ولما أنقضى الأجل وحان وقت اجتماع الحكمين بعث عليّ رضي الله عنه أربعمائة رجل فيهم أبو موسى وعبد الله بن عباس ليصلي بالناس ولم يحضر عليّ رضي الله عنه، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة رجل وجاء معاوية واجتمعوا بدومة الجندل وشهد معهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة واجتمع الحكمان وتفاوضا، فطلب عمرو من أبي موسى أن يجعل الأمر إلى معاوية فأبى فقال: لم أكن أوليه وأدع المهاجرين الأولين، وطلب أبو موسى من عمرو أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فأبى عمرو فقال عمرو: ما ترى أنت؟ قال : أرى أن نترك علياً ومعاوية ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤن، فأظهر له عمرو أن هذا هو الرأي.
ثم أقبلا على الناس وقد اجتمعوا ينتظرون وكان عمرو قد عهد إلى أبي موسى أن يتقدمه في الكلام لم اله من الصحبة والسن، قال: يا أبا موسى أعلم الناس أن رأْينا قد اتفق، فقال: إنارأينا أمراً نرجو الله أن يصلح به الأمة، فجاء إليه عبد الله بن عباس وقال له: ويحك أظنه خدعك فاجعل له الكلام قبلك، فأبى، فصعد أبو موسى وقال: أيها الناس إنا نظرنا في أمر الأمة فلم نر أصلح لهم مما اتفقنا عليه، وهو أن نترك علياً ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد تركتهما فولوا من رأيتموه أهلاً، فجاء عمرووقال:إن هذا قد ترك صاحبه وقد تركته كما تركه وأثبت معاوية فهو ولي ابن عفان وأحق الناس بمقامه، فقال له أبو موسى: لا وفقك الله مالك غدرت وفجرت.
وركب أبو موسى ولحق بمكة حياءً، وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة ورجع عبد الله بن عباس بالخبر إلى عليّ رضي الله عنه فمن ذلك أخذ أمر علي بالضعف وأمر معاوية بالقوة.
وأما خبر مقتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
فإنه اجتمع ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وعمرو بن بكير التميمي، والبرك بن عبدالله التميمي واسمه الحجاج فتذاكروا في شأن المقتولين بالنهروان وقالوا: لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا العباد ، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب، وقال البرك: وانا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو ابن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص فتعاقدوا وتعاهدوا واتخذوا سيوفاً مسمومة وتواعدوا لسبع عشرة ليلة منشهر رمضان سنة (40) .
فوثب ابن ملجم وقد خرج عليّ رضي الله عنه إلى صلاة الصبح فضربه بالسيف في جبهته فمسكوه وأحضروه مكتوفاً بين يدي عليّ رضي الله عنه فقال: أي عدو الله ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً وسألت الله أن يقتلك به، قال: أراك مقتولاً به، ثم قال عليّ رضي الله عنه: إن هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا تحرضوا على دماء المسلمين وتقولون قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا إلا قاتلي.
ثم دعا الحسن والحسين ووصاهما فقال: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا، وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء زوى عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم، وقال لمحمد بن الحنفية: أوصيك بمثل ذلك وتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك، ولا تقطع أمراً دونهما ووصاهما به.
كانت وفاته رضي الله عنه وكرّم الله وجهه لإحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين أو تسع وخمسين سنة من عمره فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر.
فتولى غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن عليه السلام ودفن سحراً قيل فيما يلي قبلة مسجد الكوفة، وقيل عند قصر الإمارة، وقيل بالنجف والصحيح أنهم غيبوا قبره الشريف خوفاً عليه من الخوارج.
أولاده رضي الله عنه
الحسن والحسين ومحسن (مات صغيراً) وزينب وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب من أبيها ليتبرك بنسب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهؤلاء الخمسة من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وله أولاد من غيرها وهم: العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، وعبد الله، وأبو بكر، ومحمد الأصغر، ويحيى، وعمر، ورقية، ومحمد الأوسط، ومحمد الأكبر المعروف بابن الحنفية، وأم حسن، ورملة الكبرى، وأم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وامامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة، فجملة أولاده الذكور أربعة عشر لم يعقب منهم إلا خمسة الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية،والعباس وعمر عاش خمساً وثمانين سنة ومات بينبع وحاز نصف ميراث أبيه.
وأما البرك بن عبد الله فإنه وثب على معاوية في تلك الليلة فضربه بالسيف فوقع في إلييه فأمسكوه فقال لمعاوية: إني أبشرك فلا تقتلني، فقال: بماذا؟ فقال: إن رفيقي قتل علياً في هذه الساعة، فقال معاوية: لعله لم يقدر عليه، قال: بلى، إن علياً ليس معه من يحرسه فقتله معاوية فمن ذلك اتخذ معاوية المقصورة وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد.
وأما عمرو بن بكير فإنه جلس تلك الليلة لعمرو بن العاص فلم يخرج للصلاة وأمر خارجة بن أبي حبيبة صاحب شرطته ان يصلي بالناس فخرج وضربه عمرو بن بكير فقتله يظنه عمرو بن العاص فأخذوه إلى عمرو بن العاص فقال: من هذا؟ قالوا : عمرو بن العاص، فقال: قتلت من؟؟قالوا: خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة، وعليه قيل:
وليتها إذا فدت عمراً بخارجة فدت علياً بمن شاءت من البشر
ثم أمر عمرو بقتله فقتل
أهــــــــــــــــــــــــــــ