Search our site or Ask

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله. صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله العليّ العظيم القائلِ في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحجّ ١-٢)

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسدَ الجسد كلُّه. ألا وهي القلب."

فأصلحْ قلبك أخي المؤمن تَصلُحْ جوارحُك بإذن الله. نظّفْ قلبَك من الدنائس والشوائب. وليكن عندك الخوفُ من الله، وثقةُ القلب بالله، وشدةُ التوكل على الله. مهما كان عمُرُك ومهما كَبُر سنُّك فلا تتركِ العملَ بخدمة الدين والدعوة. لا تترك خدمةَ الدين بدعوى أنك أصبحتَ من كبار السن، بل ليكن قلبُك كما يقال القلب الشاب .

ماذا عنَيتُ إخوة الإيمان بصاحب القلب الشاب؟ عَنَيتُ به صاحبَ الهمة العالية في الطاعات والإقبال للآخرة. عنيت به من لم يجعله كِبَرُ سنّه يقعد ويترك العمل لإحياء مذهب أهل السنة. فإن من ترك العمل لخدمة الدعوة قلبه ميت. هذا من موت القلوب.

فهذا نبيّ الله ءادم عليه السلام عاش ألف سنة وبقي إلى أن مات يعلّم أولاده أمور دينهم ودنياهم. وانظروا إخوة الإيمان إلى نبي الله نوح عليه السلام الذي عاش ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة (١٧٨٠). فقد روي أنه لما حضرته الوفاة، قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ فقال: "كبيتٍ له بابان دخلتُ من أحدهما وخرجتُ من الآخر ."

هكذا نقتدي بهؤلاء الصالحين. مع كِبَرِ السن كان لهم همة عالية في تعليم الناس الخير وفي تحذيرهم مما يهلكهم في الآخرة. كانوا ينشرون الإسلام ليلا نهارًا ولم يقل واحد منهم أنا صرت كبيرًا في السن فلأقعد بالبيت، كما هو حال بعضنا في هذه الأيام. فبعض الناس تفتر هممهم عن الإقبال للطاعات فيقول لك بالعامية: "راحت علينا. اليوم دور الشباب." فقولوا له: ذو القرنين عاش ألفي عام. وجاهد في الله حق الجهاد ولم يقل كما يقول البعض فاتني القطار. وهذا سيدنا سلمان الفارسي الصحابي الجليل رضي الله عنه عاش ثلاثمائة عام ناصرًا لدين الله .

إخوة الإيمان قولوا لمن قصرت همّته بدعوى كبر السن، الدعوةُ إلى الله تحتاجكم. ورُبَّ همة أنقذت أمة.

معاشر المسلمين، كَم هو عظيم أن نتفكّر بهؤلاء الرجال الأبطال ونقتدي بهم. فهذا العباس عمّ رسول الله مات وبقيت أسنانه سليمة بدعاء رسول الله له. وهذا أنس بن مالك قارب التسعين وبقي ذا همة عالية في الطاعات. وهذا القاضي أبو شجاع الشافعي المذهب رحمه الله عاش مائة وأربعين عامًا -على قول بعض العلماء- وبقيت جوارحه سليمة. فقيل له: بم حُفظَتْ عليك؟ فقال: "حفظناها في الصغر، فحفِظَها اللهُ لنا في الكِبَر."

هكذا أخى فى الإيمان، لِيكن قلبُك قلبَ الشباب المقبلين إلى الطاعات.

- فصاحب القلب الشاب أردت به من يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات ويلتزم طاعة الله .

- صاحب القلب الشاب أردت به من يُقبل على العلم تعلمًا وتعليمًا يشغل وقته بمجالس العلم.

- صاحب القلب الشاب هذا الذي يواظب على الصلوات جماعة ويكون قدوة لأولاده وأحفاده بملازمة المساجد.

- أردت بصاحب القلب الشاب هذا الذي سلم المسلمون من لسانه ويده وكان موجهًا للخير حيثما كان.

- صاحب القلب الشاب الذي يتخلّص من التبعات فيؤدي حقوق الله وحقوق الناس ويحفظ لسانه وجوارحه مما يغضب الله.

- صاحب القلب الشاب كالإمام بدر الدين الحسني الذي كان يدرس في عدة فنون، ويشغل لسانه بذكر الله وبالصلاة على رسول الله. كان يصلي على رسول الله في اليوم ثمانين ألف مرة.

- أردت بصاحب القلب الشاب كالسيدة نفيسة التي حفرت قبرها في بيتها وختمت القرءان في قبرها ستة آلاف ختمة.

هذا من أردت به صاحب القلب الشاب. لا من يركن للشهوات والملذات التي لا خير فيها ويَشغَل وقته بالجلوس في المقاهي أو على الفضائيات وينشغل باللعب بالنرد وبالقيل والقال. بل وبعضهم يترك الصلوات المفروضات كسلًا والعياذ بالله.

فكن يا أخي المؤمن مهما صغر سنك أو كَبِر مجتهدًا في خدمة الإسلام والدعوة إلى الإسلام. واترك الكسل وأصلح ما بينك وبين ربّك. وقل: "اللهم نقّ قلبي من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدّنس. اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم."

هذا وأستغفر الله لي ولكم



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. عباد الله أوصى نفسىَ وإياكم بتقوى الله.

ثم إنه يحضرنا مثال في هذا الزمن. عالم جليل، قدوة المحققين وصدر العلماء العاملين. جمع بين العلم والورع والتقى والزهد والعبادة. حفظ القرءان والمتون في الصغر. وأتقن العلوم وساعده ذكاؤه وحافظته العجيبة على التحقق في الفقه وأصوله. فنصر الله به الأمةَ حتى صار يشار إليه بالأيدي والبنان وتشد الرحال إليه. جاء لبنان وحده فصار أمة بإذن الله. ولكنه مع كِبَر سِنّهِ كان صاحبَ القلب الشاب. ينشر الفضيلة ويحارب الرذيلة. يعلّم الناس العقيدة ويحارب الكفر. عنيت بذلك الشيخَ عبد الله الحبشي رضي الله عنه وأرضاه، ورحمه رحمة واسعة.[1]

اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ. ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ. اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ. اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنّا شَرَّ ما نتخوَّفُ.



[1] توفي رحمه الله فجر اليوم الثلاثاء الثاني من رمضان عام ١٤٢٩ هجرية الموافق للثاني من أيلول عام ٢٠٠٨ رومية