Search our site or Ask

إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ولا مثيلَ له ولا ضدَّ ولا ندَّ له، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرةَ أعينِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلى الله وسلم عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه.

أما بعد فيا عبادَ اللهِ، فإني أحبُّكم في اللهِ وأوصي نفسيَ وأوصيكم بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ، يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في محكمِ كتابِه الكريمِ: ﴿إنَّ المسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ والصادقينَ والصادقاتِ والصابرينَ والصابراتِ والخاشعينَ والخاشعاتِ والمتصدقينَ والمتصدقاتِ والصائمينَ والصائماتِ والحافظينَ فروجَهم والحافظاتِ والذاكرينَ اللهَ كثيرًا والذاكراتِ أعدَّ اللهُ لهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا سورة الأحزاب/35.

إخوة الإيمان، إنَّ دينَ الإسلامِ دينٌ عظيمٌ وإنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ ولا يُخلِفُ اللهُ تعالى وعدَه، وإنَّ الكيسَ الفَطِنَ الذكيَّ من تمسَّكَ بتعاليمِ هذا الدينِ العظيمِ وتمسَّك بالخصالِ الحميدةِ الطيبةِ وثبتَ عليهَا إلى المماتِ.

إن وجودَ المرأةِ الصالحةِ من نعمِ اللهِ علينا ولنا في ذكرِ السلفِ الصالحِ من النساءِ عِبَرٌ ومواعظُ، فها هي السيدةُ الجليلةُ مريمُ بنتُ عمرانَ سيدةُ نساءِ العالمين، التي وصفَها اللهُ تعالى في القرءانِ الكريمِ بالصِّدِّيقةِ والتي عاشَتْ عيشةَ الطُّهرِ والنـزاهةِ والتَّقوى وفضَّلَها اللهُ تبارك وتعالى على نساءِ العالمين. قالَ عز وجل: ﴿وإذ قالتِ الملائكةُ يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهركِ واصطفاكِ على نساءِ العالمين يا مريمُ اقنُتِي لربِّكِ واسجُدِي واركَعي معَ الراكعين سورة ءال عمران/42 ـ43.

كانتِ السيدةُ الجليلةُ مريمُ أمُّ نبيِّ اللهِ عيسى عليه السلام تعبُدُ اللهَ تعالَى وتقومُ بخدمةِ المسجدِ ولا تخرجُ منه إلا في زمنِ حيضِها أو لحاجةٍ ضروريةٍ لا بد منها.

بعد ذلك نتحدَّثُ عن مثالِ المرأةِ الصابرةِ الثابتةِ على الحقِّ والتي عزَّ نظيرُها هذه الأيامَ بينَ النساءِ ألا وهي ماشطةُ بنتِ فرعونَ رضي الله عنها التي تمسَّكت بدينِ الإسلامِ وأبَتْ أن ترجِعَ عنِ الحقِّ، فقتَلَها الظالمُ الطاغيةُ فرعونُ هي وأولادَها، وبعدَ مئاتٍ منَ السنينَ لما أُسرِيَ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شمَّ رسولُ من قبرِها رائحةً طيبةً عطِرة.

وأما السيدةُ الجليلةُ أمُّ سُلَيم زوجةُ الصحابيِّ الجليلِ أبي طلحةَ رضيَ اللهُ عنهما فلنا في قصةِ صبرِها على موتِ ولدِها عبرةٌ عظيمةٌ. فقد روَى مسلمٌ أنه ماتَ ابنٌ لأبي طلحةَ من أمِّ سُليم فقالت لأهلِها: لا تحدِّثوا أبا طلحةَ حتى أكونَ أنا أحدِّثُه. فجاءَ أبو طلحةَ رضي اللهُ عنه فقرَّبت إليه عَشاءً فأكلَ وشربَ. اعتبروا إخوةَ الإيمان ... المرأةُ المصابةُ بولدِها بثمرةِ فؤادِها يأتِي زوجُها فتقربُّ إليهِ العَشاءَ فيأكُلُ ويشربُ، وليس هذا فقط بل تصنَّعت له أحسنَ ما كانت تصنعُ قبلَ ذلكَ، يعني تزيَّنت لهُ فوقَع بِها أي جامَعها، فلما أن رأت أنهُ قد شبِعَ وأصابَ منها قالَتْ: يا أبا طلحةَ أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعارُوا عاريتَهم أهلَ بيتٍ فطلبُوا عاريتَهم ألهم أن يمنعوهُم؟ قالَ: لا، فقالَت: فاحتسِبِ ابنَك، أخبرَته بوفاةِ ولدِه، فغضبَ وانطلقَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأخبرَه بما كانَ فقالَ له صلى الله عليه وسلم: "باركَ اللهُ لكما في ليلتِكما".

إنَّ منَ النساءِ من يكفُرنَ باللهِ تعالى بالاعتراضِ عليهِ عندَ نزولِ المصيبةِ، خاصَّةً إذا ماتَ لهن ولدٌ والعياذُ باللهِ.

في الماضي منَ النساءِ من كنَّ يعملنَ مبرَّاتٍ فيها خدمةٌ كبيرةٌ للمسلمينَ مثلُ زبيدةَ رحمَها الله، وهي امرأةُ هارونَ الرشيدِ التي عمِلَتْ عملاً نافعًا كبيرًا حيث أجرَتْ الماءَ من أرضٍ بعيدةٍ إلى عرفات، ولولا هذا الماءُ لهلَكَ كثيرٌ منَ الحجاج، وهي عمِلَتْ ذلك ابتغاءَ رضا اللهِ سبحانَه وتعالى.

ولو نظرنا إلى حالِ كثيرٍ منَ النسوةِ الغنياتِ هذه الأيام، لوجدنا تنافُسًا بينهنَّ في اللباسِ الفاخرِ والمركوباتِ النفيسةِ والبيوتِ الفخمةِ وغيرِ ذلكَ.

أخيرًا نتحدَّث عنِ السيدةِ الجليلةِ العالمةِ النقيةِ الطاهرةِ التقيةِ فاطمةَ الزبيريةِ التي لم تتخَلَّ عن صلاةِ الليلِ، صلاةِ التطوعِ، معَ نزولِ البلاءِ عليها، هذه المرأةُ الجليلةُ صارَ لها شهرةٌ بالتقوى والصلاح والعلمِ بينَ الناسِ، ثم عَمِيتْ سنتينِ، ثم ذاتَ ليلةٍ أرادَت أن تتوضَّأَ لصلاةِ الليلِ فوقَعت على درَجٍ فانكسَرَ ضلعانِ من أضلاعِها، ومعَ ذلك تكلَّفَتْ وصلَّت، ثم نامَتْ فرأتِ الرسولَ عليه الصلاةُ والسلامُ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ مقبلِينَ من جهةِ الكعبةِ، وكانَ بابُ بيتِها مواجِهًا للكعبةِ، فجاءَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم فبصَقَ على طرفِ ردائِه وقالَ لها: امسحِي بهِ عينَيك، فأخذتِ الرداءَ فمسحَت به عينَيها فأبصَرَتْ في الحالِ، ثم وضعَتْه على موضعِ الكسرِ فتعافَى بإذنِ اللهِ تعالَى، وانتشرَ هذا الأمرُ بينَ قومِها.

وما أحسنَ أن نتذكَّرَ في هذا المقامِ ما كانت تُردِّدُه السيدةُ الجليلةُ الوليةُ نفيسَةُ بنتُ الحسنِ بنِ زيدٍ رضي اللهُ عنها عند الشدائدِ والبلايا.

كم حارَبَتنِي شدةٌ بجيشِها فضاقَ صـدرِي من لقاها وانزَعَجْ

حتى إذا أَيِسْتُ من زوالِها جاءَتنِي الألطافُ تسـعَى بالفَرجْ

اللهم انفَعْنا بعبادِك الصالحينَ والصالحاتِ، اللهم اجعَلنا من عبادِك الصالحينَ الخاشعينَ الصابرينَ الراكعينَ الساجدينَ، الآمرينَ بالمعروفِ والنَّاهِينَ عنِ المنكرِ. هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.