Search our site or Ask

بسم الله الرحمن الرحيم وبعد،


قال الفقهاء: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبر، رواه مسلم وغيره، والحكمة في ذلك أن هذا فيه تضييق على الناس بـما لا مصلحة ولا غرض شرعي، وتصعيب دفن ميت جديد بعد أن يبلى الأول.


فإن كان القبر في الجبانة العامة فيحرم البناء عليه إلا في حالتين، الأولى: إن خشي أن ينبش السبع القبر قبل بلى الجسد الأول ويأكله. والثانية: إن خشي أن الناس ينبشون قبر هذا الميت لدفن ميت جديد قبل بلى الأول.اهـ


وأما إذا دفن في أرض خاصة فالبناء على قبره إن لم يكن للفخر فمكروه ولا يحرم. ولا يهدم عليه.اهـ ولا فرق في البناء بين أن يبنى قبة أو بيتا أو غيرهما. اهـ
قال النووي في شرح صحيح مسلم: وأما البناء عليه (على القبر)، فإن كان في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، نص عليه الشافعي والأصحاب.اهـ



يستحب أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب واتفقوا عليه. وذلك ليعرف فيزار ويحترم كقبره صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن حبان في صحيحه. وتسطيحه أفضل من تسنيمه كقبره صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه فإنها كانت كذلك، فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ، اكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضي الله عنهما- فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. اهـ أي لا مرتفعة كثيرا ولا لاصقة بالأرض. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم.اهـ


فإن قيل: صححتم التسطيح وقد ثبت في صحيح البخاري عن سفيان التمار (وهو من كبار أتباع التابعين) قال: "رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما"، (فالجواب) ما أجاب به الإمام البيهقى رحمه الله قال: صحت رواية القاسم بن محمد السابقة المذكورة في الكتاب وصحت هذه الرواية، فنقول: القبر غير عما كان، فكان أول الأمر مسطحا كما قال القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك وقيل في زمن عمر بن عبد العزير أصلح فجعل مسنما، قال البيهقي: وحديث القاسم أصح وأولى أن يكون محفوظا. اهـ
قال الحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخاري: قوله: (مسنما) أي مرتفعا. اهـ إلى أن قال: الاختلاف في ذلك ( أي التسنيم والتسطيح) في أيهما أفضل لا في أصل الجواز. اهـ


قال النووي في المجموع: فإن قيل: هذا الذى ذكرتـموه مخالف لحديث على رضى الله عنه قال " أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته "، (فالجواب) ما أجاب به أصحابنا قالوا لم يرد التسوية بالأرض وإنـما أراد تسطيحه جمعا بين الأحاديث. اهـ


وقال النووي في شرح صحيح مسلم: (ولا قبرا مشرفا إلا سويته)، فيه أن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رفعا كثيرا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر ويسطح، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك.اهـ


وقال ابن الهمام في فتح القدير: هذا الحديث محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي وليس مرادنا ذلك بتسنيم القبر بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها".اهـ


وأمره صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه بأن يهدم القبور المشرفة أي المطولة العالية، يـحمل على كون البناء على القبر في مقبرة مسبلة أي مشتركة في الدفن، أو على ما كان من عمل الجاهلية


وأما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن حيث مات، في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، ثم بعد وفاة السيدة عائشة، ورثتها أقروا أن يجدد البناء، فبنوا بناء جديدا، فهذا جائز. كانت القبور الثلاثة في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. وعلماء الإسلام من حين دفن إلى أن جدد البناء، إلى يومنا هذا، ما حرموا.


بعد هذا البيان، قد أسفر الصبح لذي عينين، وتبين مما لا يدع مجالا للشك، أن خوارج هذا العصر الذين يكفرون المسلمين الأحياء والأموات، ويهدمون وينبشون مقامات وأضرحة الصالحين من صحابة وغيرهم، ويسعون سعيا حثيثا لـهدم القبة الخضراء فوق قبر نبيينا صلى الله عليه وسلم، وإخراج القبر الشريف وقبر الصاحبين رضي الله عنهما، بل ولـحرق الحجرة الشريفة وهدمها. حتى إن بعضهم سمى القبة الخضراء بالصنم.


فرقة منحرفة شاذة عن المسلمين، وأن خطرهم شديد على العوام. وأنه لا حق لهم ولا مسوغ شرعي لهم فيما قاموا به من هدم وتفجير مقام الصحابي زهير بن قيس والشيخ عبد السلام الأسمر والشيخ أحمد زروق وغيرهم في ليبيا ومصر والصومال وسوريا والحجاز وكثير من البلدان، وكذا محاولتهم الفاشلة لـهدم مقام الحسين عليه السلام في القاهرة. فاحذروهم وحذروا منهم. نعم صدق من سماهم بكلاب النار




وسبحان الله والحمد لله رب العالمين