أرشيف الدروس المتنوعة

التعاون والوحدة الاسلامية وأهل الحق

قال الله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}.
وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :” مثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحُمِهم كمثلِ الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. رواه البخاري

إنّ التعاون والتكاتف والتضامن لا بد منها للبناء السليم للمجتمع الاسلامي. وكلما كان التعاون قائما على أوسع صوره كلما كان هذا المجتمع مبنيا بناء قويا سليما.

وإنّ نظرة واحدة في أوضاع مجتمعاتنا وفي أحوال المسلمين المتردية هذه الايام كفيلة بإيقاظ الحس والضمير للسعي نحو المزيد من التكاتف والتآلف والتعاون.

وإنّ نظرة واحدة فيما كان عليه المسلمون الأوائل من تمسك بالشرع الحنيف وتعاون على كافة الاصعدة ووحدة في الوسائل والأهداف كفيلة بإظهار مجتمعاتهم على أنها مجتمعات مثالية قائمة على أسس سليمة لا خلل فيها.

أهمية الوحدة

ونحن اليوم ازاء ما نعانيه من تشتت وتباعد وتشرذم لا بد من اطلاق دعوة مخلصة صادقة الى التعاون والوحدة والتماسك لأنه بدونها لن نستطيع أن نتغلب على عدونا بل أعدائنا المتربصين بنا من كل جانب والذين دبروا ويدبرون المكائد والمؤامرات لضربنا وقهرنا. وإذا أردنا أن نستعرض الاحداث التاريخية القريبة او البعيدة التي تدل على مدى تكالب الاعداء علينا وكثير منا غافلون لضاق بنا المجال فالاحداث والشواهد والادلة كثيرة جدا. وإنما نكتفي بالتذكير بالمخططات والحملات اليهودية الصهيونية الخبيثة.
وإننا إذا أردنا أن ندحر العدو الجاثم فوق صدورنا وأن نقهر كل من يتربص بنا الدوائر من يهود وأعوانهم وأشباههم علينا أن نعمل للوحدة فهي سبيلنا لدحرهم وقهرهم.

وإنّ الاسلام، هذا الدين الكامل الذي لا نقص فيه ولا خلل، فيه من التشريعات ما تنتظم بها مجتمعاتنا. والمجتمع الذي نجد فيه إغاثةَ الملهوف وإعانةَ المحتاج وإيواءَ التائه ونصرةَ المظلوم على نطاق واسع هو مجتمع تقل فيه الويلات والمآسي والمظالم. والمجتمع الذي يجتنب أفراده على نطاق واسع ” الغيبة ” وهي ذكرك أخاك المسلم بما فيه بما يكرهه ” والنميمة ” وهي نقل القول للافساد وغير ذلك من أسباب البلايا والخلافات هو مجتمع ينعم براحة أكبر واطمئنان أوفر وتسوده أجواء المحبة والالفة والتوادد.

ونحن في توادنا وتراحمنا وتعاطفنا مع بعضنا البعض نكون كمثل الجسد الواحد الذي إذا أصيب عضو منه بمرض صارت أعضاؤه كلها في حالة من السهر والحمى. هكذا ينبغي أن نكون متعاطفين ومتراحمين ومتكاتفين.

على أي أساس تكون الوحدة

يقول الله تبارك وتعالى :{ وتعاونوا على البر والتقوى }. إنّ الوحدة الحقيقية الثابتة ذات الدعائم الراسخة السليمة هي الوحدة القائمة على الحق ونصرة الحق وأهل الحق ومجابهة الباطل وأهله.

إنّ الوحدة الحقيقية هي الوحدة القائمة على التمسك بشرع الله والالتزام بالاوامر الالهية وعدم السكوت عن الباطل وكل ما هو مخالف للشريعة المطهرة. وأما حين يكون طلاّب الوحدة كل له هدفه وطريقه وكل له نهجه الخاص وأسلوبه دون الارتكاز على ركائز سليمة، وعندما يصير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرا منسيا عند طلاّب الوحدة والدعاة اليها فلن يصلوا الى طلبهم إلا إذا أنكروا المنكر وأمروا بالمعروف وتناصحوا فيما بينهم. وإذا سكت الساكت عن شيء لا ينبغي السكوت عنه فسكوته مفسدة وتضييع لجوهر الوحدة ومعناها الصحيح. قال الله تعالى :{ والمؤمنون والمؤمنات بعضُهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}. فلا ينبغي لنا أن نسكت عمن ينتهك حدود الشريعة مع قدرتنا على الانكار ولو باللسان. ومن كان يترك النصيحة مراعاة للخواطر والمصالح الشخصية ومن كان لا يقبل النصيحة لأنه يعتبر نفسه عالي المقام فالأولى بهم إن أرادوا الوحدة أن يتخلوا عن هذا. وقد قال أبو علي الدقاق رضي الله عنه :” الساكت عن الحق شيطان أخرس”. كما ورد في الرسالة القشيرية.

أهل الحق

ولا بد من الاشارة ونحن نتحدث عن الوحدة الى أنّ من قطعوا على أنفسهم العهد على حمل لواء الدعوة الى الله والارشاد والنصيحة وسخّروا طاقاتهم وأنفسهم لخدمة المسلمين يستحقون الاحترام والتقدير، مع العلم أنهم يعملون ابتغاء مرضاة الله ولا يطلبون من العباد جزاءً ولا شكوراً إنّ هؤلاء الذين أخلصوا نياتهم ويعملون لنصرة الحق ودحض الباطل يمدون أيديهم للتعاون ويفتحون قلوبهم للوحدة. فهلاّ مد طلاّب الوحدة أيديهم لنشر جسور التعاون والتآلف والوحدة وهلاّ كف من يطلقون الشائعات والافتراءات وتأكد الاخرون من صحة ما يسمعون. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع “. رواه مسلم.

أخي المسلم، إنها دعوة جادة مخلصة نطلقها في إدارة السنة  للتعاون والوحدة ورجاؤنا أن يتم ذلك بأسرع وقت وعلى أساس سليم قبل أن يفوت الاوان.

اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين العاملين لنصرة الحق ومجابهة الباطل. واجعلنا مع دعاة الوحدة الاسلامية.

الخامس والسبعون

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفكر في مخلوقات الله
قال الله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} ‎(آل عمران).

فاعلم يا أخي المسلم وفقك الله توفيق العارفين وجمع لك خير الدنيا والدين أنّ الله تبارك وتعالى خلق العقول لتميز الحسن من القبيح والحق من الباطل وللتفكر والاعتبار بما أودعه الله من العجائب في مخلوقاته قال الله تعالى {قل انظروا ماذا في السموات والأرض}(سورة يونس) . وقال: {وجعلنا من الماء كل شىء حي أفلا يؤمنون}(سورة الأنبياء). إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التي يفهمها كل ذي عقل سليم.

إعلم رحمك الله أنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك وتصورته بفكرك لوجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر وأصناف النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب ومستعملة في المرافق، والإنسان كالملك في البيت. وفي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له صانعا حكيما تام القدرة بالغ الحكمة.

من فوائد مخلوقات الله:
وقد خلق الله السماء وجعل لونها أشد الألوان موافقة للأبصار وتقوية لها ولو كانت أشعة وأنوارا لضرت الناظر إليها طويلا، وأنّ النظر إلى الخضرة والزرقة فضلا عن كونه موافقا للأبصار فإنه يحدث في النفوس راحة ونعيما. قال الله تعالى: {أفلم يروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج}(سورة ق).
أما الحكمة من خلق الشمس فقد قال سبحانه وتعالى: {وجعل الشمس سراجا}(سورة نوح) وقال تعالى أيضا: { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدرناه منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون}(سورة يونس). فالله تعالى خلق الشمس لحكم لا يعلم عددها إلا هو وحده فقد جعل الله حركات لإقامة الليل والنهار في جميع أقاليم الأرض ولولا ذلك كيف كان الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف يتهنون بالعيش إذا فقدوا لذة النور ومنفعته؟ لولا ضياء نور الشمس لما انتفع بالأبصار ولم تظهر الألوان ولم يعرف الأسود من الأحمر ولا الأبيض من الأزرق ولا غير ذلك من الألوان. قال الله تعالى في سورة القصص: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} فانظر كيف جعل الله الليل سكنا ولباسا والنهار معاشا. { وفي أنفسكم أفلا تبصرون}.
وحسبنا قول الله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (الذاريات). في هذه الآية ما يكفي لأن يحمد الإنسان ربه ليلا ونهارا وقياما وقعودا. فقد أعطاه الله قدرات لو منعه الله إحداها لأصبح عاجزا. فلينظر كيف يدخل الطعام والشراب إلى جوفه من خلال فمه فيتذوق بلسانه ويتنعم بطيبات ما رزقه الله، ثم إلى معدته حيث تحلل بمواد الله أعلم بها ثم إلى أمعائه حيث يفصل ما يستفاد منه إلى الدم وما لا فائدة منه إلى المخرج، فسبحان الله. ولينظر ويتفكر بما أنعم الله عليه من نعم: نعمة البصر والسمع والذوق واللمس والحركة والسكون والنوم والقيام إلى ما هنالك من النعم. فالحمد لله كثيرا.

التفكر في خلق الله يقوي الإيمان:
ومما يدل على فضيلة التفكر فيما خلق الله ما جاء في القرءان في قوله تعالى: {إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض}(سورة آل عمران).

فلا ينبغي لنا إخوة الإسلام أن نقرأ هذه الآية ثم لا نعمل بها ولا نكون على مقتضاها ولاسيما في هذا الزمن العجيب المليء بالفساد والجهل فإن تخصيص بعض الأوقات بالاشتغال في التفكر بخلق الله يزيد المرء إيمانا بالله وتصديقا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا أنس في هذه الدنيا أعظم من الأنس بالله تبارك وتعالى والتنعم بذكره سبحانه جل شأنه وتقدس اسمه. فقوله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض} فيه مدح بليغ للذين يتفكرون في خلق الله لتقوية الإيمان واليقين الموجود في صدورهم والمتمكن في قلوبهم. ومن مدحه الله تعالى فهو في خير عميم وعلى صراط مستقيم. فشدّ يدك على هذا الذخر العظيم وكن من الإيمان في مزيد وفي صفاء القلب ذا تجديد.

التفكر في مخلوقات الله فيه ثواب عظيم:
ثم اعلم أخي المسلم الموحد لربه إنّ في التفكر في مخلوقات الله ما يرفع من درجات المسلم عند الله ويحط من سيئاته لأنه عبادة لله وتعظيم وإجلال. وقد كان شأن كثير من أولياء الله أنهم كانوا يميلون إلى العزلة والخلوة لأن فيهما ميل عن الدنيا وملذاتها وشهواتها فيتركونها إلى ذكر الله وشكره والتفكر بمخلوقاته.

اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. اللهم ارزقنا رزقا نافعا ولسانا ذاكرا وقلبا خاشعا إنك أنت الوهاب.

الثاني عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الامين.

التوبة الى الله

قال الله تعالى : { وتوبوا الى اللهِ جميعاً ايها المؤمنونَ لعلكم تُفلِحون } النور/31
ويقول سيدنا وحبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأتم التسليم ” التائب من الذنب كمن لا ذنب له” رواه ابن ماجه.

والتوبة هي الرجوع عن المعصية. والغفلة هي الانشغال بمعصية الله عن طاعته. المسلم العاقل هو الذي يقوّم نفسه ويأخذ بزمامها الى ما فيه مرضاة الله ورسوله. وإن جنحت نفسه يوماً الى الوقوع في المعاصي والانغماس في الشهوات المحرمة يعلم أنّ الخالق غفورٌ رحيم وأنّه مهما أسرف في الذنوب ثم تاب منها فإنّ الله يغفرها جميعاً. قال تعالى :{ قل يا عبادي الذينَ أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمةِ الله إنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعاً إنَّه هُوَ الغفورُ الرحيم }. الزمر/53

والقنوط من رحمة الله هو أن يجزم المرء في نفسه بأنّ الله لا يرحمه ولا يغفر له بل يعذبه. وهذا القنوط ذنب من الكبائر.
اخي المسلم، اجعل نفسك وقّافاً عند حدود الشريعة ملتزماً بالاوامر والنواهي ولا تدع نفسك تحدثك بالمعصية وإن كانت معصية صغيرة. فإن من الناس من اذا وقع في وَحْلِ المعاصي ومستنقع الذنوب استلذ ذلك وظل قابعاً في ظلام الفجور والخطايا، وقد قيل :

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل
خلوتُ ولكن قل عليّ رقيبُ

ألم ترَ أنّ اليومَ أسرعُ ذاهب
وأن غداً للناظرين قريبُ ؟

انواع التوبة :
والتوبة قد تكون كاملة وقد تكون غير كاملة. والتوبة الكاملة هي الرجوع عن جميع المعاصي. وأما الناقصة غير الكاملة فهي أن يتوب العبد من بعض معاصيه دون بعض.

والتوبة إما توبة نصوحاً وإما غير نصوح. قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا توبوا الى اللهِ توبةً نصوحاً عسى ربُكم أن يُكَفِّر عنكم سيئاتِكم ويُدخلَكم جناتٍ تجري من تحتِها الانهار }. التحريم/8

فالتوبة النصوح هي أن يتوب الانسان من الذنوب ولا يعود اليها. وأما التوبة غير النصوح فهي أن يعود الى الذنب بعد أن يكون قد تاب منه.

شروط التوبة
واعلم، اخي المسلم، أنّ هناك شروطاً لقبول التوبة عند الله وهي :
(1) الاقلاع عن المعصية :
أي تركها، فيجب على شارب الخمر أن يترك شرب الخمر لتقبل توبته. أما قوله ” استغفر الله ” وهو ما زال على شرب الخمر فليست بتوبة.
(2) والعزم على أن لا يعود الى مثلها :
أي ان يعزم في قلبه على أن لا يعود الى المعصية التي يريد أن يتوب منها. فإن عزم على ذلك وتاب لكن نفسه غَلَبَتْهُ بعد ذلك فعاد الى نفس المعصية فإنه تكتب عليه هذه المعصية الجديدة. أما المعصية القديمة التي تاب عنها توبة صحيحة فلا تكتب عليه من جديد.
(3)والندم على ما صدر منه
(4)وإن كانت المعصية تتعلق بحق انسان كالضرب بغير حق أو أكل مال الغير ظلما فلا بد من الخروج من هذه المظلمة إما بردّ المال أو استرضاء المظلوم فقد قال عليه الصلاة والسلام ” من كان لاخيه عنده مظلمة فليتحلله قبل ان لا يكون دينار ولا درهم” رواه مسلم.
(5) ويشترط أن تكون التوبة قبل الغرغرة والغرغرة هي بلوغ الروح الحلقوم. فمن وصل الى حد الغرغرة لا تقبل منه توبة. ويشترط أن تكون قبل الاستصال فلا تقبل التوبة لمن أدركه الغرق كفرعون. وكذلك يشترط لصحتها أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إنّ في المغرب باباً خلقه الله للتوبة مسيرة عرضه سبعون عاماً لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه ” رواه ابن حبان والترمذي.

فائدة مهمة :
المسلمون العصاة من اهل الكبائر الذين يموتون قبل التوبة صنفان : صنف يعفيهم الله من عذاب النار ويدخلهم الجنة بلا عذاب بفضله ورحمته. وصنف يعذبهم في النار المدة التي يستحقونها ثم يخرجونها منها ويدخلهم الجنة ويعيشون فيها الى الابد. إنّ المسلم العاصي الذي يعذبه الله في النار لا يخلد في النار خلوداً أبدياً. لأنّ الكافر هو الذي يخلد الخلود الابدي في النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج من النار من قال لاإله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من ايمان “. رواه البخاري. وأما من مات على الاشراك أو على أي نوع من أنواع الكفر فإنّ الله لا يغفر له، قال تعالى :{ إنّ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم}. سورة محمد/34 وقال تعالى : { إنّ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. النساء/116

أخي المسلم، بادر الى التوبة قبل الفوات وعش في رحاب الطاعة والالتزام بشرع الله. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الابرار.

الثالث عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الامين

التوكل على الله وعدم اللجوء الى السحر والعرّافين

قال الله تبارك وتعالى :{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وقال تعالى :{ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين }.
لقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتوكل. والتوكل هو ثقة القلب بالله. ومن توكل على الله التوكل الحقيقي تجنب أن يلجأ إلى ما حرّم الله من العمل بالسحر وإتيان العرّافين والمنجمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنّ الرقى والتمائم والتِوَلَةَ شرك ” رواه الترمذي.
(1) الرقى التي قال عنها الرسول إنها شرك ما كان فيها عبادة غير الله بالتلفظ بكلمات خبيثة فيها عبادة كوكب أو شمس أو قمر أو ملك من ملوك الشياطين. فهذه الرقية التي فيها كلمات كفر هي التي تنافي التوكل على الله.
أما الرقى التي من القرآن أو من ذكر الله فإنها جائزة لا ضرر فيها، بل فيها ثواب ونفع بإذن الله.
روى البيهقي عن عثمان بن عفان أنه قال : مرضت فعادني رسول الله فقال : بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد. قال ذلك مرارا”. وأفضل الرقية وأحسن التعوذ ” قل أعوذ برب الفلق ” و ” قل أعوذ برب الناس “.
(2) اما التمائم التي هي شرك فهي خرزات كان المشركون الجاهليون يعلقونها على أولادهم على اعتقاد أنها تدفع العين والضرر بذاتها وما كانوا يعتقدون أنّ الله هو الذي يدفع الضرر بها، وليس الحرز (الحجاب) الذي فيه آيات قرآنية أو ذكر الله كالتمائم التي قال عنها النبي انها شرك. فمن علّق على عنقه حرزا (حجابا) لا يكون مشركا ما دام يعتقد أنّ الله إن شاء يدفع الضرر والالم عنه ببركة القرآن وكلمات الذكر، ويعتقد أنه لا شيء ينفع أو يضر بغير إذن الله.

روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ الصحابة كانوا يكتبون كلمات فيها استعاذة بالله من الشياطين ثم يعلّقونها على أولادهم الأطفال.
(3) أما التِوَلَةُ فهي شيء من السر اعتادت النساء في الجاهلية أن يفعلنه بقصد تحبيب نفسها الى زوجها حتى يطيعها ولا يخالفها. وكانت هذه التِوَلَة مما يشتمل على كلام الكفر والشرك. وكان ذلك من جملة ما يتعاطاه المشركون من السحر. وكان هذا معروفا بينهم مما تعلموه من الشياطين لأنّ معظم السحر من الشياطين.

السحر قسمان :
اخي المسلم، إعلم انّ السحر قسمان: سحر يكون كفرا وهو ما فيه عبادة كوكب أو شيطان أو نحو ذلك. فعندما يُحضِّر الساحر شيطانا من الشياطين طالبا المعونة على أمر ما ويطلب الشيطان منه بالمقابل ان يسجد له أو لرئيسه أو لكوكب من الكواكب فإن فعل هذا الساحر ما طُلِب منه صار كافرا بسجوده لغير الله. وهناك سحر مزاولته معصية من الكبائر كمن يكتب كلاما للتفريق بين زوجين ولا فرق بين أن يكون السحر للتحبيب أو للتبغيض.

عدم جواز مقابلة السحر بالسحر
كما إنه، أخي المسلم، يجب معرفة أنه لا يجوز مقابلة السحر بالسحر كما يفعل كثير من الناس وكان الاحرى بهم أن يتوكلوا على الله فلا يلجأوا الى ما حرّم الله. فمن عُمِلَ له سحر يجوز له لفك السحر أن يقرأ شيئا من القرآن كسورة “ياسين” أو أن يستعمل العقاقير التي جعل الله فيها خاصية لابطال السحر.

الحذر من الدجالين:
كما انه يجب التحذير من السحرة الذين يمزجون السحر بشيء من القرآن أي أنهم يكتبون بين الآيات القرآنية كلمات فيها سحر ليحققوا مآربهم الدنيئة وهم متسترون بستار الصلاح والتقوى ليموّهوا على الناس.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من أتى كاهنا أو عرّافا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد”. رواه الحاكم.

والكاهن هو الذي يتعاطى الإخبار عما يقع في المستقبل. والعرّاف هو من يتحدث عن الماضي من المسروق ونحوه. فمن ذهب الى عرّاف أو كاهن واعتقد أنه يعلم الغيب فقد كفر بالله ورسوله لأنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله. قال تعالى :{ قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب الا الله} إنّ الله يُطلِع الملائكة والانبياء والاولياء على شيء من الغيب ولا يطلعهم على الغيب كله.

أحيانا الجن يسترقون السمع من الملائكة الموكلين بإنزال المطر وهم في الغمام، يصعد الجن الى مكان قريب من هذا الغمام والملائكة يتحدثون فيما بينهم بما يصير هذا العام في أرض كذا ومن الحوادث كذا وكذا كموت شخص أو ولادة مولود أو أن يتولّى شخص الرئاسة أو أن يعزل عن الرئاسة ونحو ذلك مما أطلعهم الله عليهم. ثم ينزل هؤلاء الجن على الارض بعد أن استرقوا السمع من الملائكة، ويخبرون هؤلاء الذين معهم صحبة من البشر. والحاصل أنه يجب الحذر من هؤلاء الذين يقال لهم ” روحانيون ” ومن الذين يدّعون تحضير الارواح وهو في الواقع تحضير للجن.

أخي المسلم، توكل على الله والجأ اليه في السراء والضراء. وكن حذرا ممن يستعملون أساليب الدجل والشعوذة. وتذكر أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وإنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك وانّ الضار والنافع على الحقيقة هو الله.

إدارة السنة

الثاني والاربعون

الحمد لله رب ّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الجنة دار السلام

قال الله تعالى: { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، أُدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم فيها تحبرون، يُطاف عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكوابٍ وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذُّ الاعين وانتم فيها خالدون، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون}(الزخرف).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إني لأعلم آخرَ أهل النارِ خروجاً منها وآخرَ أهلِ الجنةِ دخولاً الجنةَ رجلاً يخرج من النار حَبْوَاً فيقول الله عز وجل له : إذهبْ فادخل الجنة. فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع ويقول : يا رب وجدتُها مَلأَى فيقول اللهُ عزَّ وجلَّ ” إذهب فادخل الجنة ” قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله ” إذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك عشرة أمثال الدنيا” قال (ابن مسعود) : لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بَدَتْ نَواجِذُه. قال (ابن مسعود) فكان يُقال ذاكَ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً ” متفق عليه.

نعيم الجنة حسي :
يجب الايمان بأن الجنة دارُ نعيمٍ حسيٍ أي فيها نعيم حقيقي ملموس وشراب ملموس. وفيها أنهار من عسلٍ مُصَفَّى وأنهار من حليب وأنهار من ماء لا يتغير طعمه من طول المكث فيه. وفيها أنهار من خمر لكنه ليس كخمر الدنيا فلا يُخْبِلُ العقلَ وليس نَجِسَاً. يصير المؤمنون في الجنة بطول آدم عليه السلام. والواحد من أهل الجنة يكون ابن ثلاث وثلاثين ولكن بلا لحية حتى الأنبياء. وإذا كان له أقرباء مؤمنون فإنه يراهم متى ما تمنَّى ذلك في الجنة. أما من مات من أقربائه على الكفر فإنه لا يشتاق إليهم ولو كان أباه أو أمه لأنه يكون مشغولاً بالتلذذ بالنعيم الذي كان موعوداً به. ثم إنه لا يوجد عزوبة في الجنة حتى الولد الذي مات وهو ابن يومه يدخل الجنةَ ويتزوجُ فيها والأنثى يُزوّجُها اللهُ بمن شاءَ من الذكور. وليس ذلك خوفاً من الزنا إنما هو نعيم أنعم الله فيه عليهم.

ويُفهم من الحديث أن الناس على درجات هناك لأنه ورد أن الشهيد يتزوج اثنين وسبعين من الحُور العِين. وورد أيضاً أن للمؤمن في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مُجَوَّفَةٍ إرتفاعها ستون ميلا في السماء للمؤمن فيها أهلون أي أزواج.

لهم فيها ما تشتهيه الانفس :
لا يوجد في الجنة ما تكرهه النفوسُ فلا يوجد حَيضٌ ولا يوجد بولٌ ولا غائطٌ ولا عَرَقٌ يتولّد منه وَسَخ ورَشْحُهُم كالمسك وأزواج الشخص هنّ له الى ابد الاباد والحُور العِين من مخلوقات الجنة لهنَّ من الحُسنِ والجمالِ ما لو برزت الواحدة منهن الى الدنيا لملأت ما بين المشرق والمغرب من الرائحة الزكية.

وبمجرد أن يدخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ ويستقرونَ فيها يسمعونَ النداءَ من المَلَكِ :” يا أهل الجنة إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإنَّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً وإنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً ” ثم إن أهل الجنة يكونون في نعيم يتجدد ولا ينقطع، فكل ثمرة يقطفها المؤمنُ في الجنة يجعل مكانها ثمرة والثمرةُ كالجرة والشجرة في الجنة سَاقُها من ذَهَب. وكذلك لما يرى المؤمنُ الطيرَ ويشتهي أن يأكلَه يقعُ بين يديه مشوياً إن اشتهاه مشوياً من غير كلفة.

النعيم المقيم :
إن الذي قام بتوحيد الله تعالى واجتنبَ معاصيه وأدّى فرائضه فإنه يدخلُ الجنةَ بلا عذابٍ حيث النعيمُ المقيمُ الخالدُ بدلالة الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة قال ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” قال الله عز وجل : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلبِ بشر ” وقال أبو هريرة ” إقرأوا إن شِئتم قولَه تعالى { فلا تَعْلَمُ نفس ما أُخْفيَ لهم من قُرَّةِ أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون } (السجدة). ولما عُرِجَ بالنبي صلى الله عليه وسلم الى السمواتِ العُلا إطَّلَعَ في الجنة فرأى الحُورَ العِين فطلبَ منه سيدُنا جبريلُ أن يُسلِّم عليهنَّ بالقول فقلنَ له ” نحنُ خَيِّراتٌ حِسانٌ أزواجُ قومٍ كرام “.

ورأى صلى الله عليه وسلم في الجنة الوِلْدَانَ المخلَّدِينَ وهم خَلْقٌ من خَلْقِ الله ليسوا من البشر ولا من الملائكة ولا من الجِنِّ خَلَقَهُم اللهُ تعالى من غير أم ولا أب، هم كاللؤلؤ المنثور، لِيَخْدِموا أهل الجنة. الواحد من أهل الجنة أقل ما يكون عنده من هؤلاء الوِلْدَانِ المخلدين عشرة آلاف بإحدى يدي كل منهم صحيفة من ذهب وصحيفة من فضة.

تفكر، أخي المسلم، في أحوال أهل الجنة وفيما خصّهم الله من النعيم المقيم الدائم، يُعرف في وجوههم نَضَرَةُ النعيم ويُسْقَونَ من رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ويَجلسون على منابر الياقوتِ الاحمر ولهم خيامٌ من اللؤلؤ الأبيض ويتكئون على الأرائك ولهم من الحُور العِين الخَيِّراتِ الحِسان كأنهنَّ الياقوت والمرجان، فهل من مُشَمِّرٍ للجنة.

أليس الحري بنا أن نعمل لآخرتنا وأن نتزود لها وأن نتسابق الى الطاعات والخيرات فالله عز وجل يقول { سابِقوا الى مغفرة من ربكم } (الحديد) ويقول { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } (المطففين) فالعجب العجب ممن يتنافسون على الدار الفانية ولا يستعدون للحساب في الدار الباقية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إن أول زمرة تلج الجنةَ صورتُهم على صورة القمر ليلةَ البدر لا يبصقون فيها ولا يَتَمَخَّطُون ولا يَتضغَوَّطُون. آنيتُهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الألوّة ورَشْحُهُم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض. قلوبُهم قلبٌ واحدٌ يُسبحون اللهَ بُكرةً وعشياً ” متفق عليه.

أخي المسلم، احرصْ على المحافظة على إيمانك وصُنْ لسانَك عن الكفر حتى تموتَ على الايمان وتكونَ من أهلِ الجنة، وسارع الى أداء ما فرض الله عليك من الصلوات الخمس والصيام والزكاة وتعلُّمِ علمِ الدين وبِرِّ الوالدين وصِلةِ الأرحام وغير ذلك حتى تكون من الزمرة الفاضلة التي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اللهم إنا نسألك أن تميتنا على كلمةِ لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله وأن تجعلنا من أهل الجنة بفضلك يا أرحم الراحمِين.

الثلاثون

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الجهاد هذه الفريضة العظيمة
قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة ننجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشّر المؤمنين } سورة الصف.

إنّ الجهاد نوعان : جهاد أعداء الاسلام بالسِنان وجهاد بالبيان. وقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيان أولا أربعة عشر عاماً قبل أن يؤذن له بالقتال ثم استمر جهاد الرسول بالبيان والسِنان الى وفاته صلى الله عليه وسلم. والسِنان هو الرمح، وجميع السلاح هو في حكم السِنان. وكان جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله لنشر دين الله وقد غزا بنفسه سبع عشرة غزوة.

النية الخالصة :
لقد ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الجهاد في القرآن الكريم وأمرنا بالقتال في سبيله والدفاع عن دينه وأمرنا بالاخلاص في أعمال الطاعة. فالمجاهد يجب عليه أن يكون مخلصاً بعمله، لا يقاتل من أجل أن ينظر اليه الناس بعين التعظيم او ليُقال عنه أنه شجاع أو شديد في المعارك. فينبغي أن يكون عمله ابتغاء مرضاة الله حتى يكون عند الله من المقبولين المرضيين. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُقاتِل شجاعة ويقاتل حميةً ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله ” من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” متفق عليه. فمن قاتل لنصرة الدين فهو من المجاهدين في سبيل الله وإذا قُتل فهو إن شاء الله شهيد. والشهيد لا يبلى جسده في القبر وتفوح رائحة المسك من جرحه يوم القيامة.

أحاديث في فضل الجهاد :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” والذي نفسي بيده لا يُكْلَم (يُجرح) احد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك” رواه البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لولا أن اشق على امتي ما قعدت خلف سرية ولَوَدِدْتُ أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل” رواه البخاري. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” موضع سَوْطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة في سبيل الله أو رَوْحَةً خير من الدنيا وما فيها” رواه البخاري. وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رجل للنبي يوم أُحد ” أرأيتَ إن قُتلتُ فأين أنا ؟ قال ” في الجنة” فألقى تمْراتٍ كنّ في يده ثم قاتل حتى قُتل” متفق عليه.

التجارة المنجية
قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } الصف.
أخي المسلم، إذا ما تمعنت في حقّية هذه التجارة المنجية التي بيّنها الله لنا في القرآن الكريم لرأيت أنها تقوم على دعائم اساسية لا بدّ منها : أولا الايمان بالله ورسوله لقوله تعالى { تؤمنون بالله ورسوله} فبدون الايمان بالله ورسوله لا يتقبل الله من العبد أي عمل صالح. قال الله تعالى { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} سورة النحل.
ولقد جاء يوما رجل الى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ” يا رسول الله أُسلم أو أُقاتل” فقال عليه الصلاة والسلام ” أسلِم ثم قاتِل” فأسلم الرجل ثم قاتل فقُتل فقال عليه الصلاة والسلام ” عَمِل قليلا وأُجِرَ كثيرا” رواه البخاري. والفضل في نيله الثواب العظيم والأجر الكثير يعود للإسلام لأنه لو بقي على الكفر وقاتل ثم قُتل لمات كافرا وما هو بشهيد.
والدعامة الثانية لهذه التجارة الرابحة التي أعدّ الله لصاحبها جنات تجري من تحتها الأنهار هي الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لقوله تعالى { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم }.

أعداء الاسلام المتكالبون
أخي المسلم، إعلم أن الجهاد في سبيل الله يكون ببذل الاموال والانفس لرفع راية الاسلام ولتكون كلمة الله هي العليا أي كلمة الدين وتكون كلمة الذين يكيدون للاسلام هي السفلى.

وإنّ أعداء الإسلام كُثُر وهم جميعا متكالبون ومتربصون يحيكون المؤامرات ضدنا ويدبرون المكائد سراً وعلانية. ومن أخطر هؤلاء الأعداء اليهود لعنة الله عليهم الذين ما برحوا يخططون ويعملون لضرب المسلمين واغتصاب اراضيهم ونهب خيراتهم وتشتيت صفوفهم وهم في مخططاتهم سائرون وكثير من المسلمين عن ذلك غافلون. فهلا هبّ لصدهم المخلصون العاملون واعدّوا لهم ما استطاعوا من قوة.

إخوة الإسلام، لا تقولوا ما لنا على قتالهم حولٌ ولا قوة. ولا تقولوا اين نحن من اسلحتهم ومعداتهم وقدراتهم، بل تذكروا تلك الحروب الصليبية والجيوش الجرارة التي اجتاحت أراضي المسلمين في الماضي وبقيت فيها عشرات السنين لا بل المئات إلى أن ظهر رجل يدعو إلى الله ويضرب بسيف الحق أعاد الله على يديه أراضي المسلمين ونصر دينه وأذلّ أعداءه ألا وهو صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه. واعلموا أن هذا الاجتياح الصهيوني ما هو إلا امتداد لتلك الحروب. وهنا نذكر أنه قبل إحدى الحروب التي كانت بين اليهود والمسلمين في الماضي القريب قامت مظاهرات في إحدى العواصم الاوروبية كُتِبَ على لافتاتها وعلى صناديق التبرعات اليهودية جملة واحدة ” قاتلوا المسلمين ” ونذكر أيضا أنّ رئيس وزراء إحدى الدول الاوروبية آنذاك قال ذات مرة ” ما دام هذا القرآن موجوداً بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق”.

فالحذر الحذر ايها المسلمون من اليهود وأمثالهم وعملائهم وما عليكم إلا أن تتمسكوا بكتاب الله وكلام رسول الله وتسلكوا طريق الجهاد بالمال والنفس وتذكروا انّ الله لا يخلف الميعاد وانه على كل شيء قدير.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المجاهدين للذوذ عن دينك ونسألك أن ترزقنا الشهادة في سبيلك فإنّ العيش عيش الآخرة.

الرابع والسبعون

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام الصابرين والمجاهدين.

الجهاد في سبيل الله من الواجبات الدينية

قال الله تعالى: {إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}(سورة الصف).

وعن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الجنة تحت ظلال السيوف” فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله يقول. قال نعم. فرجع إلى أصحابه فقال أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه وألقاه ومشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. رواه مسلم والترمذي وغيرهما.

إخوة الإسلام إنّ الجهاد هو الدعاء إلى الدين الحق والقتال لمن امتنع وتمرد عن القبول إما بالنفس أو بالمال.
والجهاد قبل النفير تطوع، وبعد النفير يصير فرض عين. ومعنى النفير أن يخبر أهل المدينة أنّ العدو قد جاء يريد أنفسكم وذراريكم وأموالكم فإذا أخبروا على هذا الوجه افترض على كل من قدر على الجهاد من أهل تلك البلدة أن يخرج للجهاد.
والجهاد من شروطه البلوغ والعقل والحرية والصحة والطاقة ولا يشترط لوجوبه وجود خليفة للمسلمين فلا يترك الجهاد لفقدان الخليفة بل يجوز الجهاد بدون إذن الإمام ولاسيما إذا كان الخليفة متهاونا.

الجهاد فريضة عظيمة لحماية ونشر الدين:
والمقصود بالجهاد حماية أهل الإسلام من أن يفتنوا عن دينهم ونشر الإسلام ليدخل فيه الناس وذلك هو الانتهاء المذكور في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}(سورة البقرة). وليس معناه الكف عن الحيلولة بين المسلمين وبين الدعوة إلى الإسلام فلا يجوز قول أنّ الجهاد فرض في حال الدفاع عن النفس والديار فقط كما ادعى بعض العصريين في مؤلفاتهم فإنّ ذلك مخالف لمعنى الآية وللحديث المتواتر “أمرت أن أقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله” رواه البخاري ومسلم.

فالحاصل أن القول بأنه لا يجوز الجهاد إلا على وجه الدفاع فقط فهو خروج عن القرءان والحديث وإجماع الصحابة ومن بعدهم وأكبر دليل على ذلك أن الصحابة واصلوا جهادهم بعد وفاة رسول الله حتى امتدت فتوحاتهم في نحو خمس عشرة سنة إلى طنجة غربا وإلى الصين شرقا.
فإذا عرف هذا ظهر أنّ من أنكر شرعية فرضية قتال المسلمين للكفار في حال الاستطاعة للنصوص الشرعية ورد النصوص كفر كما قال النسفي في كتاب العقيدة النسفية.

تفسير قول تعالى: {لا إكراه في الدين}
وأما قول الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي}(البقرة). فالمراد أنّ العباد لا يقدرون على هداية قلوب الناس وإنما عليهم الدعوة والبيان والجهاد وأنّ الله تعالى هو القادر على خلق الاهتداء فيجعلها مذعنة قابلة للحق وذلك معنى قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)(سورة يونس). المراد أنّ الله لو شاء أن يخلق الاهتداء في قلوب جميع الناس لاهتدوا وأما أنت يا محمد فلا تستطيع ذلك. وقد ثبت أنّ الخليفة الراشد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حارب المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة الرسول ولم يدعهم وشأنهم. فإذا وضح وجه الصواب تبين فساد قول بعض المحرفين بحمل آية {لا إكراه في الدين} على إلغاء الجهاد لنشر الدعوة وقولهم إنّ الإسلام يسمح لكل إنسان أن يدين بأي دين يراه ويرتضيه، كيف يقول ذلك ذو عقل يدّعي الإسلام والله يقول: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}(البقرة). ويدل أيضا دلالة واضحة على ثبوت الإكراه على الإسلام بالقتال ونحوه ما اتفق عليه الصحابة في قتالهم أهل الردة في عهد أبي بكر وما ثبت من قتل الإمام علي للزنادقة الذين عبدوه بإحراقهم بالنار بعد استتابتهم ثلاثة أيام وإصرارهم على قولهم: {أنت ربنا وخالقنا ورازقنا}. حتى قال علي رضي الله عنه: “إني إذا رأيت أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا.

ضرورة سد الثغور الإسلامية بالمجاهدين:
ثم لا ينبغي أن يخلى ثغور المسلمين ممن يقاوم العدو في قتالهم، وإنّ ضعف أهل الثغور وخيف عليهم فعلى من وراءهم من المسلمين أن ينفروا إليهم الأقرب وأن يمدوهم بالعدة والسلام ليكون الجهاد قائما فقد قال عليه الصلاة والسلام: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية” رواه البخاري.

أخي المسلم، الصهاينة وأعوانهم قد دمروا بيوتنا وهتكوا أعراضنا وما زالوا قابعين فوق صدورنا متغطرسين ومتحدين فهل من مدافع عن كرامة المسلمين وهل من مجاهد بنفسه يصد جحافل الكافرين ويرد عدوانهم الأثيم وهل من مجاهد بماله يمد المجاهدين مما أنعم الله عليه من المال الوفير. إنّ الجهاد فريضة عظيمة وحسبنا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها” رواه البخاري.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا وارزقنا الشهادة في سبيلك فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة.

السابع عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الامين

الحج : هذه الفريضة العظيمة

قال الله تعالى : { وأذِّنْ في النَّاسِ بالحَجِّ يأتُوكَ رجالاً وعلى كُلِّ ضامرٍ يأتينَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عميق. ليَشْهدوا منافعَ لَهُم ويذكُروا اسمَ اللهِ في أيّامٍ معلوماتٍ على ما رَزَقَهُم من بَهِيمةِ الانعامِ فَكُلُوا منها وَأَطْعِمُوا البائسَ الفقير. ثمّ ليَقضُوا تَفَثَهُم وليُوفُوا نُذورَهم وليَطَّوَّفوا بالبيتِ العتيقِ }. سورة الحج/27-28-29

ما إن ودّعنا منذ فترة شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركة حتى بدأت فريضة كريمة عظيمة اخرى تطل علينا ألا وهي فريضة الحج التي فيها كل الخير والمنفعة، والتي بها ينفتح باب واسع للانابة والتوبة الى الله.

وقد أخذت تثور في نفوس كثير من المسلمين نوازع الشوق لأداء فريضة الحج المباركة، يتدفقون من كل حدب ومن كل صوب في أطراف المعمورة بالبر والجو والبحر قاصدين الديار المقدسة في بلاد الحجاز للتلاقي بعضهم مع بعض في رحاب منزل الوحي ويطوفوا حول الكعبة الشريفة مهللين ومكبرين ويحدوهم رجاء واحد هو اطّلاب رضى الله سبحانه في المكان الذي جعله مثابة للناس وأمنا،

بلادَ الهدى والجودِ والوحي والندى
تهادَوا الى ساح كريم مطهر
ومهدَ الكتاب المستطابِ الممجَّدِ
تنادَوا لديه من مسُودٍ وسيدِ

ومن ثم متابعة السير الى المدينة المنورة لزيارة الحبيب المصطفى الذي محى الله بنور هديه الظلمات

إلى طيبةٍ أهدي سلامي وإعظامي
الى المسجدِ المقصودِ من كل زائر
إلى المصطفى في قبره سيدِ الورى
ونشوةَ أشواقي وجذوةَ إلهامي
ومن كل عَبّاد ومن كل قَوّامِ
وصفوةِ خلق الله والمثلِ السامي

ما أجمله من منظر حين نودع الأهل والاحباب والاصدقاء المتوجهين الى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج وهم يرددون وقت رحيلهم هتافاً خاشعاُ ومؤثراً ” لبيك..لبيك….لا شريك لك لبيك.. إنّ الحمد والنعمة والملك..لاشريك لك” وكيف لا تفرح القلوب وتسر النفوس ومكة دوحة الايمان وأرض الايمان. أحبّ أرض الله إلى الله، منها دوى صوت الحق وامتد نور الهدى يبدد ظلمات الشرك والضلال ليملأ الارض نوراً وعدلاً. من هذه البقعة الكريمة انطلقت قوافل الفتح ومواكب الايمان تدك معاقل الوثنية والاشراك وتفتح الدنيا بهدي القرآن.

الحج أمر من أهم أمور الاسلام

وإنّ الحج أمر من جملة أهم أمور الاسلام كالصلاة والصيام والزكاة فقد قال عليه الصلاة والسلام ” بني الاسلام على خمس : شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة وحجِ البيت وصومِ رمضان” رواه البخاري ويجب الحج والعمرة مرة واحدة في العمر على المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع بما يوصله ويرده الى وطنه فاضلاً عن دَينه ومسكنه وكسوته اللائقين به ومؤنة من عليه مؤنته مدة ذهابه وإيابه.

من فوائد الحج العظيمة

وفي الحج فوائد عظيمة ومزايا جليلة لو أدرك كثير من المسلمين مغزاها وقدَّروا جمالها لتسابقوا اليها واغتنموا الفرصة للتشرف بحج بيت الله الحرام وزيارة قبر خير الانام.
1- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من حجّ فلم يرفُث ولم يفْسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدَته أمه ” رواه البخاري. فينبغي على الحاج أن تكون له وقفة توبة ومحطة تزود بالتقوى والعمل الصالح.
2- وهناك يجتمع مئات الآلاف من المسلمين على اختلاف الوانهم وتباين لهجاتهم، يجتمعون تحت كلمة لا إله إلا الله ، وهناك يدعون ربهم ويتعارفون ويأتلفون ويصبحون بنعمة الله إخواناً.
3- ويقف الجميع متجردين من مباهج الحياة الدنيا : صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، شريفهم وحقيرهم كلهم عند الله سواء لا يتفاضلون إلا بالتقوى كما أخبر الحبيب المعلم المرشد صلى الله عليه وسلم : ” لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى”. رواه الطبراني.
4- وفي الحج تمرين للانسان على الصبر وتحمل المشاق والمصاعب.
5- وفي الحج تعاون على البر وتنافس على عمل الخير.

وحسبنا أنّ الحج فريضة عظيمة مباركة، فطوبى لمن حج واعتمر ورجع طاهرا من كل ذنب نظيفاً من كل دنس وظل على توبته حتى توافيه المنية.

اخي المسلِم، اسأل الله عز وجل أن يجعلك من حجاج البيت العتيق الطاهر هذا العام ومن زوار حبيبه المصطفى، ومن التائبين الراشدين الذين لا تفارقهم مخافة الله طرفة عين.

إدارة السنة

الواحد والخمسون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الحذر… الحذر من الافتاء بغير علم

قال الله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذبَ هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب}النحل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض رواه ابن عساكر.

ان الله سبحانه وتعالى سائلٌ عبدَه يوم القيامة اذا قال يجوز وإذا قال لا يجوز، فإن قال عن شيء لا يجوز مستنداً الى دليل شرعي فإن كان مجتهداً فبطريق الاجتهاد وإن كان مقلدا لمذهبِ إمام مجتهد فله ذلك وكذلك من قال عن شيء انه جائز ولم يكن عنده مستند شرعي فقد عرض نفسه لعذاب الله في نار جهنم والعياذ بالله.

فمن كان مجتهدا فدليله على حسب ما يظهر له في طريق الاجتهاد إستنباطاً من نص قرآني أو نص حديثي. ومن لم يكن مجتهداً أو لم يكن عنده أدوات الاجتهاد فليس له أن يحرم أو يحلل إلا مستندا الى نقل بأن يكون ناقلا عن مذهب إمامٍ من الائمة المعتبرين ائمة الهدى. وأما من ليس كذلك أي ليس مجتهداً بنفسه ولا مقلدا آخذاً بمذهب إمام مُعتبر وإنما يتكلم على هواه بيجوز أو لا يجوز فهذا وبال عليه يوم القيامة.

وإننا نرى في هذه الايام أناساً كثيرين يفتون من غير إستناد الى دليل شرعي، بل يرجعون في ذلك الى ما يعجب نفوسهم. فما وافق هواهم قالوا هذا حلال وما لم يوافق هواهم حرّموه. وهذا ليس طريق المجتهدين من العلماء.

ما أكثر الطواغيت :
كان في العرب أيام الجاهلية في كل قبيلة يوجد طاغوت. والطاغوت هو شيطان كافر ينزل على إنسان ويدخل فيه فيتكلم على لسانه ويصير يُحسِّنُ لهم ويُقبِّح لهم فتتبعه هذه القبيلة، فما حسَّنَ لهم هذا الطاغوت على لسان هذا الانسان أخذوا به واستحسنوه يقولون عنه : هذا حسن. وما نهاهم عنه طاغوتهم وقبَّحه تجنبوه وقالوا عنه : هذا لا خير فيه. كانت كل قبيلة تسلم لطاغوتها تسليماً فما حسنه الطاغوت يعتبرونه خيرا وما قبحه الطاغوت يعتبرونه شرا. هؤلاء عبدوا هواهم أي الشيء الذي مالت إليه نفوسهم وهذا داخل في قول الله تعالى { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } الجاثية. أي اتخذ هواه إلهاً.

وكم نجد هذه الايام أناسا لا يرجعون الى الادلة الشرعية لا يرجعون الى نصوص القرآن والحديث وإنما عندهم في أنفسهم موازين زيّنها لهم قرناؤهم من الشياطين. فإذا وجدوا الشيء تميل اليه نفوسهم رضوا به مع مخالفته للشرع فإذا ما اعترض عليهم انسان بدليل شرعي تكابروا عن قبول الحق تعصبا لآرائهم وأهوائهم.

من هو المجتهد :
ثم اليوم يندر ندرة شديدة وجود أهل للاجتهاد لأن الاجتهاد له شروط ومن استكمل هذه الشروط فهو المجتهد الذي يأخذ بما أداه اليه اجتهاده. والاجتهاد لا يكون إلا لمن يحفظ آيات الاحكام ويعرف عامَّها وخاصها وناسخها ومنسوخها ويحفظ أحاديث الاحكام ويحفظ ما قاله الائمة المجتهدون قبله ويشترط ايضا أن يكون الرجل عَدْلاً أي يؤدي ما أوجب الله من الفرائض ويجتنب ما حرم الله الى غير ذلك من شروط الاجتهاد. وليس المجتهد الذي يعرف اللغة والتاريخ وشيئا من السيرة النبوية وعددا من الاحاديث النبوية فهذا ليس مجتهدا ولا يحل له أن يقول من تلقاء نفسه : هذا حرام وهذا واجب وهذا سنة وهذا مكروه دون الاستناد الى مستند شرعي.

الحذر كل الحذر من الافتاء بغير علم :
أخي المسلم، لا تكن مثل هؤلاء الذين يوجبون ما لم يوجبه القرآن والحديث ولا هو اجتهاد أحدٍ من أئمة الهدى إنما هو تجرؤ على الفتوى بدون علم فهؤلاء ضالون ومُضلّون صاروا رؤساء على جهلهم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم :” ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالما اتخذ الناس رؤوساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا “. متفق عليه. هؤلاء أحيانا يبيحون ما حرمه الله تعالى باجماع المسلمين وأحيانا يفعلون عكس ذلك. ومثال ذلك قول بعض الناس ان سب الله تعالى لا يكون كفرا إلا إذا قصد الكفر. ومنهم من وصل به شذوذه إلى أن قال : سب الرسول كفر وسب الله ليس بكفر. لقد أعمى الله قلوبهم فهم لا يؤمنون.

القواعد الشرعية الثابتة :
إن ائمة الهدى قد فصَّلوا القواعدَ التي تبين أقسام الردة. ونكتفي بما ذكره الامام النووى في كتابه روضة الطالبين : لو غضب رجل أو على ولده أو غلامه فضربه ضربا شديدا فقال له رجل : ألست مسلما ؟ فقال : لا، متعمدا كفر. ومعنى متعمدا أي بإرادته. وحسبنا أن الشيخ عبد الباسط الفاخوري رحمه الله مفتي بيروت منذ نحو مائة سنة ذكر في كتابه ” الكفاية لذوي العناية ” أن الكفر ثلاثة أقسام : كفر اعتقادي وكفر فعلي وكفر قولي وذكر أمثلة على كل قسم وبيَّن أن سابَّ الله كافر سواء كان مازحا أو جادا أو غاضبا.

أخي المسلم، ننصحك أ، تلتزم بما ورد في الشريعة المطهرة السمحاء وأن تتقيد بما نص عليه الائمة المجتهدون أعلام الهدى وألا تلتفت الى من يتبع هواه ويسير وراء الطاغوت وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من أفتى بغير علم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين “. رواه الامام أحمد.

اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تُهلكنا بعذابك وعافِنَا قبل ذلك.

السادس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الامين.

الدعاء في الاسلام

الحمد لله الواحدِ القهار، العزيزِ الغفار، مقدِّرِ الاقدار، مصرِّفِ الامور، مكوِّرِ الليل على النهار القائل في كتابه العزيز {وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}البقرة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الدعاء مُخُّ العبادة “. أي أن منزلة الدعاءِ عالية في العبادة.

ودعاء المؤمن بالله فيه إقرار بربوبيةِ الله وبقدرتهِ العظيمة واعترافٌ بأنعام الله الكثيرة التي منّ الله بها علينا { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }.
روى عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
” سألتُ ربي اربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة.
سألتُه أن لا يُكْفِرَ أمتي جملة فأعطانيها.
وسألتُه أن لا يُهلكَ أمتي بما أهلك به الاممَ قبلهم فأعطانيها.
وسألتُه أن لا يُظْهِرَ عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها.
وسألتُه أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها “.

وفي روايةٍ لمسلم في صحيحه ” وقال يا محمد إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يرد “.
والمعنى أنّ الرسول سأل ربه أربعةَ أشياء فاستجاب له في ثلاثة منها ولم يستجب له في الرابعة. والثلاثة التي أعطاه الله اياها هي :
1- أن لا يُكفِر امته جملة. أي أنّ امته لا يكفرون كلهم ولا جمهورهم، وإن كفر بعضهم الذين هم الاقل، فأعطاه ذلك.
2- وإن لا يهلك أمته بما أهلك به الامم السابقة كأمة نوح وأمة هود وأمة صالح. أي لا يسلط عليهم عذابايستأصلهم جملة بالغرق مثلا او المجاعة ولا بغير ذلك، فأعطاه ذلك.
3- وأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم. أي أن لا يسلط على امته عدوا كافرا يستأصلهم كلهم، فأعطاه ذلك. فلا يستطيع الكفار ولو اجتمعوا من بين مشارق الارض ومغاربها على ان يبيدوا أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويفنوهم من على وجه الارض لأنّ الله تبارك وتعالى لا يُمكنهم من ذلك.
4- والشيء الرابع الذي طلبه سيدنا محمد من الله فلم يعطه اياه هو أن يجعل أمته لا يقاتل بعضهم بعضا.
وفي رواية مسلم ” وقال يا محمد إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرد ” ومعناه لا أعطيك هذا الطلب الاخير لأني شئت في الازل أن يصير في أمتك قتال بين بعضهم البعض فلا بد أن يصير ذلك.

فلو كان الله سبحانه وتعالى يغيّر مشيئته لأحد من خلقه كان غيّر مشيئته لسيدنا محمد الذي هو أفضل المخلوقات. لكنّ مشيئة الله سبحانه وتعالى لا تتغير ولا تتبدل. إنّ مشيئة الله لا تتغير أما مشيئة العباد فهي مخلوقة متغيرة.
فلو أنّ انسانا مريضا دعا الله أن يشفيه من مرضه فليس معنى ذلك أنّ الله شاء أن يمرض هذا الانسان ثم تبدلت مشيئة الله ورُدّ قضاؤه بدعائه. بل معناه أن الله شاء في الأزل أن يمرض هذا الانسان فيدعو اللهَ طالبا للشفاء فيتعافى على حسب ما سبق في مشيئة الله الأزلية. فتبين أن اللهَ يُغير احوالَ العبادِ من مرضٍ الى صحةٍ ومن فسادٍ الى صلاحٍ ومن فقرٍ الى غنى ومن غنى الى فقرٍ على حسب المشيئة الربانية الازلية. وهذا هو معنى قوله تعالى { كل يوم هو في شأن } فالتغير يطرأ على أحوال المخلوقات لا على مشيئةِ الله وعلمِه.

إذن إذا دعا الداعي ربه أن يشفيه فاستجاب له فيصح أن يقال أن دعاءه وافق مشيئة الله. وإذا لم يستجب له فيصح أن يقال أنّ الله لم يشأ له الشفاء، والداعي له ثواب الدعاء.

تنبيه : جرت العادة في بعض البلدان أن يجتمع الناس فيقرأوا هذه الكلمات، يقولون : اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مقترا عليّ في الرزق فامح اللهم شقاوتي وحرماني وطردي واقتار رزقي… الخ. وهذا لا يصح عن سيدنا عمر رضي الله عنه ولا عن أي واحد من الصحابة والسلف. ومعناه مخالف للعقيدة الصحيحة وهي أنّ الشقي شقي في بطن أمه فلا يتبدل سعيدا لأنه صح في الحديث الشريف بذلك. واعتقاد تبدلِ صفةٍ من صفاتِ الله تعالى كفرٌ كما قال الامام أبو حنيفة وغيره من العلماء الأفاضل.

أخي المسلم، إنّ الدعاء نافع ولا شك. ومنزلة الدعاء عالية في العبادة. فأكثرْ من الدعاء ما استطعتَ وتذكر انك ضعيف تحتاج الى القوي القادرِ على كل شيء، وأنك لا تستغني عن اللهِ طرفة عين. وكنْ على تقوى الله فإنّ خير الزاد الى الآخرة التقوى.

السادس والثلاثون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الربا : الوباء الخطير

قال الله تعالى :{ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ما يقومُ الذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ من المسِّ بأنهم قالوا إنما البيعُ مثل الربا، وأحلَّ الله البيعَ وحرَّم الربا}. سورة البقرة.

إنّ الله سبحانه وتعالى أحلَّ البيعَ إلا ما نهى عنه فيما أوحى الى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم. وإنما نصَّ القرآن الكريم على ذكر الربا واقتصر عليه ولم يذكر غيره مما يحصل في البيع المحرم لأنّ الربا أشدُّ أنواع المال المحرم، فكل مالٍ محرمٍ إثمه دون إثم الربا. والربا فسَّره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأنّ منه ما هو من طريق القرض (الدّين) وأنّ منه ما سببهُ تأجيل التسليم كما في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مع تأخير تسليم أحد الطرفين بضاعتَه مثلاً وهناك نوع ثالث وهو ربا الفضل كالذي يبيع غراماً من الذهب الخام بنصف غرام من الذهب المصنوع حلياً. الربا كان حراما في شرع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام لكنّ اليهود لعنهم الله استحلوه وقد أحكموا قبضتهم اليوم على اقتصاد الدول فازداد شرهم. وفي بدء البعثة النبوية المحمدية لم ينزل تحريمه لأنّ الاحكام كانت تنزل على النبي شيئاً فشيئاً. فالصلوات الخمس نزلت فرضيتها على النبي وعلى أمته في السنة الثامنة من البعثة قبل الهجرة، وكان قبل ذلك مفروضاً عليهم أن يُصلوا في الليل ثم نُسخ ذلك ففُرض عليهم الصلوات الخمْس. كذلك الخمر لم يكن محرماً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة، أنزل الله تحريمَها بعد الهجرة في السنة الثالثة. وكذلك الربا في شرع سيدنا محمد لم يُحرَّم إلا بعد الهجرة.

ربا القرض:
وقد كان أغلب الربا الذي يعمله الناس ربا القرض، وهو أن يشترط المُقْرِضُ (الدائن) ما فيه جَرُّ منفعةٍ لنفسه سواء كان بزيادة في مقدار المال الذي أقرض أو بمنفعة أخرى كأن يشترط عليه أن يُسكنه بيته بأجرةٍ مخفضةٍ أو مجاناً إلى ان يرد القَرضَ أو اشترط المُقرِضُ على المُقترِض (المستدِين) أن لا يُعامل غيره في معاملاته في البيع والشراء وهذا النوع من الربا سمى ” ربا القرض ” وهو أشد أنواع الربا وقد اتفق على تحريمه الائمة الاربعة وغيرهم، ولا يُشترط لحرمة ربا القرض أن يكون القدرُ الذي يشترطه المقرض من الزيادة عند رد القرض كثيراً، فالقليلُ والكثير في الحرمة سواء لقوله تعالى { وإن تُبْتُم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون } سورة البقرة. أي إن أردتم التوبة من معصية الربا فاقتصروا على رأس المال لا تطلبوا شيئاً فوق رأس المال، كمن أقرضَ مائة ليرة وكان شرَطَ عليه متى ما تأخر عن هذا الموعد، عن الشهر الاول مثلاً الى الشهر الثاني، يُضاف عليه كذا فإنّ هذا ربا. ومن ذلك ما يفعله بعض الذين يبيعون السيارات أنهم يشترطون بعد تحديد الثمن انه إن أخّر قِسطاً من الأقساط يُضاف عليه كذا، هذا من الربا المحرم المتفق على تحريمه. أما لو قال له ” بعتك هذه السيارة بألف ليرة على ان تدفع مائة في نهاية شهر كذا الى آخر الاقساط ” بيّن له الآجال حتى صارت معلومة كان ذلك جائزا وهو ما يسمى ” بيع التقسيط ” ولايكون ربا.
وأما ما يفعله بعض الناس أنه يُقرض شخصاً مبلغاً ثم يشترط عليه أن يُسكنه داره مجاناً أو بأجرة مخفضة أو يشترط عليه أن يترك عنده سيارته ليستعملها مجانا إلى أن يرد له المبلغ فهذا من الربا من المتفق على تحريمه ايضا، وهذا النوع قد وقع فيه أكثر الناس والعياذ بالله.

القرض الصحيح:
أما إذا لم يحصل شَرطُ جرِّ منفعة ولم يقل له ” ترد لي المبلغ بزيادة كذا ” ولا قال ” تسكنني بيتَك مجانا أو بأقل من أجرة المثل” ولا قال له ” أقرضتك هذا بشرط أن تعطيني سيارتك لأنتفع بها إلى أن ترد لي المال” ولا قال له ما هو في معنى هذا ثم حصل أن رد المستدينُ المبلغَ مع زيادة فهذا يجوز إن اراد بذلك مكافأةَ المعروفِ بالمعروف، لأنّ القرضَ هو حسنةً من الحسنات فيه ثواب إذا كان على الوجه الشرعي، فإن أراد المقترضُ أن يكافئه بردِّ الدَينِ مع شيء من الزيادة فذاك جائز.

حُكْمُ ما يُسمى ” بالتأمين ” :
وفي حكم القرض الذي فيه ربا ما يفعله بعض الناس باسم ” التأمين ” يدفعون الى شركة ما مبلغا معينا في أوقات معينة على شرط أنه إن أصابه في نفسه أو في سيارته حوادث تكلِّفه صرف مال فإنّ هذه الشركة تتكفل بدفع هذه المصاريف، وهو ليس معلوما عنده ماذا يحصل له من إصابات في المستقبل. إنّ المال الذي يصل من شخص الى شخص إما ان يكون عن طريق البيع والشراء، وإما ان يكون عن طريق الهبة، وإما أن يكون عن طريق الصدقة، وإما أن يكون عن طريق الهدية، وهذا المال الذي يدفعه الشخص الى شركة ” التأمين ” ليس واحدا من تلك الامور فإذن هو قرض فاسد مُحرَّم يُعتبر من ربا القرض لأنه شَرَطَ فيه جرّ منفعة لنفسه. وقد ورد في تحريم ربا القرض حديثٌ ضعيفُ الاسناد لكنَّ الائمة المجتهدين اتفقوا على العمل به وهو حديث فضالة بن عُبيد وقد روى عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” كلُّ قرضٍ جرّ منفعة فهو ربا ” رواه البيهقي. فليحذر المؤمن من الربا بجميع أنواعه. ولا يأكل النزر القليل من الربا لأنّ عاقبته وخيمة. وقد ظهر من أناس بعد وفاتهم وهم في قبورهم آثار من العذاب الذي يعذبونه في القبر حتى إنّ رجلا كان معروفا بالمراباة وكان متكبرا على الناس، كان ذات يوم في موكب وهو راكبٌ بَغلة فرأى امرأةً أعجبته فأخذها قهراً وزوجُها رجلٌ مسكين ضعيف، ثم مات هذا المرابي المتجبر فصار يطلع من قبره الدخان فقال بعض المشايخ لأهله : استسمحوا له الناسَ الذين كان يأخذ منهم المالَ عن طريق الربا. ففعلوا ذلك وأخَذَ كثير من الناس يقرأون له على القبر، ثم بعد فترة إنقطع هذا الدخان من قبره. نسأل الله السلامة.

أخي المسلم، لا تجعل قلبك متعلقاً بحب الدنيا مشغوفاً بملذاتها وشهواتها، واحرص على جمع المال بطريق الحلال وكفّ نفسك عن الحرام، ولا تلتفت الى من لا يحب لك الخير ويحثك على فعل الحرام، وتذكّر أنك لا بد نازلٌ في حفرة سبقك إليها غيرُك وأن الله شديدُ العقابِ، وإذا سَبَقَ لك وأكلتَ الربا فتُبْ الى الله.
قال تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظَلموا أنفسَهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوبَ إلا الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعملون أولئك جزاؤهم مغفرةً من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهارُ خالدينَ فيها ونِعْمَ أجرُ العاملين} (آل عمران)

اللهم لا تجعل الدنيا كلّ همنا وطهِّر نفوسَنا واجعلنا من عبادك المتقين الصالحين.

السادس والسبعون

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الزنى…ذنب كبير ووباء خطير

قال تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيا ءايات بينات لعلكم تذكرون. الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}(سورة النور). إنّ جريمة الزنى أخطر وأعظم من أن تستدر العطف أو تدفع إلى العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن من عرف آثارها وأضرارها من تدنيس للعرض والشرف وضياع للأنساب واعتداء على كرامة الناس، وتلطيخ لهم بالعار وتعريض للأولاد للتشرد والضياع، حيث يولد كاللقيط لا يعرف أباه، ولا يعرف حسبه ونسبه إلى غير ما هنالك من تشريد، فمن عرف ذلك أدرك حكمة الله تعالى في تشريع هذا العقاب الزاجر الصارم. وليس هذا فحسب بل يعلن فيشهد فريق من المؤمنين على هذه العقوبة لتكون زجرا للزاني ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا المنكر الشنيع. وقد حرّم الله الزنى لما فيه من أضرار عظيمة ومخاطر جسيمة تؤدي بحياة الأفراد والجماعات إلى التفكك والتنازع والتباغض وتقويض بنيان المجتمعات.

ما هو حد الزاني البكر وحد الزاني المحصن:
فرقت الشريعة الإسلامية بين حد الزاني البكر (غير المتزوج) وحد الزاني المحصن (المتزوج) فخففت العقوبة في الأول فكانت مائة جلدة، وغلظت العقوبة في الثاني فكانت الرجم بالحجارة حتى الموت وذلك لأن الجريمة التي يرتكبها رجل متزوج أو امرأة متزوجة عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها من ليس متزوجا لأنه سلك لقضاء شهوته طريقا غير مشروع مع أنه كان متمكنا من قضائها بالزواج المشروع فكانت العقوبة أشد وأغلظ. هذا ويزيد في حد البكر تغريب سنة عن بلده إن كان حرا ونصفها إن كان عبدا.

الجلد ثابت بالنص القرءاني:
وقد ثبت الجلد بالنص القرءاني القاطع في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}(سورة النور).
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى للتأكيد على أنّ الحد على الاثنين معا ولو كان الزنى بالتراضي.

الرجم ثابت بالسنة النبوية:
وأما الرجم فقد ثبت بفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله وعمله وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات وبطريق التواتر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أقام حد الرجم وأن الخلفاء الراشدين من بعده أقاموا الحد في عهودهم. ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه حكما ثابتا وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة لا مجال للشك فيها.

حرمة مقدمات الزنى:
فكما أنّ الزنى حرام فكذلك الأفعال التي تؤدي إليه حرام أيضا وإن كانت هذه الأفعال خطرها دون خطر الزنى إلا أن ما يؤدي إلى المعصية معصية ومن مقدمات الزنى:
1 – النظر إلى عورات النساء: فلا يحل لرجل أن ينظر إلى جميع بدن ا المرأة الأجنبية (بشهوة أو بغيرها) إلا الوجه والكفين فيجوز أن ينظر إليهما بغير شهوة كما في حال البائع والمشتري والشهود عند القاضي للنكاح وغيره.
أما إذا لم تكن النظرة بقصد فلا مؤاخذة فيها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: “يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية” رواه الترمذي وأحمد. وليس معناه أنه لك أن تتعمد النظرة الأولى بشهوة فهذا فاسد.

2 – مصافحة النساء: وكذلك من مقدمات الزنى مصافحة النساء من غير حائل ولو بدون شهوة حيث تلامس يده يدها. والمصافحة في كثير من الأحيان تجر Eلى القبلات ثم إنّ القبلات في كثير من الأحيان تجر إلى المضاجعة ثم إلى الزنى.
والدليل على حرمة المصافحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لأن يطعن في رأس أحدكم بخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له”(رواه الطبراني في الكبير).

3- المفاخذة: ومن مقدمات الزنى المفاخذة. والذي يفاخذ امرأة لا تحل له هو أقرب ما يكون إلى الزنى ولو كان لا يقام عليه حد الزنى لأن الزنى هو إدخال الحشفة في الفرج فيما حرّم الله، أما المفاخذة فهي تلاصق العورتين من دون إدخال وهي حرام ويكفر من يستحلها.

4 – تعرض النساء للرجال: إنّ الزنى ينشأ غالبا بتحريك من المرأة فخروجها سافرة متبرجة متزينة بنية التعرض للرجال مع ما عندها من حبائل الشيطان مدعاة إلى الزنى. أما خروج المرأة للعمل أو لصلة الرحم أو التنزه ساترة لكل بدنها إلا الوجه والكفين ولم يكن في نيتها أن تتعرض للرجال فليس ذلك حراما. أما قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}(سورة النور) فمعناه لا يكشفن من أبدانهن إلا الوجه والكفين. أما ستر الوجه فقد قال بعض المتأخرين من الفقهاء: يجب عليها ستره إذا كانت شابة وخشيت الفتنة ولا يطلق على المرأة إذا خرجت متعطرة انها زانية لمجرد هذا بل إذا قصدت فتنة الرجال فهذا من مقدمات الزنى وهذا هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إيما امرأة خرجت من بيتها متعطرة ليجد الناس ريحها فهي زانية”. فقوله: (ليجد الناس ريحها) صريح فيمن قصدها فتنة الرجال إنها عاصية. فاحرص أخي المؤمن على تحصين زوجتك وبناتك وإخوتك بالعفة والطهارة بوقايتهن من معاشر السوء ومجالس السوء وصاحب السوء كيلا تندم على تشجيعك لهن على مثل هذه الحياة البهيمية.

اللهم قنا عذاب النار بإبعادنا عن كبائر معاصيك وصغائرها وثبت قلوبنا على طاعتك.

إدارة السنة

———

الثامن والعشرين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الصبر من شيم الصالحين

قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا } آل عمران. وقال تعالى { إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب } الزمر. وقال تعالى { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الاموال والانفس والثمرات وبشِّر الصابرين } البقرة.

إن الآيات القرآنية التي تحث على الصبر وتبين فضله كثيرة جداً، وقد مدح الله تعالى الصبر لما فيه من منافع متعددة في حياة المرء وما له من الثواب العظيم عند الله عز وجل في الدرجات العلى في الآخرة. والصبر على ثلاثة انواع :

1) الصبر على الشدائد والبلايا أي على ما يزعج النفس من ألم أو أذى أو ضيق معيشة أو حزن يلحق الانسان بسبب مصيبة.

2) الصبر عما حرّم الله أي حَبْسُ النفس عن ارتكاب ما حرّم الله، وهذا النوع أشد على النفس من النوع الاول، لأن النوع الأول من الصبر هو الصبر على الشدائد والمصائب والبلايا والثاني هو الصبر عن المعاصي أي حبس النفس وقهرُها ومنعها عن ارتكاب المعاصي التي حرّمها الله وهذا يحتاج الى مجاهدة اكبر لمنع النفس وضبطها كيلا تتجاوز الحدود.
3) الصبر على أداء ما أوجب الله أي قهر النفس على أداء الواجبات الدينية التي فرضها الله كإقامة الصلاة في وقتها وصيام شهر رمضان وحضور مجالس العلم لتعلم ما فرض الله تعلمه من علم الدين فالاشتغال بهذه الطاعات هو الصبر على أداء ما أوجب الله.

صبر الرسول العظيم
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حرّه بين يديّ فوق اللحاف فقلت يا رسول الله ما أشدّها عليك قال : ” إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء ويُضعف لنا الاجر”. قلت : يا رسول الله أي الناس أشدّ بلاءً. قال : ” الأنبياء ” قلت يا رسول الله ثم من. قال :” ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجدُ أحدهم إلا العباءة يُحَوِّيها وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح احدكم بالرخاء “. رواه ابن ماجة.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ” دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابراهيم (ابن الرسول) وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله. فقال : ” يا ابن عوف انها رحمة. ثم أتبعها بأخرى فقال رسول الله :” إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا وإنا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون “. رواه البخاري.

وعن اسامة بن زيد قال : أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم اليه أن ابناً لي قُبض فأتِنا. فأرسل يقريء السلام ويقول : إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر وتحتسب” فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيُّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع الى رسول الله الصبي ونفسه تُقَعْقِعُ ( تضطرب وتتحرك ) قال حسبته أنه قال ” كأنها شنٌّ ” ففاضت عيناه. فقال سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال : ” هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ ” رواه البخاري.

الدنيا دار بلاء
أخي المسلم، إن الدنيا دارُ بلاء واختبار ودار عمل، والآخرةَ دارُ حساب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إن الله عز وجل يقول إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه (عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة “. رواه
البخاري.

اخي المسلم، إذا ابتليت بمصيبة أو حلت بك نكبة أو فاجعة فكن صابراً محتسباً ولا تفتر عن ذكر الله وقل ” حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم” و ” ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ” وإياك ثم إياك أن تعترض على حكم الله وقضائه وقدره فإن لله ما أعطى ولله ما أخذ، ولا تتسخط على الله فإنك تعيش في ملكه وتأكل من رزقه ولا تستغني عنه طرفة عين ولو شاء الله لقطع عنك الهواء والماء، ولو شاء لخسف بك الارض ولجعلك هباء منثوراً. فيا عجباً من هؤلاء الذين لا يتورعون عن الاعتراض على حكم الله والذين يسارعون الى سب الخالق العظيم أو سب الملَك عزرائيل عليه السلام حين تحل بهم مصيبة في النفس أو المال أو الولد. هل نسي هؤلاء أن فرعون المتكبر الذي قال : أنا ربكم الاعلى ” قد أماته الله وأتباعه بالغرق وان قوم هود اهلكهم الله بريح صَرصَرٍ عاتية. وهل ظن هؤلاء أنهم إذا سبوا الله أو الاسلام أو النبي أو الملَك أو القرآن ولو حين الغضب يُحْيُون ميتا قد مات أو يرفعون عن مريض داء قد حل أو يعيدون مالا قد ذهب وضاع.

ظلم اليهود لعنهم الله
إخوة الاسلام، إن المسلمين في شتى بقاعَ الأرض يذوقون أصنافاً من الجور والظلم ويعانون أنواعاً من النكبات والمصائب والبلايا، وما عانيناه في الماضي القريب من ظلم اليهود ووحشيتهم وما زلنا نعانيه حتى الآن ما هو إلا مثال واضح على المؤامرات المدبرة والمكائد المنظمة، وهذا بلاء عظيم. فهل يجوز للذين نُكبوا وظُلموا وشردوا أن يلجأوا الى الكفر والتسخط على الله، أو هل يجوز أن نقول كما قال البعض ” إن الله يحب اليهود ويفضلهم علينا لذلك نصرهم علينا” لا والله فهذه كلمة كفر ومقالة ضلال ولا نرضى أن نبدل الايمانَ بالكفر والاسلامَ بالشرك، بل نقابل ظلم اليهود والملحدين وكلِ أعداء الاسلام والمسلمين بالجهاد بالنفس والمال والصبر والاعداد. والصبر هنا لا يعني الخضوع والمذلة لهؤلاء الكفرة بل صبرنا نابع من ايماننا بالله وثقتنا بنصره المبين، وهو صبر مقرون بالتصدي لكل عدو للاسلام طامعٍ في بلادنا وطامحٍ في سفك دمائنا.

أخي المسلم، تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” عجبا لأمر المؤمن ان امره كله له خي وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراءُ شَكَرَ فكان خيراً له وإن أصابته ضراءُ صَبَرَ فكان خيراً له ” رواه مسلم.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الصابرين القانتين وأن تثبتنا على الرضى بحكمك وقضائك ونسألك أن ترحمنا وتغفر لنا وتتوفّانا على الايمان.

الخامس عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الامين

الصلاة : افضل الاعمال بعد الايمان بالله ورسوله

قال الله تعالى : { إنّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ ولذكرُ الله اكبر واللهُ يعلمُ ما تَصنعون } سورة العنكبوت/45 .
إنّ الصلاة هي افضل الاعمال بعد الايمان بالله ورسوله. والصلاة من أهم امور الاسلام وهي عماد الدين من أدّاها كما أمر الله بشروطها وأركانها وآدابها تنهاه عن المعاصي والمنكرات وهذا حال قلة من المصلين، والبقية منهم ينتفعون بها ولا بد أن تمنعهم عن بعض المعاصي.

روى الامام احمد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة يوماً فقال : ” من حافظ عليه كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف”. وقد قال بعض العلماء : وإنما يحشر تارك الصلاة مع هؤلاء لأنه إن اشتغل عن الصلاة بماله أشبه قارون فيحشر معه وإن اشتغل عن الصلاة بملكه أشبه فرعون فيحشر معه وإن اشتغل عن الصلاة بوزارته اشبه هامان فيحشر معه وإن اشتغل عن الصلاة بتجارته أشبه أبيّ بن خلف تاجر كفار مكة فيحشر معه.

وأما الحديث الصحيح الذي رواه الامام مسلم ” بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة” فمعناه انّ المسلم الذي يترك الصلاة يكون قريباً من الكفر. فإنّ تارك الصلاة كسلاً ذنبه عظيم وكبير لكنه لا يكون كافراً خارجاً عن دين الاسلام بل هو مسلم فاسق قريب من الكفر. وأما من ترك الصلاة انكارا لفرضيتها فهو كافر ملعون.

تنبيه مهم :
ويتوهم بعض الناس أن الشخص إذا كان يقع في المعاصي فإنّ صلاته غير نافعة وهذا فهم غلط. ولا يجوز القول لمن يصلي ثم يقترف الذنوب ” خير لك أن لا تصلي ” ويحتج البعض بحديث لا صحة له يقولون فيه ” من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ” وحديث لا صحة له أيضا ” من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً “.

وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ستنهاه صلاته ” رواه أنس بن مالك وأبو هريرة.

فائدة :
أما إذا كان هناك شخص كافر يشك في وجود الله سبحانه وتعالى أو يشك في الرسول أو في القرآن أو في الجنّة أو في النار أو وَصَفَ الله بصفة من صفات البشر كأن وصف الله بالعجز أو الجهل أو الفناء، فإنه يجوز أن يقال لهذا الكافر لا تنفعك صلاتك. لأنّ الكافر لا تصح منه جميع الطاعات حتى يتخلى عن كفره. فلو تبرع الكافر لعمل خيري أو أعطى فقيراً مالاً فليس له ثواب في الآخرة على ذلك. قال الله تعالى { وَمَنْ يَعْمَلْ منَ الصالحاتِ من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئكَ يدخلُون الجنَّةَ ولا يُظْلَمون نقيراً } سورة النساء/124
أما لو دخل هذا الكافر في الاسلام بالنطق بالشهادتين بنية التبرؤ من الكفر والدخول في الاسلام فكل حسنة يضاعفها الله له بعشرة أمثالها الى مئة الف وإلى أكثر من ذلك والله يضاعف لمن يشاء.

إنّ المؤمن لو تصدق بنصف تمرة على فقير لله تعالى أو أطعمها طفلاً فإنّ الله قد يعتقه بهذه الصدقة الخفيفة من عذاب النار ولو كانت هذه الحسنة في أعين الناس قليلة. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ رجلاً مؤمناً من أتباع الانبياء السابقين وجد شيئا يؤذي المسلمين في الطريق فأزاحه، وكان هو من أهل الكبائر، فأعتقه الله من النار.

قال الله تعالى : { فويلٌ للمصلينَ الذينَ هُمْ عن صلاتِهِم ساهون } سورة الماعون/5
والسهو هنا هو اضاعة الوقت أي أن يؤخر الصلاة عمداً لغير عذر شرعي حتى يدخل وقت الصلاة الاخرى. والويل هو شدة العذاب.
إذا كان هذا هو حال المصلي الذي يؤخر الصلاة عن وقتها فما هو حال تارك الصلاة.

يا من تتركون الصلاة ويا من تؤخرون الصلاة عن وقتها توبوا الى الله وكلما أخّرتم التوبة كلما تضاعفت الذنوب عليكم بالتأخير فبادروا الى التوبة قبل فواتها فالله يقبل التوبة من أي ذنب { هو الذي يقبلُ التوبةَ عن عبادهِ ويعفو عن السيئاتِ ويعلمُ ما تفعلون } سورة الشورى/25

أخي المسلم، بادر الى نصيحة اخوانك الذين لا يؤدون الصلوات الخمس المفروضة ليلحقوا بركب الصلاح والفلاح، وذكّرهم أن الصلاة هي أفضل الاعمال بعد الايمان بالله ورسوله.

الخامس والستون

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الصلاة نور وبرهان

قال الله تعالى : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا} سورة النساء. أي فرضاً في أوقاتها. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال :” سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم أي الاعمال أفضل. قال:” الصلاة في وقتها. قلت :” ثم أي. قال:” بر الوالدين. قلت : ثم أي. قال :” الجهاد في سبيل الله ” متفق عليه.

أخي المسلم، إن أفضلَ الاعمال وأحبها الى الله تعالى بعد الايمان بالله ورسوله الصلواتُ الخمس وقد استفاضت الاخبار في عظم فضلها وثوابها وبركتها وفي شدة وعيد تاركها ومخرجها عن وقتها بلا عذر.
أما ما ورد في فضلها وبركتها وعظم ثوابها أن من أداها على الوجه الكامل كان له عند الله عهد أن يدخلَه الجنةَ بلا عذاب. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال :” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيُحسن وضوءَها وخشوعَها وركوعَها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله” رواه مسلم. والمراد بالذنوب في هذا الحديث الصغائر. وقال أيضا عليه الصلاة والسلام :” أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دَرَنِه شيء. قالوا : لا يبقى من درنه شيء. قال :” فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ” متفق عليه.

وعلم يا أخي المسلم إن ترك الصلاة أو إخراجها عن وقتها بلا عذر من أكبر كبائر الذنوب.
قال تعالى :”‏{ فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون } الماعون. والمراد بالسهو عن الصلاة هنا تأخيرها عمدا عن وقتها حتى يدخل وقت الصلاة الاخرى. فتوعَّد اللهُ من يخرجها عن وقتها بالويل والويل هو الهلاك الشديد فكيف بتاركها ؟ وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح في وعيد تارك الصلاة أنه يكون يوم القيامة لا نجاة له ولا نور ولا برهان وأنه يكون مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ” رواه ابن حبان. ومع ذلك فتاركها كسلا ليس بخارج من الاسلام بل هو مسلم لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ” ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد أن يدخله الجنة إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ” رواه احمد. فما ورد في الحديث مما ظاهره تكفير تارك الصلاة فهو مُؤول وذلك كحديث ” بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ” رواه مسلم. وليس مراد النبي ان الانسان بمجرد ترك الصلاة يصير كافراً انما المراد أنه يُشبه الكافرَ وذلك تعبير عن عظم ذنبه حيث شَبَّهَه بالكافر الذي لا يؤمن بالله ورسوله.

والصلاة شرعاً أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم والمفروض منها خمس في كل يوم وليلة وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” فرض الله على امتي ليلة الاسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة ” رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم للاعرابي الذي جاء يسأله عما افترض الله عليه من الصلوات ” خمس صلوات في اليوم والليلة ” قال الاعرابي : هل عليّ غيرها. قال :” لا إلا أن تَطَّوع ” رواه البخاري.

1ـ ليس المراد أن تارك الصلاة كسلا يكون في المستقر الذي هو لهؤلاء الاربعة في جهنم الذين هم من رؤوس الكفر، انما المراد أنه يمضي فترة من الوقت معهم يوم القيامة إذلالا له لعظم ذنبه.
والصلوات الخمس فرض على كل مسلم بالغ عاقل طاهر فلا تجب على الصبي أي الولد الذي هو دون البلوغ، والبنت التي دون البلوغ، ولا تجب على المجنون، ولا تجب على الحائض والنفساء كما لا يجب عليهما القضاء. فإذا بلغ الصبي والصبية وجبت عليهما وكذلك إذا أفاق المجنون من جنونه. وإذا انقطع دم الحيض والنفاس وجب الغسل على الحائض والنفساء للصلاة. ولا تجب الصلاة على الكافر الاصلي وجوب مطالبة في الدنيا لعدم صحتها منه ولكن تجب عليه وجوب عقاب في الآخرة لتمكنه من فعلها بالاسلام بأن يسلم ثم يأتي بها.

وإذا صار عمر الولد سبع سنين وجب على وليه أن يأمره بالصلاة أمرا مؤكدا ويعلمه أحكامها وشروطها وأركانها ومبطلاتها ويضربه على تركها إذا صار عمره عشر سنين لقول الرسول صلى الله عليه وسلم :” مُروا أولادكم بالصلاة وهو أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع ” رواه أبو داود. والعبرة بالسنين القمرية.
وإذا كنت ممن وُفقوا الى الصلاة في رمضان فلا تتركها بعد رمضان فإنها حجة لك وبرهان يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأما قضاء الصلوات الفائتة فأمر لا بد منه ولا تسقط بدفع مال ولا كفارة.
وقضاؤها لا يسقط بحج ولا استغفار.
والقضاء الذي في ذمتك أولى من السنن، قال العلماء :” من شغلَه الفرضُ عن النفل فهو معذور ومن شغلَه النفلُ عن الفرض فهو مغرور “.
وأما شروط الصلاة وأركانها ومبطلاتها فنتكلم عنها إن شاء الله في دروس قادمة والله الموفق.

أخي المسلم، تذكر أن هذه الدنيا دار عمل وليست دار جزاء وهي دار بلاء وليست دار نعيم مقيم، فاعمل لآخرتك كأنك تموت إذا فإذا كنت مقصرا في صلاتك فتب الى الله تعالى واعزم في قلبك أن لا تعود لترك الصلاة واقض الصلوات الفائتة يقبل الله توبتك ويغفر لك. فما أجمل أن يكون العبد تائبا الى الله وأعلم أن هذه الدنيا مرزعة الاخرة فاعمل الصالحات اخي المؤمن تجدها ذخرا لك في الاخرة ونوراً يسعى بين يديك يوم تُسلب الشمسُ نورها والقمرُ نوره ولا يبقى إلا نورُ الاعمال الصالحة والحمد لله رب العالمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقِنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب.

2ـ الصبية البنت التي دون البلوغ.
3ـ أي أن لا يناما تحت لحاف واحد متلاصقي العورة عاريين.

الثالث والثلاثون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الصمت وحفظ اللسان

قال الله تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتُهم وأيديهم وأرجلُهُم بما كانوا يعملون}. سورة النور. وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”. متفق عليه. معنى هذا الحديث أنه من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله فليقل خيراً أو ليصمت لأن من آمن بالله حقاً خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعلِ ما أمره به وتركِ ما نهاه عنه، ومن ذلك ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو مسئول عنها كما قال الله تعالى :{ إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كل أولئك كان عنه مسئولا}. سورة الإسراء.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ” رواه الترمذي. فمن علم ذلك لا يسعه إلا تقوى الله فلا يتكلم إلا بخير أو ليسكت.
وهذا اللسان الذي هو من نِعم الله علينا، ينبغي أن يستعمل في ذكر الله وطاعته وفي الحث على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي كل ما يعود على الناس بالنفع والخير. وأما من يطلق العنان للسانه ويسترسل في المعاصي وإيذاء الآخرين به من غيبة وشتم وسب ولعن بغير حق فإنما يوقع نفسه في المهالك.

أشد معاصي اللسان
ولا بد من أن نذكر أن اشد معاصي اللسان وأخطرها على الاطلاق الكفر كسبّ الله وسب الانبياء والملائكة ودين الاسلام وسب القرآن وتحليل أمر حرام معلوم من الدين بالضرورة أنه حرام كمن يقول عن شرب الخمر أو عن الزنا إنه حلال. ومعنى ” أمر معلوم من الدين بالضرورة ” أي أمر ظاهر بين المسلمين يعرفه الجاهل والعالم من المسلمين. ولقد اهتم العلماء بالتحذير من الكفر القولي ومن سائر أنواع الكفر ونصوا على ذلك في كتبهم، ومن هؤلاء الامام النووي رضي الله عنه والشيخ عبد الباسط الفاخوري رحمه الله تعالى الذي كان مفتياً منذ نحو مائة سنة. وقد ثبت عن أحد الصحابة وهو عبد الله بن مسعود أنه أخذ بلسانه وخاطبه : يا لسان قل خيراً تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :” أكثر خطايا ابن آدم من لسانه”.رواه الطبراني. ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنّ العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب”. رواه البخاري ومسلم.

الردة ثلاثة أقسام
والردة أي الخروج من الاسلام. قال الله تعالى { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. سورة البقرة.
والردة ثلاثة أقسام: كفر اعتقادي وكفر فعلي وكفر قولي كما قسّمها النووي وغيره من شافعية وحنفية ومالكية وغيرهم وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم :” إنّ العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً “. رواه الترمذي. أي مسافة سبعين عاماً في النزول وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار. ومعنى ” لا يرى بها بأساً ” أي لا يرى بها ضرراً. فبعض الناس الذين لا يبالون ولا يهتمون بضبط ألسنتهم وحفظها عن الكفر يسارعون الى التسخط على الله عند أي حادث يقع لهم أو مصيبة تحل بهم وهم في الحقيقة يوقعون أنفسهم في الكفر الذي هو أكبر ذنب وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه، قال تعالى : { إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم}. سورة محمد. فماذا يجني هؤلاء الهالكون المتهورون حين يسبون الله ويستهزؤن بالانبياء والملائكة والشرع الحنيف، إنما يكتسبون الخطيئة وفيها المذلة والمهانة والخسران. قال الامام الغزالي رضي الله عنه :” اللسان جِرمه صغير وجُرمه كبير ” وقيل : ” مَثَلُ اللسان مَثَلَ السبع إن لم توثقه عدا عليك”. وقيل للامام ذي النون المصري ” من أصون الناس لقلبه ” قال : ” أملكهم للسانه “. وعلى العاقل أن يفكر في قول الله تعالى { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } (ق) فإنّ من فكر في ذلك علم أنّ كل ما يتكلم به من الجد والهزل والغضب يسجله الملكان فهل يسرُّ العاقل أن يرى في كتابه حين يُعرض عليه يوم القيامة هذه الكلمات الخبيثة ؟ بل يسوؤه ذلك ويحزنه حين لا ينفع الندم. فليعتن بحفظ لسانه من الكلام بما يسوؤه إذا عُرِضَ عليه في الآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” خَصلتان ما إن تجمَّل الخلائقُ بمثلهما حسنُ الخلق وطول الصمت” رواه ابن ابي الدنيا في كتاب الصمت.
التحذير من الكفر
أخي المسلم، ينبغي على كل عاقل أن يستعمل نعمة اللسان التي أنعم الله بها عليه في قول الحق وذكر الله وتلاوة القرآن وفي الطاعات والخيرات حتى يُنور قلبُه وتنجلي عنه الظلمات التي تأتي من كلام الشر وقول الباطل.

وكما أن السكوت في وقته صفة حميدة كذلك فإنّ الكلام في موضعه خصلة محمودة. وأما الذي يطلق للسانه العنان ويتكلم بالباطل والزور والبهتان وقول الحرام ويشتم ويكذب وإذا ما سمع الكفر بأذنيه تراه يسكت عن إحقاق الحق وإنكار المنكر مع قدرته عليه إنما يسعى الى حتفه وهلاكه.

أخي المسلم، إنّ التحذير من الالفاظ التي تدل على الاستهزاء بالله ورسله وملائكته ودينه والتي توقع الشخص في الكفر ليس أمراً مستحدثاً في هذا الزمن، بل إنّ الأئمة الافاضل والعلماء الأجلاّء وأهل الحق منذ مئات السنين كانوا يحذرون من الكفر في مجالسهم وكتبهم ويولون ذلك الاهتمام الكبير، وأما الذين يعيبون في هذا الزمن على الدعاة المخلصين الصادقين الذين يحذرون من الكفر فنقول لهم عودوا الى رشدكم واتقوا الله فيما تقولون وارجعوا الى كتب العلماء ومؤلفاتهم تجدون فيها الرد الشافي على ما تقولون والجواب على ما تتوهمون.

وقد قال ابن حِبَّان : ” يا ابن آدم انصف لسانك من أذنيك واعلم انما جعل لك لسان واذنان لتسمع أكثر مما تقول”.

اللهم إنا نسألك أن تبعدنا عن الكفر والفسوق والفجور والكلام الفاسد ونسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

إدارة السنة

التاسع والخمسون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الظلم ومواجهة الظالمين

قال الله تعالى { فَمَنْ أَظْلَمُ ممن افترى على الله كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاس بغير علم } الانعام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إذا رأيت أمتي تهابُ أن تقول للظالمِ يا ظالم فقد تُودِّعَ منهم” رواه الحاكم في المستدرك.

اعلموا اخوة الاسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا في هذا الحديث على مواجهة الظالم وزجره عن ظلمه ويبين لنا خطورة ترك هذا الامر. فإن الناس إذا تركوا أن يحذروا من الظالم ويزجروه في وجهه فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم أي يقطع نصرتَه عنهم. والرسول تحدث عن أمته أنهم إذا وصلوا الى حالة يهابون فيها أن يقولوا للظالم يا ظالم عندئذ تودع الله منهم أي تركهم الله ووكلهم الى أنفسهم أي قطع عنهم نصرتَه.

وفي هذا الحديث دليل أن من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقال للظالم في وجهه ” يا ظالم ” لزجره ولتحذير الناس منه، لأن الظالم لما يعلم أن بعض الناس تواجهه أمام الناس بوصفه بما فيه يرتدعُ وإن لم يرتدع هو كانت مواجهتنا له عظةً واعتباراً لغيره كي لا يفعل فعلتَه لأنه سيقول في نفسه ” إن أنا فعلت مثله سيخرج لي واحد يحذر مني في وجهي ويفضحني امام الناس “. عندها يكف عن سلوك مسلك هذا الظالم.

أنواع الظالمين
والظالمون أصناف منهم من يأكل أموالَ الناس بالغش والخيانة ومنهم من يأكل أماناتِ الناس ظلماً ومنهم من يتصدر لتدريس الدين وليس هو من أهل العلم فيُحل ويُحرم على هواه دون الاستناد الى مستندٍ شرعي هذا أيضا ظالم لنفسه وظالم لمن عمل بعمله.

الكفر هو رأس الظلم
إن الكفر هو رأس الظلم وأشده وأخطره فقد قال تعالى { والكافرون هم الظالمون } البقرة. أي أن الكافرون بلغوا نهاية الظلم. وقال تعالى { ان الشرك لظلم عظيم } لقمان. وأما ما سوى الكفر من ظلمٍ كأكل أموال الناس بالباطل أو ضربهم بغير حق فهذا قليل بالنسبة للكفر الذي هو أشد أنواع الظلم. وان من يدعو الى ضلالة كفرية أو يخطب في الناس ويدعوهم الى الفتنة في الدين فإن ظلمه هو أشد وأكبر من آكل الاموال بالباطل. ومن قال لشخص ظالم بأي نوع من أنواع الظلم ” أنت ظالم ” بنية زجره ليرتدع أو بنة تحذير غيره منه فلا يكون هذا الناصح المحارب للظلم مسيئا في حكم شرع الله بل له ثواب عند ربه. وهذا مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان “.

الاقتداء بالامام الشافعي
لقد كان الامام الشافعي مُجاهراً بالحق مجابهاً للباطل والظلم شأنه في ذلك شأنَ الأئمة المهدِيين والعلماء العاملينبنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءه ذات يوم رجل يقال له ” حفص الفرد ” فناقشه في مسألة العقيدة وكان هذا الرجل معانداً مكابراً يعتقد اعتقاداً منافياً لشهادة أن لا إله إلا الله ويُشبه اللهَ بمخلوقاته ثم لما أقام عليه الامام الشافعي الحجة والدليل وظل على عناده قال له الشافعي رضي الله عنه ” لقد كفرتَ بالله العظيم ” وكان يسميه حفصاً المنفرد أي الشاذ عن العقيدة الحقة.

لا تلوموا أهل الحق
هذا الامام الشافعي رضي الله عنه الذي هو من أئمة الهدى كان من السلف الصالح توفي سنة مائتين وأربع هجرية، واجه هذا الشخص الضالَّ وقال له في وجهه ” كفرت بالله العظيم ” فهل أحسن الشافعي في ذلك أم أساء !

لأن بعض الناس إذا عرفوا أن عالماً عرف من شخص كفراً فكفَّره بحق يعترضون ويقولون ” أنت تفَرِّقُ الصف، أنت تكفر المسلمين” أما المنصفون فلا يقولون هذا بل يقولون ” إن كان تكفيره بحق ولسبب شرعي فلا حرج عليه ولا لوم ” ومن كَفَّر مسلماً بلا سبب شرعي وبلا تأويل فقد كفر هو.

أخي المسلم، إذا سمعت شخصاً يسب رب العالمين أو نبياً من الانبياء أو ملكاً من الملائكة أو استهزأ بالقرآن أو الصلاة أو الصيام أو استهزأ بالجنة أو النار كقول بعض الناس عن النار ” غدا نتدفأ فيها ” فلا تستح أن تأمره بالشهادتين بنية الدخول في الاسلام وفي ذلك خير ولا حرج ولا لوم عليك إن أنت قلت له مع الحكمة ” أنت وقعت في الكفر فيجب أن تعود الى الاسلام بالنطق بالشهادتين .

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
قال الله تعالى { ادعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ” النحل. ودعوة الناس الى الاسلام تكون بالاسلوب الحسن وبالحكمة فمن علمتَ منه ضلالاً وكان بحيث إذا كلمتَه بحضرة أناس يزداد تكبراً وعناداً فلا يصغي لكلمة الحق، ولو كلمته سراً يصغي للحق ويرجع عن غَيه وضلاله فإن هذا يُكلَّم سراً حتى يُصلح ما أفسده وإن كان قد علّمه لبعض الناس حذرهم مما أوقعهم فيه من الضلال من قَبل. وقد قال سيدنا الحسن رضي الله عنه ” العار خير من النار ” رواه الحافظ ابن حجر. وأما من عُرف عناده وكان لا يرجع لو أقيمت عليه الحجة في وجهه فهذا يقال له من باب التحذير منه ” أنت كذبت القرآن أو أفتيت بغير ما أنزل الله ” كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول للظالم أنت ظالم، وان هذا التحذير ليس مستنكراً عند أهل العلم بل هو عين الحق.

وإن قال قائل ” أليس جاء في سيرة الرسول أنه كان إذا أراد أن يحذر شخصاً من شيء يقول :” ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا “. من غير أن يسميهم. فالجواب على ذلك ان هذا إذا كا ن الشخص يكتفي بمجرد التحذير منه من غير تسميته أو إذا كنا نأمن أن لا يصل ضرره الى الغير. أما إذا كان تعدّى ضرره بأن اقتدى به أناس في ضلاله فإننا نُصَرِّحُ باسمه ونحذر منه إن لم يتب حفاظاً على دين الله وهذا أولى من مداهنة الناس على حساب الشرع فقد أمرنا رسول الله أن نقول للظالم يا ظالم.

الساكت عن الحق شيطان أخرس
أخي المسلم، إن ترك مواجهة الشخص الظالم بالمرَّةِ في جميع الحالات وعدم زجره عن الظلم ولو في وجهه أو نحو ذلك من العبارات يُعدّ إهمالاً وإعراضاً عن الحقيقة التي كان عليها رسول الله والصحابة والتابعين. وقد توعَّد الله من يترك مواجهة الظالم لغير عذر بأن يقطع عنه نصرتَه.

فلا تخشَ أخي المسلم في الحق لومة لائم ولا سخط مخلوق.

وقد قال احدهم في مدح النبي المصطفى :

ان صَحَّ منكَ الرضا يا من هو الطلبُ
فلا أُبالي بكل الناس إن غضبوا

قصدي رِضاك من الدنيا بأجمعها
يا من اليه جميع الحُسن ينتسب

الواحد والعشرون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين.

العقيدة الحقة

قال الله تعالى { هو الأولُ والآخِرُ والظاهرُ والباطنُ وهو بكلِ شيءٍ عليم } سورة الحديد/3
إنّ الناظر المتأمل في بدائع المخلوقات وعجائب المصنوعات يجد الآيات البينات والدلائل الدالة على وجود الخالقِ الواحد وقدرته ونفوذِ مشيئته وظهورِ عظمته. وإنّ خالق هذا العالم الذي أبرزه من العدم الى الوجود لا بد أن يكون متصفا بصفات الكمال التي تليق به والتي لا تشبه صفات المخلوقات.

فنحن علمنا مخلوق لا نعلم كل شيء، وقدرتنا مخلوقة لا نقدر على كل شيء ومشيئتنا مخلوقة تتغير وتتبدل. أما الله سبحانه وتعالى فإنّه علم بعلمه كل شيء ولا يخفى عليه شيء ، ويَقْدِرُ بقدرته على كل شيء لا يعجزه شيء. ولا يحصل شيء في العالم إلا بمشيئة الله التي لا تتغير ولا تتبدل ، قال تعالى { وما تشاؤونَ إلا أن يشاءَ اللهُ ربُّ العالمينَ } سورة التكوير/29

والله سبحانه موجود لا بداية لوجوده، قال تعالى { هو الأول } أي هو الذي لا بداية لوجوده.

ما جاء في بدء الخلق :

جاء وفد من اليمن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له : ” يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين فأنْبِئْنا عن بدء هذا الامر ما كان ” فقال عليه الصلاة والسلام ” كان الله ولم يكن شيء غيره ” رواه البخاري. لقد أجاب الرسول على سؤالهم بأنّ الله لا بداية لوجوده ، أي أزلي ، ولا أزلي سواه. وبعبارة أخرى : ففي الأزل لم يكن إلا الله تعالى ، والله تعالى خلق كل شيء. ومعنى خلق كل شيء : أنّه أخرج جميع المخلوقات من العدم الى الوجود.
الله حي لا يموت

والله سبحانه حي لا يموت ، لا نهاية لوجوده لا يطرأ على الله العدم. لأنّ من يطرأ عليه العدم يكون مخلوقا أي له بداية. قال تعالى { هو الأول والآخر } الله هو الآخر أي أنّ الله أبدي لا يفنى ولا يموت. وليس معنى { الآخر } أنّ الله ينتهي وجوده بعدما ينتهي وجود كل شيء.

الله هو الظاهر.
وأما قوله تعالى { والظاهر } فمعناه أنّ كل شيء يدل عقلا على وجوده. قال احدهم :

فيا عجباً كيف يُعصى الالهُ
أم كيف يجحده الجاحدُ

وفي كل شيءٍ له آيةٌ
تدلُ على أنّه واحدُ

إنّ الله سبحانه وتعالى ظاهرٌ بآياته أي ظاهر بدلائل وجوده. قال تعالى { أَفَلَمْ يَنْظُروا الى السماءِ فوقَهم كيفَ بنَيْنَاها وزيَّنَّاهَا وما لَها من فُروج } سورة ق/6 وقال تعالى { اللهُ الذي خلقَ سَبْعَ سمواتٍ وَمِنَ الأرضِ مثلَهُنَّ ، يَتَنَزَّلُ الأمرُ بينَهنّ لتَعلموا أَنَّ اللهَ على كل شيءٍ قدير وأنّ اللهَ قد أحاطَ بكلِ شيءٍ عِلماً} سورة الطلاق/12

ايها الانسان، إنّك إذا تأملت هذا العالم بفكرك وجدته كالبيت المبنيِّ المعدِّ فيه جميع ما يُحتاج اليه فالسماء مرفوعة كالسقف والأرضُ ممدودة كالبساط والنجوم منصوبة كالمصابيح. وإنك إذا نظرت إلى ما هو أدنى إليك وهي نفسك رأيت فيها من العجائب والآيات الشيء الكثير. وكذلك إذا نظرت الى مستقرك وهو الأرض واطلت النظر في استرسال ذهنك فيما جُعل فيها وعليها من جبال شامخات وما أحيط بها من بحار وما جرى فيها من أنهار.. ثم إذا نظرت الى سَعتها وسَعة الشمس متذكراً أنّ الشمس والقمر والنجوم قد حَوَتها السماء، فما عساك تقول حين تتأمل وتتفكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم ؟! أليس الله ظاهراً بآياته !! أليس كل شيء يدل عقلا على وجوده ، بلى. فكيف ينكر المنكر ويجحد الجاحد ! إنّ في انكار وجود الله إهدارٌ لقيمة البرهان العقلي وتضييعٌ لنعمة العقل.

الله هو الباطن
وأما قوله تعالى { والباطنُ } فمعناه أنّ الله لا تُدركه الأوهام والتصورات فمهما فكّر الانسان ليدرك ذات الله لا يصل الى ذلك لأنّ ذات الله لا يشبه ذواتنا والله سبحانه لا يشبه المخلوقات ولا يوصف الله بصفة من صفات المخلوقات لا يوصف بالهيئة ولا الصورة ولا الشكل ولا الطول ولا العرض ولا اللون لأن هذه صفات تتصف بها المخلوقات والله لا يشبه المخلوقات.

قال تعالى { ليس كمثلهِ شيء } سورة الشورى/11 وقال تعالى { وللهِ المثلُ الأعلى } سورة النحل/6
أي لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره. هذا الذي يجب علينا اعتقاده في حق الله. وهذه هي العقيدة الحقة الصحيحة التي كان عليها السلف الصالح. وكل اعتقاد فيه تشبيه الله بالمخلوق يكون كفراً والعياذ بالله كمن يعتقد أنّ الله جسم أو أنّ الله كتلة نورانية كبيرة. فالاعتقاد الصحيح أنّ الله سبحانه هو خالق الاجسام وخالق الضوء وخالق كل شيء ولا يشبه شيئاً من مخلوقاته { ليسَ كمثلهِ شيء }.

أخي المسلم ، كان الائمة رضوان الله عليهم والعلماء الأجلاء يهتمون بأمور العقيدة الإسلامية ويولونها الاهتمام الاكبر. وقد ألّف الإمام الجليل أبو حنيفة رضي الله عنه خمسة كتب في علم التوحيد : ” الفقه الاكبر ” و ” الفقه الابسط ” و ” العالم والمتعلم ” و ” الوصية ” و ” الرسالة “. ويقول في ” الفقه الاكبر ” : ” إعلم أنّ الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام ” أي أنّ الفقه المتعلق بمعرفة الله ورسوله أفضل من الفقه المتعلق بالاحكام. ويقول الامام ابو الحسن الاشعري ” أول ما يجب على العبد العلم بالله ورسوله ودينه ” ويقول الإمام الشافعي ” أحكمنا هذا قبل ذاك ” أي أَتْقَنَّا علم التوحيد قبل علم الفروع.

نسأل الله أن يثتبّتنا على هذه العقيدة الحقة وأن يثبّتنا على حراستها والدعوة إليها وأن يعيننا على نشر علم التوحيد.

إدارة السنة

الخمسون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الغيبة المحرمة : من الامراض الهدامة

قال الله تعالى { ولا يَغْتَبْ بعضُكم بعضاً أيحبُ أحدكم أن يأكلَ لحم أخيه مَيْتَاً فكرهتموه واتقوا اللهَ ان الله تواب رحيم } الحجرات.

اخي المؤمن اعلم انه على كل مكلف أن يحفظ لسانه عما حرم الله فإن اللسان كما قال الامام الغزالي رحمه الله ” نعمة عظيمة جِرمُه صغير وجُرْمُهُ كبير ” ثم إن الكلام هو أكثر أفعال الانسان فلزم مراقبة اللسان لأن كثرة الكلام ولو في المباح قد تجر الى الحرام أو المكروه.

وقد تفشت في مجتمعاتنا عادة قبيحة بل ومرض هدام يفتك بصاحبه ويفرق بين الاهل ويباعد بين الاحباب ويكون سببا في البغضاء والتشاحن وهذا المرض هو الغيبة فكان لا بد من تعريف الغيبة وبيان حكمها والتحذير من الوقوع فيها. ان في الآية التي ذكرناها آنفا نهي صريح عن الغيبة وتحذير بليغ. فقد شبَّه اللهُ تبارك وتعالى غيبةَ المؤمن كأكلِ لحمه ميتاً وكفى بها زاجراً عن مثل هذا الاثم القبيح.

أحاديث في النهي عن الغيبة
وعن ابي موسى رضي الله عنه قال : قلتُ يا رسول الله أي المسلمين أفضل ؟ قال : ” من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ” متفق عليه. يتبين لنا في هذا الحديث صفة المؤمن الكامل الذي يَسْلَم المسلمون من لسانه بحيث يجتنب غيبة أحد من المؤمنين ولا يشتمه ولا يقذفه (والقذف هو ان تتهم مسلماً عفيفاً بالزنا ) ولا يبطش بيده فيما حَرُمَ فلا يضرب مسلماً بغير حق ولو زوجته أو غلامه. وفي هذا الحديث أيضا تعريف للمسلم التقي المتحلي بالاخلاق الحسنة الحميدة التي حضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على التخلق بها.

وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لما عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال ” هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس (أي يغتابوهم) ويقعون في أعراضِهم ” رواه أبو داود.

وقد عَرّفَ الرسول صلى الله عليه وسلم الغيبة لما سئل عنها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أتدرون ما الغيبة؟ قال : ” الله ورسوله أعلم ” . قال :” ذِكْرُكَ أخاك بما يكره ” قيل ” أرأيت ان كان في أخي ما أقول ” قال : ” إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ” رواه مسلم. فالغيبة التي حرمها الله أن تذكر أخاك المسلم بما فيه من العيوب وهو يكره أن تذكرها. وأما البُهتان فهو ذكرك أخاك المسلم بما ليس فيه بما يكرهه. وإثم البهتان أشد من إثم الغيبة.

حُكم سماع الغيبة :
وليُعْلَم أنه كما يحرم قول الغيبة فإنه يحرم سماعها أيضا فقد قال الله تعالى في وصف المتقين { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } القصص. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من رَدّ عن عِرْضِ أخيه ردّ اللهُ عن وجهه النارَ يوم القيامة “. رواه الترمذي. وفي هذا دليل على حُرمة سماع الغيبة فمن حضر مجلساً يشتغل أهله بالغيبة والوقوع في أعراض الناس فعليه أن ينهي عن الغيبة إن كان مستطيعاً بالقوة وإلا فبلسانه وإلا فارق المجلس منكراً بقلبه ولا ذنب عليه.

الاحوال التي تباح فيها الغيبة :
واعلم، أخي المسلم، أن الكلام الذي فيه ذكر أخيك المسلم بما فيه بما يكرهه للتفكه والتسلية هو الغيبة المحرمة والغيبة لا تباح إلا لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول اليه إلا بها :
– كالتظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم الى القاضي وغيره ممن له ولاية أو قدرة على انصافه من ظالمه فيقول : ظلمني فلان بكذا.
– أو ما يكون لسبب الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي وزجر مرتكبها فيقول لمن يقدر على إزالة المنكر: فلان يعمل طذا فازجره عنه، ونحو ذلك ويكون مقصوده التوصل الى إزالة المنكر ولا يكون مقصوده فضحه والطعن به وتهشيمه.
– وتجوز الغيبة للاستفتاء كأن يقول للمفتي : ظلمني أبي أو أخي أو زوجتي أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ورفع الظلم عني ؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة.
– وتجوز الغيبة أيضا لتحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم ومن ذلك المشاورة في مصاهرة انسان أو مشاركته أو ايداعه امانة أو معاملته بغير ذلك ومجاورته، بل يجب على المستشار أن يكشف حال من يسأل عنه إذا كان في السكوت عنه ضرر فيذكر المساوىء التي فيه بنية النصيحة.

التحذير من المتعالِمين الغشاشين :
أخي المسلم، لو أنك علمت أنه يوجد قاطع طريق يقطع على الناس طريقهم ليلاً ويسلبهم أموالهم أو يقتلهم فما عساك أن تفعل إنْ علمتَ أن مسلماً يريد أن يسلك هذا الطريق ؟ أليس الواجب عليك أن تحذره وتخبره بوجود قاطع الطريق أم أنك تسكت عن ذلك ؟ وتعلم أنه بسكوتك يلحقه ضرر ولو نصحته لقَبِلَ منك. فإنك إن سكت حينئذ فأنت آثم مذنب.

وكذلك الامر إذا علمت بوجود شخص يدَّعي العلم ويتصدر مجالس التدريس باسم الدين وتصدر منه فتاوى باطلة غير شرعية ويتفوه بكلام مخالف لكتاب الله ولكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وقد التف حوله اناس يُعظمونه ويتلقفون عنه كل ما يقول ولو كان مخالفا لشرع الله فهل عساك تسكت مع القدرة على الانكار ؟ أم أنه يجب يجب عليك أن تنصح الناسَ وتحذرهم منه وقد قال الصوفي أبو علي الدقاق رضي الله عنه ” الساكتُ عن الحق شيطان أخرس “.
إذا فالتحذير مما يوقع في النار في الآخرة أولى وأهم من التحذير من أمر يضر المرء في دنياه.

أخي المسلم، إن كثيرا من المشاكل التي نعانيها في مجتمعاتنا يرجع سببها لتلك المجالس التي تُعقد للكلام في أحوال الناس وعيوبهم وكل ذلك لمجرد التفكه والتسلية وقد كان الاولى بمرتكبي الغيبة المحرمة أن يشتغلوا بعيوبهم عن عيوب الناس وأن يكفوا ألسنتهم عما حرم الله إذن لقلَّت المشاحناتُ والخصوماتُ وصَفَت القلوبُ وتقاربت.

أخي المسلم، امنع جاهداً باذلاً غايةَ وسعك في حفظ لسانك عما حرم الله وتجنبِ الغيبة المحرمة وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” أكثر خطايا ابن آدم من لسانه ” رواه الطبراني.
وقوله صلى الله عليه وسلم لطالب النصيحة :” عليك بطول الصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر دينك “. رواه ابن حبان.

اللهم عافني في جسدي وعافني في بصري واجعله الوارثَ مني لا إله إلا أنت الحليمُ الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم.

السابع والثلاثون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الكِبْرُ : ردُّ الحق وغَمْطُ الناس

قال الله تعالى : { تلك الدارُ الآخرة ُ نجعلُها للذين لا يريدون عُلوّاً في الارضِ ولا فساداً والعاقبة للمتقين}. (القصص).
وقال تعالى : { ولا تصعِّر خدَّك للناسِ ولا تمشِ في الأرض مَرَحاً إن الله لا يُحب كل مُخْتالٍ فَخُور}.(لقمان)

إخوة الاسلام اعلموا، رحمكم الله بتوفيقه، أنّ الكِبْرَ صفةٌ مذمومةٌ. وقد نهى الله في القرآن الكريم بآيات منها ما ذكرناه، وقد بين لنا رسوله الكريم في أحاديثٍ كثيرة معناه وعاقبتَه وإن الكِبْر يكون في كثير من الاحيان سبباً لمشاكلَ تعترض الكثيرين في حياتهم الدنيوية فضلاً عما يؤدي بصاحبه اليه من العذاب الاليم في الآخرة.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذم الكبر وتعريفه “ لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من كِبْر”. (أي لا يدخل الجنةَ مع الاولين)، والذرّة أي الهَبَاءُ الذي يُرى عند دخول ضوءِ الشمسِ من الكوة الى الغرفة المظلمة) فقال رجل : إن الرجلَ يحب أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسناً قال ” إنّ الله جميلٌ يحب الجمال” (أي أنّ الله مُحْسِنٌ أو جميل الصفات يحب المؤمنَ الحسنَ الخُلقِ ولا يحرم عليه الاعتناء بنظافة ثوبه وبدنه لأن النبي قال ( الكبر بطر الحق وغمط الناس) رواه مسلم. ومعنى بطر الحق: دفعه وردُّه على قائله. ومعنى غمط الناس: احتقارهم.
وورد ايضا أن النبي قال : ” ألا أخبركم بأهل النار كلُّ عُتًلٍّ جَوَّاظ مستكبر” متفق عليه. والعُتُلُّ هو الغليظ الجافي، والجوّاظ هو الجَموع المَنوع أي المُتكالب على جمع المال من أي طريق كان من حلال أم من حرام. والمَنوع هو الذي يمنع دفع المال في ما أوجبه الله فيه كالذي لا يدفع الزكاة الواجبة عليه بعد استحقاقها لغير عذر.

بطَرُ الحق وغَمْطُ الناس
ويُفهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المتكبر هو الذي يرد الحق على قائله وهو يعلم أنه محق إما لكونه صغيراً أو فقيراً أو تلميذاً أو ضعيفاً أو نحو ذلك فيقول في نفسه ” كيف ارجع عن رأيي لقول هذا التلميذ أو الصغير وأنا أكبر سناً منه “. فلو أنّ صغيراً تلقى العلم الشرعي الصحيح ثم رأى رجلا كبيرا في السن أخلّ بركن من أركان الصلاة أو بشرط من شروطها أو في وضوئه فنصَحَه نراه يتكبر عن قبول الحق من قائله ويعظم في نفسه أن يقبل هذه النصيحة. أو كما يحصل من بعض الآباء حيث لا يقبلون نُصح ابنائهم ظناً منهم أنه في ذلك إظهاراً لضعفهم وكأنهم يرون أنه لا يُتصور ان يُخطئوا في أمر ويصيب أولادهم فيه ولو أنهم عرفوا عاقبةَ المتكبر وما يجد من عذاب لما تأخروا عن قَبول النصيحة لحظة.
ومن الكِبْرِ استحقارُ الناس وهو ان يستعظمَ المرءُ نفسَه فيرى الناسَ دونُه وهو فوقهم وأفضل منهم.
وللكِبْرِ صور منها اسبالُ الثوب للخيلاء أي للفخر فهذا حرام كعادة بعض الملوك والأغنياء من تطويل الثوب وجرّه على الارض فقد قال تعالى : {وثيابك فطهِّر}. قال طاووس رضي الله عنه وهو من التابعين أي وثيابك فقصر فإن تقصير الثياب طهرة له، والنبي صلى الله عليه وسلم :” ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار” رواه البخاري. أي إن كان بقصد التكبر والفخر اما من طال ثوبه ونزل عن كعبيه ولم يقصد به التكبر والفخر والخيلاء فلا يدخل في ذلك المعنى فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم :” من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة (أي أنه يستحق العذاب الشديد) فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه :” يا رسول الله إن أحد شِقّي إزاري يسترخي إلا أن اتعاهد ذلك منه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “ لست ممن يصنعه خيلاء “ رواه البخاري.

ما ورد في وعيد المتكبرين :
وورد في الحديث الصحيح عن وعيد المتكبرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “ بينما رجل يمشي في حُلَّة تعجبه نفسه مُرَجِّلٌ رأسه (أي ممشطه ومصففه) يختال في مشيته (أي يمشي مشية المتكبرين) إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الارض الى يوم القيامة “. رواه البخاري ومسلم. أي هو يغوصُ في الارض وينزل فيها الى يوم القيامة.

وأما يوم القيامة فقد ورد عن عذاب المتكبرين في ذلك اليوم أنهم يحشرونَ كأمثالِ الذرِّ (أي النمل الاحمر الصغير) على صور الرجال يطؤهم الناس يأقدامهم ولا يموتون وذلك بعد أن ذاقوا الموت في الدنيا.

واعلم أخي المسلم، أن من الكِبر ما هو كُفر ككِبر بعض المشركين إذ أنهم عرفوا أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بالحق ومع ذلك ردوا دعوتَه وعارضوه كيلا يقال عنهم تركوا ما كان عليه آباؤهم وهم أسياد عندهم واتبعوا النبي الامي بدعوى أن من اتبعه غالبهم من الفقراء والضعفاء.

تصفية القلوب من هذا الداء:
فاحرصوا عباد الله على تصفية قلوبكم من هذا الداء المفسد والصفة المذمومة. من كان على هذا الخُلُقِ الذميم فليداوِ نفسه الأمارة بالسوء بخدمة الفقراء والمحتاجين من المسلمين وبتركِ التعالي عليهم والالتزامِ بقَبولِ الحق سواء كان صادراً من كبير أو صغير، وحقير أو أمير، إذ لا يخفى ما في منزلة التواضع من شرف عظيم وقدر رفيع، كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”. رواه مسلم. وكان يقول وهو سيد المتواضعين وإمام المتقين ” اللهم احيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين”. رواه الترمذي وابن ماجة. والمراد بالمسكنة هنا التواضع. وإنّ لنا في سيرة الاولياء والصالحين صورا مشرقة ونماذجَ طيبة في التواضعِ وخَفضِ الجناحِ وخدمةِ الفقراء والمحتاجين. وها هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قولته المشهورة حين تبين له صواب كلام امراة ” أخطأ عمر وأصابت امرأة”. ولم يقل في نفسه أنا أمير المؤمنين فكيف أتراجع عن رأيي وآخذ بكلام امرأة.

يا نفسُ توبي فإنّ الموتَ قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا
في كل يوم لنا ميتٌ نشيِّعه ننسى بمصرعه آثارَ موتانا
مضَى الزمانُ وولّى العمرُ في لعبٍ يكفيك ما قد مضَى قد كانَ ما كانا

أخي المسلم، عوِّد نفسك على التواضع وعلى قبول الحق كائنا من كان قائله، واياك والتكبر على عباد الله فإنّ التكبر داء مفسد خطير وصاحبُه لِهواه أسير.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكِّها انت خيرُ من زكّاها انت وليُّها ومولاها.

الثالث والستون

الحمد لله الذي تنزَّه عن التشبيهِ والمثيلِ والنظير. فسبحانه مِنْ عزيزٍ لا مكانَ يحده ولا عقلَ يُدركه ولا وَهْمَ يُصوره وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الله ليسَ كمثله شيء

قال الله تعالى :{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} سورة الشورى.
أما بعد، فقد نقل الامامُ ابو القاسم عبد الكريم القشيري في رسالته والامامُ الرفاعي في كتابه البرهان المؤيد عن الامام جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : ” من زَعَمَ أنَّ اللهَ في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان مُحْدَثاً أي مخلوقاً”.

اعلم اخي المسلم، أن طلب علم الدين فرض عين بحيث لا يجوز لكل مكلف جهله. وإن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعدَ أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع واعتقدوا ما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيلٌ ولا تعطيلٌ وعرفوا ما هو حقُّ الله عليهم.
ولأهمية هذا البحث اشتغلوا بتأليف الرسائل العلمية في توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين لأن من وقع في التشبيه والتجسيم يكون خارجا من دين الاسلام. قال الامام ابو القاسم القُشيرى :” فيجب على المكلف أن يُحَصِّلَ من العلوم ما يصحح به عقد توحيده لكي لا يستهويه الشيطان بوساوسه ثم يُحَصِّل من علوم الشرع ما يؤدي به فرضَه ليكون بناءُ أمرِه على أساسٍ مُحكم.

فعليك أخي المسلم بملازمة الشرع بأمر الظاهر والباطن وسلم نفسك من الرياء في العمل فاحضر مجالس العلم قبل الاشتغال بالذكر اللساني وتلاوة القرآن.

سُئل بعض العارفين عن الخالق فقال للسائل :
1ـ إن سألت عن ذاته فليس كمثله شيء.
2ـ وإن سألت عن صفاته فهو أحد صَمَد لم يَلد ولم يُولد ولم يكن له كُفواً أحد.
3ـ وإن سألت عن اسمه فهو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم.
4ـ وإن سألت عن فِعله فكل يومٍ هو في شأن.

1ـ فذات الله أي حقيقة الله لا يُشبه الأجسام ولا سائر المخلوقات.
2ـ وصفاتُ الله ليست كصفات المخلوقين فهو يسمع بدون أذنٍ ويُبصر بدون حدقةٍ ويتكلم بدون لسانٍ وشفتين وهو حيّ بدون دم وروح.
3ـ وأسماء الله تعالى كلها تدل على الكمال. لذلك أفتى شيخ الازهر الشيخ سليم البشرى رحمه الله أنه لا يجوز ذكر الله بآه. لأن آه للشكاية والتوجع ولا نسمى الله إلا بما سمى به نفسه ولا نُطلق عليه العقل المدبر ولا الريشة المبدعة ولا مهندس الكون الاعظم ولا مثيلاتها مما هو من معاني المخلوقات.
4ـ والله فعال لما يريد فقوله { كُل يوم هو في شأن } سورة الرحمن. معناه يرفع قوماً ويضع آخرين ويُغني قوماً ويُفْقِرُ آخرين ويُعافي قوماً ويبتلي آخرين ويُحيي قوما ويُميت آخرين وهكذا. وليس معناه أن الله يتطور ويتبدل من حال الى حال.
والانسان الموحد هو الذي الزم قلبه وجوارحه موافقة مقتضى القرآن والسنة النبوية المطهرة من غير اعتراض ولا جحود ولا يُشَبِّهُ الخالقَ بالمخلوقين. وفي هذا يقول إمامنا الشافعي رضي الله عنه :
من انتهَضَ لمعرفةِ مُدبِره فانتهى الى موجودٍ ينتهي اليه فكره فهو مُشَبِّه.
وإن اطمأنَ الى العَدَمِ الصرف فهو مُعَطِّل.
وإن اطمأنَ لموجودٍ واعترف بالعجز عن ادراكه فهو مُوَحِّد.
وقد قال الامامُ عبد القاهر ابو اسحق البغدادي الاسفراييني ” المُشَبِّهة مُجَسِّمة والمجسمة كفار” ذكره في كتابه أصول الدين.
لذلك لا يجوز حمل الآيات المتشابهات على ما يقتضى اثبات الجلوس والحدقة والاذن واليدين الجارحتين والانتقال من مكان الى آخر في حق الله تعالى لأن هذه من صفات المخلوقات.
وأشنع الكفر التعطيل وهو نفي وجود الله تعالى وهو كفر الشيوعية الملاحدة.

وأما من فكر بعقله في نفسه وقال : أنا لم أكن موجودا ثم وُجِدتُ إذاً أنا لا بد لي من مُوجِدٍ وهو الله الذي ليس كمثله شيء ولا يُشْبِهُهُ شيء ويستحيل أن يكون مُشابهاً لشيء من المخلوقات، فهذا هو المسلم الموحد.

فاحذر أخي المسلم من الذين يتصدرون للتعليم وجذبِ القاصدين قبل تحصيل القدر الضروري من علم الدين لعدم اهليتهم لما دخلوا فيه وحَذِّر منهم فإنك مُطالب بالحرص على الشريعة وصونها عن التحريف والتبديل ولو بالتحذير منهم. واصرف الغالي والنفيس في سبيل تلقي العلوم والمعارف من العلماء العاملين الذين يَغَارون للدِين ويشفقون على المُريدين فيعلمونهم معرفةَ الله رب العالمين.

واعلم أن العالم العابد أشد على الشيطان من الجاهل المتنسك.
فالاول يصرف عن نفسه وساوسَ الشيطان إمتثالاً لأمر الرحمن.
والثاني يُكثر من الاعمال مع الجهل والغرق في الأوحال ويعتقد في نفسه أنه من أهل الكمال.
وهمّة العلماء العاملين في التلقي والتعليم والوعظ والارشاد لا تصرفهم عن مزاولة المهن أو الصناعة أو التجارة للكسب الحلال ولأداء النفقة الواجبة عليهم.
وهم بهذا الشرف الرفيع الذي هو طلب علم الدين وتعليمه الناس لا يصيرون متعلقي القلب بما في أيدي الناس ولا يتكبرون على من دونهم في العلم بل زادهُم العلمُ شرفاً والعملُ به زَيَّنَهم بالتواضع.
روى أبو سعيد الخدرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلف البعيرَ وينظف البيت ويخصف النعلَ ويرقعُ الثوبَ ويحلبُ الشاةَ ويأكل مع الخادم ويطحن معه إذا تعِبَ وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق الى أهله وكان يصافح الغني والفقيرَ ويُسَلِّم مبتديا ولا يحتقر ما دُعِى اليه ولو إلى حشف التمر وكان هين المؤنة لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه بساماً متواضعاً من غير مذلة جواداً من غير سرف رقيقَ القلب رحيما بكل مسلم لم يتجشأ قط من شبَعٍ ولم يمد يدَه الى طمع.

اخي المسلم، إن الايمان بالله ورسوله هو أفضل الاعمال عند الله تعالى وأن توحيد الله يكون بتنزيهه عن مشابهة المخلوقات. وتذكر دائما قول الله تعالى :{ ولم يكن له كفوا احد } وقوله تعالى :{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }. وتمسك بالعقيدة الاسلامية الصحيحة التي لا عقيدة حقة سواها واياك والانحراف في مزالق الضلال والكفر.

اللهم انفعنا ببركة أنبيائك وأوليائك وأحبابك واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان وارزقنا الهمةَ لحضور مجالس علم الدين عند أهل العلم والمعرفة وهذّب نفوسنا وغَيِّر الحال إلى الأحسن بهمة العلماء العاملين يا رب العالمين.

السادس والاربعون

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.