مخالفتهم لأهل الحق في العقيدة فيظن الجاهل أنهم من جملة المسلمين وأنّ تشبيه الله هو ما جاء به النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم، فهذا عبد الله بن حسن حفيد محمد بن عبد الوهاب قال في مكة قبل نحو سبعين سنة وهو ينزل من الدرج: الله ينزل كنزولي هذا. شهد بذلك الشيخ عليُّ بن عبد الرحمن الصومالي وكان مجاورًا بمكةَ يناقش حسنًا هذا في عقيدتهم الفاسدة أحيانًا سمعه بأذنه يقول هذه الكلمة ثم سُفّر لأنه أظهر مخالفتهم، فهل نسكت عن تكفير مثل هذا. ألا نقتدي بالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك وأبي حنيفة فإن كلاًّ منهم كفّر المجسم ومن أراد الاطلاع على نصوصهم فليطلب منا ذلك.  وهل نسكت كما سكت غيرنا ممن يعرف ضلال هؤلاء بدعوى توحيد الصف الإسلامي بزعمه، وهل إنكار المنكر تفريق لصف المسلمين حاشا وكلا، فإن تكفير الكافر ليس تفريقًا للصف بل بيان للحق، وكيف توحّد الصف مع من يكفرك ويستحل دمك؟! فالوهابية يروننا كفارًا بل يرون كل من ليس وهابيًّا كافرًا وقد قال عدد من دعاتهم في مؤلفاتهم: "قاتلوا الصوفية قبل أن تقاتلوا اليهود والمجوس" منهم صاحب الكتاب المسمّى "المجموع المفيد من عقيدة التوحيد" (انظر الكتاب ص/55) علي بن محمد بن سِنان المدرس في المسجد النبوي والجامعة المسمّاة بالجامعة الإسلامية. والصوفية هم عباد الله الصالحون منهم الخلفاء الأربعة وكثير من التابعين وكثير من أتباع التابعين وقد ألف في بيان التصوف الحقيقي الحافظ أبو نعيم كتابه "حلية الأولياء" وذكر من بينهم الخلفاء الأربعة ومن بعدهم من الزهاد المنقطعين إلى الله ولا نعني بالصوفية من تشبه بهم وليس منهم

ومن شواهد تكفير الوهابية للمسلمين أن شابًا حبشيًا درس في جامعة الوهابية المسماة "الجامعة الإسلامية" خمس سنوات ثم رجع إلى أهل بلده وصار يقول لهم أنتم كفار لأنكم تقولون يا محمد يا عبد القادر وتعبدون قبور المشايخ ثم قال لأبيه يا أبي أنت كافر فلم يتمالك الأب نفسَه بل ضربَه بالرّصاص فقتله ثم سلّم نفسه للحكومة وهذه الحادثة مضى عليها نحو أربع سنوات.

وقد قال محمد بن عبد الوهاب إمامهم من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل فهو كافر مباح الدم اهـ.

وقال مفتي مكة الحنبلي عبد الله بن حميد الحنبلي النجدي في كتابه الذي ألفه في تراجم فقهاء الحنابلة من رجال ونساء والذي سماه "السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة" وقد ترجم فيه ثمانمائة عالم وعالمة قال في ترجمة عبد الوهاب بن سليمان والدِ محمد بن عبد الوهاب بعد أن أثنى عليه وعلى ابنه الشيخ سليمان أخِ محمد إنه أي محمد بن عبد الوهاب كان يكفر من يخالفه ويستحل قتله وذلك في (ص/276) من النسخة المطبوعة لأول مرة في الرياض

وقد حصل قبل ثمانين سنة أن هاجموا شرقي الأردن فقتلوا ثلاثة ءالاف مسلم وزيادة وهم يرونهم كفارًا مستَحلّين سَفْك دمائهم بل كانوا يذبحون المسلم كما تذبح الشاة يقولون بسم الله كافر عدو الله اذبحوا الكافر. حتى إن بعض أهل الأردن من المسنين قال شاهدت وهابيًّا يذبح أردنيًّا وأنا صغير وهو يقول بسم الله كافر عدو الله. وبلغنا ذلك أيضًا من طريق خطيب مسجد في الأردن اسمه فراس سعد الدين هو سمع ذلك من رجل ءاخر كبير في السن أخبره أنه شهد ذلك رءاه بعينه وسمعه بأذنه في صغره منذ ثمانين سنة تقريبًا وقال كذلك رأيت الوهابي يقول للوهابي الآخر الذي يذبح الأردني المسلم لا تحرمنا بركته يريد المشاركة في الذبح. وفي المكتبات الأردنية وثائق كثيرة تشهد أيضًا لما ذكرنا.  وأما الوهابية فهم مجسمون وهم كفار لأن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: المجسم كافر، ذكره السيوطي في "الأشباه والنظائر" ص 488 من طبعة دار الكتب العلمية، والإمام أحمد قال: من قال الله جسم لا كالأجسام كفر، ذكره صاحب الخصال وهو من مشاهير الحنابلة. وكذلك الإمام مالك رضي الله عنه كفّر المجسم وكذلك الإمام أبو حنيفة.  قال ابن حجر الهيتمي في كتابه "المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية" :واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك" انتهى.  وقال محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي في كتابه "مختصر الإفادات" ص 490 :"ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شىء فمن شبهَهُ بشىء من خلقه فقد كفر كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأجسام" انتهى

وهذا الطريق هو الطريق السالم الذي كان عليه المحدث الفقيه شيخ الصوفية المحققين سيدنا أبو العباس أحمد بن عليّ الرفاعي رضي الله عنه حيث قال: "صونوا عقائدكم عن التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة فإن ذلك من أصول الكفر" اهـ أي أوقع كثيرًا من الناس في الكفر لأن المشبهة يعتقدون أن وجه الله جسم، لذلك قال بعض قدماء المشبهة في قوله تعالى {كل شىء هالكٌ إلاَّ وجهَه} [سورة القصص/88] إن الله يفنى كله ويبقى منه الوجه فقط وهو بيان بن سمعان التميمي زعيم البيانية لأنه فسر الوجه على الظاهر.  فهذا معتقد متأخري المشبهة ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعهما وإن قالوا لله وجه بلا كيف، لله عين بلا كيف، لله يد بلا كيف، لكن في الحقيقة هم يعتقدون الكيف ويقولون "بلا كيف" تمويهًا على الناس بأنهم على مذهب السلف. أولئك السلف كانوا ينفون الكيف مطلقًا اعتقادًا ولفظًا أما هؤلاء يقولون لفظًا بلا كيف وهم يعتقدون الكيف فالسلف بريئون منهم. السّلف كانوا يأولون تأويلاً إجماليًّا وهو قول بلا كيف ويأولون تأويلاً تفصيليًّا كتأويل ابن عباس للسّاق في قوله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} [سورة القلم/42] بالشِّدة الشديدة، فلا يوجد من أئمة السلف من يعتقد في الله الجسم والأعضاء والحركات والسكون والانتقال فالعجب من عليّ الجَفري الذي يعتقد أن الوهابية مجسّمة ثم يقول أنا لا أكفّرهم اهـ. بل الذي يشُك في كفر المجسّم هو يكفر. فكيف يقول عليّ الجَفْري عن الوهابية يكفّرون من يتوسل بالأنبياء والأولياء ويحرمون المولد وقراءة القرءان على أموات المسلمين ويقولون الله جسم جالس لكن حاشا لله أن نكفرهم أو نقول عنهم يهود

ثم إن الوهابية يفسرون العين المذكورة في القرءان مضافة إلى الله بالجسم، واليد المذكورة في القرءان مضافة إلى الله بالجسم وكذلك المجيء الوارد في {وجاء ربُّك والملَك} [سورة الفجر/22] بالانتقال من العرش إلى موقفِ يوم القيامة فأدى بهم ذلك إلى تشبيه الله بخلقه والله منزه عن أن يكون جسمًا وعن أن يتصف بصفات الجسم كالحركة والانتقال والسكون لأن الحركة والسكون من صفات الجسم فلو كان الله جسمًا متحركًا لكان له أمثال كثير ولو كان ساكنًا لكان له أمثال كثير، ولو كان متحركًا في وقت وساكنًا في وقت كالبشر والجن والملائكة لكان له أمثال كثير، والله نفى المثل عن نفسه على الإطلاق وذلك بقوله {ليس كمثله شىء} [سورة الشورى/11]، فالعرش والسموات ساكنات دائمًا والنجوم متحركات دائمًا والإنسان والملائكة متحركون وقتًا وساكنون وقتًا فوجب تنزيهه عن الحركة والسكون ولذلك أوَّل الإمام أحمد ءاية {وجاء ربك} [سورة الفجر/22] فقال: "جاءت قدرته" وذلك صحيح ثابت الإسناد عند الحافظ البيهقي، وقال بعضهم قال أحمد جاء أمره فإنما أوّل أحمد ولم يأخذ بظاهر اللفظ لأن الحركة والسكون من صفات الخلق

وقال ابن تيمية إنّ الله ينزل من العرش إلى السماء الدنيا ولا يخلو (انظر كتابه المسمى "منهاج السنة النبوية" 1/262، و"شرح حديث النزول" ص/66 و99، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" 5/131 و415) منه العرشُ هذا كلام متناقض فهو كأنه قال ينزل ولا ينزل، وهو بهذا جعل الله كالمطاط يتمدّد ويتقلّص لأن السماء حجمها صغير بالنسبة للعرش.  ولا يجوز أن يقال كيف يكون الله موجودًا غير متحرك ولا ساكن، فإن قال قائل ذلك يقال له: العقل يُجَوّز ذلك لكن الوهم هو الذي لا يُجَوّز ذلك والوهم لا اعتبار له كما قال الإمام السلفي المحدث ذو النون المصري: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك" اهـ وذو النون أخذ العلم والحديث من مالك وغيره وهو من الصوفية الصفوة الذين مدحهم العلماء من طبقة الجنيد. والجنيد وطبقته من الصوفية وكل من جاء بعده على منهجه من خيار خلق الله إلى يومنا هذا حتى إن ابن تيمية قال في الجنيد إنه إمام هدى وكان رئيس الصوفية وقدوتهم. السابقون منهم ومن تبعهم إلى هذا العصر على مذهبه وما عليهم من فساد أكثر المنتسبين إلى التصوف اليوم

ومثلما قال ذو النون قال الإمام أحمد أيضًا ذكر ذلك عنه أبو الفضل التميمي الحنبلي. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه معناه فإنه قال: "من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه ومن انتهى إلى العدم الصرف فهو معطل ومن انتهى إلى موجود واعترف بعجزه عن إدراكه فهو موحد" اهـ وهذا معنى {ليس كمثله شىء}.  والمشبهة لا يعترفون بموجود غير متحيز في جهة ومكان غير متحرك وساكن لأنهم يقيسون الخالق على المخلوق يظنون أن الوجود لا يصح إلا بالمكان وقد فهم بعض المجسمة من هذه الآية {كل شىءٍ هالك إلا وجهه} أن العالم شىء يفنى كله يوم القيامة ولا يبقى منه شىء وأنّ الله جسم مركب من أعضاء يفنى كله يوم القيامة إلا وجهَه، وهؤلاء أتباع بيان بن سَمْعَان التميميّ كما تقدم، والوهابية مثلهم يعتقدون أن الله جسم مؤلف من بدن وأعضاء وإن لم يقولوا بأن الله يفنى كله ولا يبقى منه إلا الوجه

نقول: العالم إما جسم لطيف وإما جسم كثيف كالإنسان والشمس والقمر والنجم والأول كالنور والظلام والروح فالآية {ليس كمثله شىء} نزهت الله عن أن يكون جسمًا كثيفًا وعن أن يكون جسمًا لطيفًا وعن صفاتهما من الحركة والسكون لأنه لو كان متحركًا لكان له أمثال ولو كان ساكنًا لكان له أمثال.  والوهابية يعتقدون أن الله جسم ويعتقدون أن له ساقًا جسمًا وغيرَ ذلك من الأعضاء فهم كفار حتى إن بعض دكاترتهم قال: هو يُدْخِلُ رجله في جهنم عندما يقال للنار هل امتلأت فتقول هل من مزيد فلا تحترق رجله اهـ. ومع اعتقادهم أنه جسم يقولون تشبهًا بالسّلف في زعمهم وتمويهًا على الناس: له وجه لا كالوجوه وله يد لا كالأيدي إيهامًا للناس أنهم على ما قاله بعض السلف من قولهم لله وجه بلا كيف، ويد بلا كيف، وعين بلا كيف، وهم أي الوهابية يعتقدون الكيف لكن للتمويه على الناس يقولون لفظًا "بلا كيف" وأحيانًا يقولون "على ما يليق به" ومرادهم أن الله جسم كما قال ابن تيمية: إن الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر، ومرة قال: بقدر العرش بل أعظم منه اهـ فالوهابية على هذا الاعتقاد. نسب ذلك إليه الحافظ الكبير العلائي شيخ مشايخ الحافظ ابن حجر. وقد قال ابن تيمية في مجموعة فتاويه: إن الله على العرش حقيقة ومعنا حقيقة اهـ وهذا شبيه بعقيدة الحلوليين وهو يذم الحلوليين.  فالله تعالى كما قال الإمام السلفي المحدث ذو النون المصري "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك". والمشبهة لا يعترفون بموجود غير متحيز في جهة ومكان غير متحرك ولا ساكن لأنهم يقيسون الخالق على المخلوق. يظنون أن الوجود لا يصح إلا بالمكان مع ثبوت وجود الله قبل المكان بلا مكان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان الله ولم يكن شىءٌ غيرُه" أي كان الله موجودًا قبل المكان والزمان وقبل الجهات السّت والعرش، فالله الذي هو موجود قبل المكان بلا مكان هو موجود بعد وجود المكان بلا مكان، فالحديثُ دليل على صحة وجود الله بلا مكان قبل المكان وبعد وجود المكان. والحديث رواه البخاري والحافظ أبو بكر ابن الجارود والبيهقي (أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} [سورة الروم/27]، والبيهقي في سننه 9/3

قال محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي في كتابه (مختصر الإفادات ص 489) : "فصل: ويجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرَض لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر" اهـ.  ثم إن الوهابية يكفّرون من ليس منهم كما تقدم، وهذا الذي كان عليه زعيمهم محمد بن عبد الوهاب فكل وهابيّ يضمر أنّ من ليس على عقيدتهم كافر، وقد قال أحد مدرسيهم في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ثماني سنوات في موسم الحج والزيارة: ثلاثة أرباع المسلمين كفار لأنهم يقولون يا محمد يا عبد القادر وهذا كان مدرسًا رسميًّا قال ذلك وهو قاعد على كرسي التدريس. وفي عام 1993ر كان أبو بكر الجزائري أحد زعماء الوهابية يدرس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: والله إن الإسلام لن يستقيم حتى يخرجُوا هذا الصنم من المسجد وأشار إلى القبر الشريف، وهذا تكفير صريح للمسلمين لأنّ المسلمين علماءَهم وعوامَّهم راضون بذلك. وقد ثبت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قاتلوا مسيلمة الكذاب كان شعارهم في الحرب يا محمداه ذكر ذلك الحافظ المجتهد محمد بن جرير الطبري في تاريخه تاريخ الطبري 2/281، الكامل في التاريخ لابن الأثير 2/364، البداية والنهاية لابن كثير 6/243

فالوهابية على قولهم كفروا الصحابة ومن جاء بعدَهم فإن هذه القصّة رواها بعض المحدثين بإسناد صحيح قال ابن كثير في تاريخه بعد أن أورده: "وهذا إسناد جيد" أي صحيح وذكر ذلك غيره. وفي تاريخ الطبري ما نصه (تاريخ الطبري 3/336): "قال أبو مخنف حدثني أبو زهير العبسيّ عن مرة بن قيس التميمي قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صِحْن ولَطمن وجوههنّ قال فاعترضتُهنَّ على فرس فما رأيت مَنظرًا مِن نسوة قطُ كان أحسنَ مِن منظر رأيتُه منهن ذلك اليوم والله لهن أحسَنُ من مَهَا يَبْرِين. قال فما نسيتُ من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعًا وهي تقول: يا محمداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا الحسينُ بالعراء مرمَّلٌ بالدماء مقطعُ الأعضاء، يا محمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتَّلة تَسفي عليها الصَّبا. قال فأبكت والله كل عدو وصديق" اهـ.  وفي صحيفة 648 منه ما نصه: "وذكر ضمرة بن ربيعة عن أبي شَوْذب أن عمال الحجّاج كتبوا إليه إن الخراج قد انكسر وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار فكتب إلى البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليَخرج فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون: يا محمداه يا محمداه وجعلوا لا يدرون أين يذهبون فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون" اهـ.  هذا وبعض الناس ينتقدوننا حينما نحذر من الوهابية وأمثالهم من أتباع سيد قطب يقولون الآن الوقت وقت توحيد الصف لا يعجبهم بيان كفر من كفر ولا يعجبهم التحذير ممّن كفر، وهؤلاء لو عرفوا حقيقة الوهابية وحزب الإخوان جماعة سيد قطب ما قالوا ذلك لأن كلا الفريقين يستحلون دماء من ليس منهم إن تمكنوا فكيف لا نكفرهم هم يكفروننا بغير حق ونحن نكفرهم بحق.

وبعض الجهلة يقولون كيف نكفّرهم وهم يقولون لا إله إلا الله، ولا يدرون أنّ لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف الله، والذي يعتقد أن الله جسم ما عرفه كما قال الإمام أبو الحسن الأشعري: "المجسم جاهل بربه فهو كافر بربه" اهـ قاله في كتابه "النوادر".  وقال الكمالُ بنُ الهُمام الحنفي في (فتح القدير 1/403: باب الإمامة) : "من قال الله جسم لا كالأجسام كافر" انتهى.  فالوهابية مجسّمة لأنّهم يعتقدون أنّ الله جسم ملأ العرش، فلا يجوز لنا أن نسكت كما سكت أكثر أهل العصر عن تكفير من يستحق التكفير لأن في ذلك تعطيل أحكام الردة. وقد وضع الفقهاء لأحكام الكفر والردة بابًا مستقلاً

وكما يكفر من ينسب إلى الله تعالى أنه موجود في مكان واحد، كذلك يكفر من يعتقد أنه سبحانه وتعالى موجود في الأماكن كلها، وقد صرح بهذه العقيدة الكفرية سيد قطب فمن كفرياته اعتقاده أنّ الله مع الخلق في كل مكان حقيقة لا كناية ومجازًا أي أن الله مخالط لخلقه يتنقل معهم حيثما تنقلوا، وهذا كلامه في تفسيره في تفسير سورة الحديد

المشبهة لما عكفوا على تفسيرها بظواهرها وحرَّموا التأويل الذي سلكه السلف والخلف وقعوا في مثل هذا الخزي، فبتفسيرهم الوجه المضاف إلى الله في الكتاب والسنة على الحجم وقع بعض سلفهم في أبشع الكفر، وذلك مثل ما وقع لبيان بن سمعان التميميّ من حمل الوجه المذكور في ءاية {كلّ شىءٍ هالكٌ إلا وجهَه} على الجسم فقال الله شىء أي موجود والعالم شىء أي موجود فإذن الله يفنى إلا وجهه والعالم يفنى كله يوم القيامة، وذلك لأنه لما استثنى الوجه في الآية فهم أنّ الله يفنى ويبقى منه وجهه الذي هو الجزء المركب على أعلى البدن، تعالى الله عن ذلك. وكان بيان هذا له طائفة تنسب إليه يقال لهم البيانية كما يقال للوهابية الوهابية نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب التميمي

أقول: هذا نتيجة ترك التأويل ولو أولوا الوجه بالملك أو غيره مما أوَّل به السلف كسفيان الثوري والبخاري لسلموا من هذا الكفر الشنيع لكن الوهابية وسلفهم من المشبهة المجسمة يظنون أن التأويل أي حمل الآيات المتشابهات على خلاف الظاهر تعطيل أي نفيٌ لما أثبت الله لذلك فالوهابية تسمي التأويل تعطيلاً، وكفَّروا لذلك الأشاعرة والماتريدية وهم تبعوا في ذلك مَن قبلهم فإن أبا الحسن الأشعري وأبا منصور الماتريدي من أهل القرن الثالث لا يحملان الآيات المتشابهات والأحاديث المتشابهة على ظواهرها كما فعل من قبلهما من السلف الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فإنه ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الساق (انظر "الأسماء والصفات" ص/309، و"فتح الباري" 13/428) المذكورة في ءاية {يوم يُكشف عن ساق} بالشدة الشديدة، والإمام أحمد بن حنبل الذي تنتسب إليه الوهابية ظاهرًا أوَّل ءاية {وجآء ربُّك} قال إنما جاءت قدرته (انظر "البداية والنهاية" 10/327) أي ءاثار القدرة العظيمة التي تظهر ذلك اليوم، ومع هذا تدعي الوهابية أنهم على مذهب السلف والسلف مؤولون بعضهم يؤولون تأويلاً إجماليًّا فيقولون: لله وجه بلا كيف أي ليس جسمًا ويقولون لله يد بلا كيف أي ليس يد الله جسمًا، بل صفةٌ كالقدرة والإرادة والعلم وحياته تعالى.  وتزعم الوهابية أن الوجه الذي هم يعتقدونه جسمًا صفة فيقولون للمؤولين المنزّهين إذا لم يحملوا الوجه على الجسم بل أوَّلوه على الصفة كما أوَّل البخاريّ الوجه في الآية بالملك وكما أوَّل سفيان: إنهم معطلة، يرون أن هذا التأويل تعطيل أي نفي لما أثبت الله لنفسه وهذا الغاية في الجهل، كيف يسمَّى الجسم صفة؟ فالمشبهة بأسرهم سلفهم كبيان بن سمعان وخلفهم كابن تيمية مجسمون. وأحيانًا يقولون لفظًا: الله ليس جسمًا وهم يعتقدون الجسم كما حصل لابن تيمية في بعض مؤلفاته حيث قال إنّ السلف لا أثبتوا لله الجهة ولا نَفَوْا وهذا من جملة مناقضاته لنفسه حيث إنه صرح في مواضع عديدة بأن الله حالٌّ مستقر في الجهة العليا (انظر كتابه المسمى "منهاج السنة النبوية" 1/،217 و249 و250 و،264 1/262، و"شرح حديث النزول" ص/66) أي فوق العرش لأنهم لا يعتقدون موجودًا بلا مكان. وفي القرءان والأحاديث دلالة على صحة الوجود بلا مكان قال الله تعالى {هو الأول} [سورة الحديد/3] أي الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء أي الذي كان موجودًا قبل كل شىء المكان والجهات وغير ذلك من الحوادث

وماذا تقول الوهابية في حديث "أقرب ما تكون المرأة إلى وجه الله إذا كانت في قعر بيتها" فهل هنا يؤولون الوجه أم يتركونه على الظاهر، فإن أوَّلوا بما أوَّل به السلف كان ذلك موافقة للسلف ونقضًا لمذهبهم بمنع التأويل، وإن أولوه بالذات فقد نقضوا اعتقادهم بأن الله فوق العرش لأنه يلزم على هذا بأن الله قريب إلى المرأة بالمسافة فماذا يصنعون هل يتركون مذهبهم الذي هو التجسيم وجعل الله على ظهر العرش، فإن المسافة ما بين العرش إلى حيث تكون المرأة في الأرض معلوم أنها لفي غاية البعد أم ماذا يصنعون، فإن قالوا قربٌ معنويٌّ فقد نقضوا مذهبهم أيضًا، وهذا إلزام لا مهرب لهم منه. والحديث ثابت رواه ابن حبان وغيره (أخرجه ابن حبان في صحيحه: ءاخر كتاب الحظر والإباحة، انظر "الإحسان" 7/446؛ وابن خزيمة في صحيحه: أول باب جماع أبواب صلاة النساء في الجماعة 3/93).  هؤلاء المشبهة لو رزقهم الله فهم هذه الآية {ليس كمثله شىء} لعلموا أنّ الله ليس جسمًا ولا يوصف بصفات الجسم إنما هو موجود لا تصل إليه أفكارنا، لكنهم يعتقدون أنّ التأويل ونفي الجسمية وصفات الأجسام عن الله تعطيل ولذلك كفروا الأشاعرة والماتريدية وألحقوهم بالجهمية والمعتزلة، ففي الكتاب الذي سموه التوحيد وقرروه ليُدرَّس في الصف الأول من المرحلة الثانوية في مدارسهم لهذه السنة 1425هـ قالوا بالنص (ص/67): "فهؤلاء المشركون هم سلف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكلّ من نفى عن الله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته وبئس السلف لبئس الخلف" اهـ فجعلوا الأشاعرة ممن ينفي صفات الله وكَذَبوا في ذلك إنما أثبت الأشاعرة لله ما وصف به نفسه ولكنهم نفوا عنه مشابهة المخلوقين، ولكن الوهابية يسمون تنزيهَ الله عن مشابهة الخلق تعطيلاً أي نفيًا وبذلك استحلوا تكفير المسلمين جميعًا واستباحوا قتلهم. وقد كان محمد بن عبد الوهاب يكفر من خالفه ويستحل قتله ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبيد الله النجدي التميمي مفتي مكة المكرمة للحنابلة في كتابه الذي ألفه في ترجمة فقهاء الحنابلة (السحب الوابلة ص/275 ـ 276) فقد ذكر أباه وأثنى عليه وذم محمدًا هذا ومدح أخاه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب لأنه كان ضد محمد ابن عبد الوهاب وردّ عليه ردين سمى أحدهما: فصل الخطاب في الردّ على محمد بن عبد الوهاب

ولما قيل لبعض دكاترة الوهابية إن البخاريّ يؤول قول الله {إلاّ وجهه} بأن معناه إلا ملكه أجاب بقوله: "البخاريّ في إيمانه شك" اهـ.  وعبارة البخاريّ "إلا ملكه ويقال ما يتقرب به إليه"، فهذان تأويلان (أخرجه البيهقي من كتاب الأسماء والصفات). وفي تفسير سفيان الثوري المطبوع في الهند سنة 1358هـ ـ ص/194: {كل شىء هالك إلا وجهه} قال: "ما أريد به وجهه" اهـ يعني الحسنات.  فقد بان أنّ الوهابية تكفر السلف والخلف فابن عباس رضي الله عنهما ثبت عنه أنه أوَّل تلك الآية التي هي من المتشابه كما قدمنا، ومجاهد الذي هو تابعي تلقى العلم من الصحابة أوَّل ءاية {فأينما تولوا فثم وجه الله} [سورة البقرة/115] قال: "قبلة الله" فسر وجه الله بقبلة الله (الأسماء والصفات ص/309)، فلا يغتر بهم ولا بمن يداهنهم، فمن يكفر السلف والخلف هو المستحق أن يُكفَّر والأمة سلفها وخلفها هم مؤمنون مسلمون.  وفي الكتاب الآنف الذكر المسمى بالتوحيد في الصحيفة الخامسة والخمسين منه مكتوب: "فتحكيم الشريعة عبادة لله وتوحيد له وتحكيم النظم والقوانين البشرية كفر وشرك" اهـ وهذا تكفير لكل الرؤساء والملوك الإسلاميين بلا استثناء بل لأنه لا يوجد اليوم دولة لم يدخل في قوانينها أحكام ليس لها أساس في الشرع فعلى زعم الوهابية لا يوجد على ظهر الأرض مسلم إلا الأفراد الذين يعتقدون عقيدتهم

فصل في التحذير من حزب التحرير

ومن قلة التحذير من الضلال ظهرت الفرق الضالة في هذا العصر وانتشرت هاتان الفرقتان الوهابية وجماعة سيد قطب والفرقة المسماة  (( حزب التحرير )) فإنهم إخوان القدرية يقولون إن الإنسان يخلق أعماله أي يبرزها من العدم إلى الوجود وهذا إشراك بالله قال الله تعالى  { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } [سورة فاطر ] . فيجب التحذير منهم . وزادوا على هذا الكفر تحليلهم لمصافحة الرجال النساء وهو محرم بإجماع علماء الإسلام الأئمة الأربعة وكل المجتهدين الذين مضوا عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :  (( اليد تزني وزناها اللمس )) . رواه مسلم وابن حبان وغيرهما  (1) وبقوله صلى الله عليه وسلم :  (( لأن يطعن أحدكم بحديدة في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له )) رواه الطبراني . ومن جملة ضلالهم قول زعيمهم (2) : (( قبل النبوة والرسالة يجوز على الأنبياء مايجوز على سائر البشر لأن العصمة هي للنبوة والرسالة )) فعلى قوله تصح النبوة لمن كان لصا سراقا ولوطيا إلى غير ذلك من الرذالات التي تحصل من البشر . وأباحوا أيضا قلبة الرجل للمرأة الأجنبية للتوديع (3) ولم يقل ذلك أحد من العلماء فتركوا ما أجمع العلماء في كل العصور على تحريمه واتبعوا أهواءهم وشهواتهم .  ويدعون أيضا في كتبهم إلى الفوضى والإفتاء بغير علم وتحريم الحلال وتحليل الحرام تحت شعار   (( الاجتهاد ميسر لكل الناس)) فزعموا في كتابهم المسمى (( التفكير )) (1) ما نصه : (( إن الاستنباط أو الاجتهاد ممكن لجميع الناس وميسر لجميع الناس ولا سيما بعد أن أصبح بين يدي الناس كتب في اللغة العربية والشرع الإسلامي )) اهـ

ويكفي في رد مقالاتهم هذه الباطلة حديث البخاري (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( فرب مبلغ أوعي من سامع ))؛ وحديث الترمذي (3) وابن حبان (4 ) : (( نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه)) ؛ فقوله عليه السلام : (( فرب حامل فقه ليس بفقه )) معناه أن من الناس من حظه الرواية فقط وليس عنده مقدرة على فهم ما يتضمنه الحديث من المعاني.  وقد قال علماء الحديث من لم يتلق القرءان من لفظ ثقة عارف لا يسمى مقرئا بل يسمى مصحفيا ومن لم يتلق الحديث من عارف ثقة لا يسمى محدثا بل يسمى صحفيا . فهؤلاء جعلوا علم الدين أهون من علوم الدنيا فإنهم في علوم الدنيا هذا القول بل يقضون له سنوات حتى يطلع أحدهم مهندسا أو محاميا أو نحو ذلك بل كل علوم الدين تحتاج إلى نقل من الثقات العارفين ؛ ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :  (( من قال في القرءان برأيه فأصاب فقد أخطأء )) وقال : (( من قال في القرءان برأيه فليتبوأ مقعده من النار)) فكفى هؤلاء خزيا أنهم جعلوا علم الدين فوضى .  وكل هذه الأحاديث المتقدمة ثابتة عند أهل الحديث . ومثال كلام هؤلاء نقض الشريعة شيئا فشيئا