رسالة التعاون على النهي عن المنكر

 

 

فصل في بيان أن اللفظ الصريح في الكفر لا يؤول 

ولا يغتر بما يفعله بعض المنتسبين إلى العلم اليوم وذلك أنهم يؤولون الكلام الكفري الصريح حتى إن بعضهم قال لي إذا قال الشخص انا الله يؤول. وكان أحدهم وهو من المشاهير سئل عن هذا البيت الذي يقوله بعض أهل الشام من المنتسبين للطريقة الشاذلية عندما يقفون في حلقه الذكر.   فــمـا فـي الــوجــود ســوى واحــد ولــكن تــكثـر لــما صــفا  فأفتى بأن هذا لا يجوز وأنه كفر لا تأويل له ثم راجعه من يعز عليه وألح عليه وكان متولعا بهذه الحضرة فرجع عن فتواه الأولى مع أن هذا البيت فيه نسبة التغير إلى الله حيث إنه مذكور فيه ان الله لما صار صافيا صار كثيرا وفيه عقيدة الوحدة المطلقة وفيه نسبة الانتقال من الكدرة إلى الصفاء إلى الله تعالى ؛وكل هذا كفر صريح . والعلماء قالوا اللفظ الصريح لا يؤول؛ قال حبيب بن ربيع أحد كبار المالكية (1) : (( ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل ))  اهـ

وقال الأردبيلي الشافعي في كتابه (( الأنوار)): ((من قال أنا الله مازحا كفر )) . وفي (( الفتاوى الهندية)) (2) أن الإمام محمد بن الحسين قال في رجل قيل له ألا تخاف الله فقال لا وكان على معصية ظاهرة إنه يكفر لأنه لا يمكن التأويل ؛ وأما لو قال هذه المقالة في أمر ليس فيه معصية لا يكفر وعلل تكفيره في الحال الأول بأنه لا يمكن التأويل؛ وقال فيمن قيل له اتق الله ولم يكن على معصية فقال لا أخافه لا يكفر لأن له تأويلا أي أني ما علمت معصية فأخاف عقوبته. وقال أمام الحرمين (1) : (( اتفق الأصوليون على أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا )) وأقرهم على ذلك يعني إن كانت توريته بعيدة لأن التورية القريبة تدفع التكفير عن صاحبها لكون اللفظ غير صريح

وأما إن كان اللفظ له اكثر من معنى وبعض معانيه كفريا وبعضها غير كفر يفتيه المفتي بالكفر إلا إذا علم أنه أراد بهذا اللفظ المعنى الكفري وقد قال الإمام المجتهد محمد بن الحسين الشيباني صاحب أبي حنيفة فيمن قيل له صل فقال لا أصلي إن أراد بقوله لا أصلي أنه لا يصلي كسلا لايكفر وإن اراد لا أصلي لأجل انك امرتني لا يكفر وأن اراد لأني قد صليت لا يكفر وأن أراد لا تجب علي الصلاة كفر.  هذا هو المقرر عند فقهاء الشافعية والحنفية وغيرهم قالوا أن اراد الشخص بلفظ المعنى الكفري لا تنفعه فتوى المفتي بغيره فتبين امرأته منه. وقال بعض الحنفية فإذا فعل الشخص فعلا مختلفا في كونه كفرا عند الفقهاء وكانت رواية عن الإمام صاحب المذهب بترك تكفيره يؤخذ بتلك الرواية فلا يكفر قائله . ومعنى ذلك أنه إذا اختلف المجتهدون أو أختلف قول مجتهد واحد في التكفير بشئ  يترك التكفير هذا فيما كان قولا لمجتهد ليس فيمن دون المجتهد في اصطلاح الفقهاء لأن معنى الرواية هو ما يروى عن المجتهد لأن المجتهد قد يقول في المسئلة قولين وثلاثة وأكثر . وأما ما يرويه بعض الناس من انه إذا كان في الكلمة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير يؤخذ بهذا القول الواحد فلا أصل له ثابت لا عن أبي حنيفة ولا عن مالك . ثم قال الفقهاء إن الشخص إذا تكلم بكلمة كفر صريحة يكفر إلا أن يكون قالها في حالة غيبة عن العقل كما يحصل من بعض المجاذيب النطق بكلام كفري صريح لكن يكونون في تلك الساعة في غيبة عن العقل أو كان من نطق بهذه الكلمة الصريحة لا يفهم معنها أو سبق لسانه إليها بلا إراداة فلا يكفر . ومن هنا قال أبو الهدى الصيادي شيخ الرفاعية في زمانه في شرح رسالة لبعض الصوفية في ءاخرها (1) : (( فائدة استطرادية : من قال أنا الله أو ما في الوجود إلا الله أو لا موجود إى الله أو الكل هو الله أو نحو ذلك فإن كان عاقلا صاحيا في قيد التكليف فلا خلاف بين المسلمين جميعا في كفره لمخالفة نص القرءان )) اهـ

أي أنه مرتد فيجرى عليه أحكام المرتد وإلا فلا. هذا إن كان يفهم من قول لا موجود إلا الله ومن قول هذه الكلمات معناها الذي هو كفر ولا يفهم غيره؛ أما إن كان يظن ان معناها غير ذلك فلا يكفر قائله لأن من الناس من يقولون هذه الكلمات الثلاث الأخيرة ويفهمون منها غير معناها اللغوي فلا يكفرون بل يجب تحذيرهم وبيان أن معناها الأصلي كفر؛ والظاهر من حالهم أنهم يفهون أنه لا مدبر للعالم إلا الله . ويؤيد ما ذكر ما قاله الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه  (( اليواقيت والجواهر )) :  (( قال الجنيد: لو كنت حاكما لضربت عنق من سمعته يقول لا موجود إلا الله ))؛ وكثير ممن يدعون التصوف اليوم بعيدون من كلام سيد الصوفية الجنيد رضي الله عنه ومن جاء بعده من أكابر الصوفية المحققين ؛ وقد قال ولي الله بلا خلاف سيدنا الإمام أبو العباس أحمد بن علي الرفاعي رضي الله عنه :  (( لفظتان ثلمتان في الدين القول بالوحدة والشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة)) اهـ .  وبعض متصوفة الزمان يقرأ من مثل هذه القصيدة (( فما المرءاة والمرئي إلا الله )) يقصد أن العالم مرءاة لله والمرئي فيها هو الله ؛ وفي معنى هذا قول النساء المنيريات أتباع منيرة قبيسي : كل ما تهواه موجود في ذات الله وذلك في دفتر جمعن فيه كلمات متفرقة من مواضع شتى تلقفنها من هنا ومن هناك سمينه مزامير داود . وفي هذا المجموع غير هذا مما يوهم الاتحاد اي اتحاد العالم بالله وهذه العقيدة أكفر الكفر.  كذلك ومن الجهل الفاحش ظن بعض الناس فيمن حصل منه كفر أنه يقال هذا الكلام كفر ولا يقال إن الشخص كفر وهذا جهل فاحش؛ وقد قال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه في أمر غيلان القدري للخليفة هشام :  (( كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين )) . وقال الحافظ المجتهد ابن المنذر في كتاب(( الإشراف)) (1)  (( وقال : شبابه وأبو النضر : المريسي كافر جاحد يستتاب فإن تاب والإ ضربت عنقه . وقال يزيد بن هارون : جهم كافر قتله سلم بن أحوز بأصبهان )) اهـ . والمريسي كان درس على أبي يوسف القاضي ثم انحرف . وقال أبو حنيفة لشخص ينتسب إلى الإسلام وهو جهم كافر أخرجوه اهـ

فالحق الذي كان عليه السلف وتبعهم الخلف عليه أن من ثبت كفره يقال كفر وأما من لم يثبت كفره بأن كان اللفظ الذي خرج من لسانه محتملاً أنه صدر منه وهو لا يعلم معناه او كان هناك احتمال أنه خرج منه على وجه سبق اللسان فلا بأس ان يقال فيه إن كلامه هذا كفر لأن هذا من الاحتياط والاحتياط مطلوب.  وعلى هذا يحمل قول إمام الحرمين : الخطأء في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطإ في سفك دم لمسلم واحد اهـ .  وهذه الكلمة التي قالها إمام الحرمين والغزالي بعض المتسرعين يحتجون بها لترك تكفير من ثبتت ردته وهذا تعطيل لشرع الله . وهذا الذي يفعله هؤلاء ليس من الورع إنما الورع بإثبات الأمرين على حسب القواعد الشرعية ؛ وخير الأمور الوسط

فصل في التحذير من كتاب سيد سابق وحسن الهضيبي وحسن قاطرجي 

والحذر الحذر من كتاب سيد سابق المسمى ((فقه السنة )) وكتاب ((نحن دعاة لا قضاة )) لحسن الهضيبي وأمثالهما مما يحتوي على عدم تكفير من كفر إلا إذا قصد الانتقال إلى دين ءاخر غير الإسلام ، فهؤلاء أهلكهم الوهم فظنوا بأنفسهم أنهم صاروا أئمة مجتهدين لا يرون التقيد بالأئمة المجتهدين .  ومما يؤيد ردنا أن أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما بعثهما الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وكان أحدهما يعمل في الأراضي المنخفضة والآخر في الاراضي العالية وكانا يجتمعان كل مدة للتشاور وحصل مرة أن أبا موسى قيد رجلا أسلم ثم ارتد فجاء معاذ بن جبل فرأى الرجل وكان راكبا بغلة فقال : ما هذا؟ قيل له:هذا رجل أسلم ثم ارتد ، فقيل له : انزل فقال لا أنزل حتى يقتل فقتل فنزل عن دابته .ووجه الدليل أنه لم يقل هل سألتموه أكان قصدا الانتقال من الإسلام الذي كان عليه إلى دين ءاخر بدل دين الإسلام أم لا .وهذا الحديث رواه البخاري وغيره (1).  هذا دين الله خلاف ما قاله سيد سابق والهضيبي ورجل ءاخر يسمى حسن قاطرجي البيروتي داع من دعاة الوهابية يعتمدون عليه لنشر دعوتهم حتى إنهم أجروا له خمسة ءالاف دولار كل شهر يقبضها من السفارة ونص عبارته : (( أما الكفر لا يوجه إلا لمن اختار الكفر دينا وارتضى غير دين الله سبحانه وتعالى )) . قال ذلك في جامع النور في صيدا. وقال ذلك في مجلة الهداية (ص/10) من العدد الواحد والعشرين. وقوله هذا زاعما أنه كلام السبكي مردود لأن ما قاله يخالف ما جرى عليه العمل عند الحكام وذلك لأن حكام المسلمين إذا أتي إليهم بالشخص الذي نطق بالكفر لا يقولون له هل أردت لما قلت هذا الكلام الخروج من دين الإسلام والانتقال إلى غيره ، هذا عمل حكام المسلمين سلفا وخلفا فما خالف فهو مردود إنما كانوا يعتمدون لإجراء حكم المرتد على أمرين إما باعترافه وإما بقيام بينة أي شاهدين بأنه نطق بهذه الكلمة ، ثم إن المالكية زادوا تأكيدا فقالوا :فإن ادعى أنه سبق لسان ليس بإرادة منه لا يأخذ القاضي بكلامه بل يلزمه الرجوع بالنطق بالشهادة وإلا أجرى عليه حكم المرتد

ومما ينقض أيضا ما أتى به هؤلاء الثلاثة الذين هم ليسوا فقهاء ولا محدثين ما قاله الحافظ الكبير أبو عوانة الذي عمل مستخرجا على البخاري وكان معاصرا للبخاري قال فيما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري  (1) مانصه : ((وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام)) اهـ . وعبارته : ((وترجم أبو عوانة في صحيحه لهذه الأحاديث – أي أحاديث الخوارج التي هي صريحة في تكفيرهم – بيان أن سبب خروج الخوارج كان سبب الأثرة بالقسمة مع كونها صوابا فخفي عنهم ذلك وفيه إباحة قتال الخوارج بالشروط المتقدمة وقتلهم وثبوت الأجر لمن قتلهم وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على الإسلام وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى )) .  قال الحافظ ابن حجر (1) : ((قلت : والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا)) اهـ

ثم إن السبكي ليس مجتهدا مطلقا ولا مجتهدا منتسبا إذ هو لم يدع ذلك بل هو ناقل فكيف يؤخذ بكلامه إذا خالف كلام إمامه الإمام الشافعي ، فالسبكي وغيره من فقهاء الذين هم غير مجتهدين لا يلتفت لكلامهم إذا خالف أحدهم كلام المجتهد ،فما لحسن قاطرجي يترك القاعدة الأصلية المعتمدة لنقل كلام عالم مقلد لإمام من الأئمة وهو الشافعي فيما خالف فيه إمامه الشافعي،على أن هذا الكلام يخالف ما قاله السبكي في فتاويه من ترجيح تكفير الخوارج رادا على كلام النووي بترك تكفيرهم ، والسبكي نفسه في بعض فتاويه نقل تكفير الأئمة الأربعة لمن يقول إن الله في جهة وهذا ينقض النقل المزعوم الذي أورده حسن قاطرجي .وهذا سيد سابق بلغنا أنه قال أنا أجتهد أقول قولا ثم أجتهد فأقول قولا أخالفه كما كان الشافعي له مذهب قديم ومذهب جديد وهو أي سيد سابق لا هو فقيه ولا هو محدث إنما ينقل من كتاب  ((نيل الأوطار)) للشوكاني والشوكاني يأخذ من كتاب الحافظ ابن حجر((التلخيص الحبير )).و سيد سابق وحسن قاطرجي ليسا من المحدثين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون فقد تحقق حديث الصادق المصدوق نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال (( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم)) أي يقل الخير في كل البلاد وهذا الحديث صحيح صححه المحدثون فقد صححه ابن حبان ، وليس كما يقول أحمد بدران الدوماني فإنه ادعى أنه حديث منكر .وكنت كتبت إلى سيد سابق كتابا في الرد عليه قلت فيه :إن صح هذا القول منك فإنك قد كفرت ارجع إلى الإسلام وإلا فبرئ نفسك فلم يقبل النصيحة . وشأن الداعي إلى الله أن يكون جريئا لقول الحق لا يداهن الناس

وصنيع هؤلاء الخمسة الذين قالوا مثل هذه المقالة سيد سابق وحسن الهضيبي وحسن قاطرجي والدكتور محمد علوي والدكتور عمر عبد الله كامل مخالف لما اتفق عليه الفقهاء من تقسيم الكفر إلى ثلاثة أنواع : كفر قولي وكفر فعلي وكفر اعتقادي على أن كل واحد كفر بمفرده مخالف كلام هؤلاء ذلك فإنهم جعلوا الكفر القولي يشترط أن يكون معه الاعتقاد وقصد الخروج من الإسلام إلى دين ءاخر وهذا أمر انفرد به هؤلاء الخمسة مخالفين بكلامهم علماء الإسلام الذين سبقوهم من السلف والخلف .ثم هؤلاء ليس فيهم أحد وصل إلى حد المفتي ولا إلى نصفه ولا إلى عشرة لأن المفتي شرطه أن يكون حافظا لأغلب مسائل المذهب الذي ينتسب إليه

زيادة: هؤلاء نقلوا قولهم هذا من كلام الشوكاني السيل الجرار المتدفق على روض الأزهار. وقد سبقهم إلى ما ينقض كلامهم الإمام المجتهد المطلق محمد ابن جرير الطبري في كتابه (( تهذيب الآثار )) وسيأتي نقله فماذا يكون كلام هؤلاء أمام كلام هذا الإمام المجتهد المطلق الذي هو كمالك والشافعي وغيرهما من المجتهدين ، وقد كان ابن جرير صاحب مذهب متبوع ثم انقرض المنتسبون إلى مذهبه ، فيجب على هؤلاء الخمسة أن يرجعوا إلى ما مضى عليه علماء الإسلام ويحذروا مما ألفوا مما ينطوي على هذا الكلام الفاسد وإلا فعليهم وزرهم ووزر من يتبعهم بمطالعة كتبهم فإن مؤلفاتهم ضرر على من يطالعها ويصدق ما فيها فإنها تجرئ على التلفظ بألفاظ الكفر لأنهم يعتقدون أنها لا تخرج من الإسلام لأنهم لا يريدون الخروج إلى دين غير الإسلام إنما يفوهون بها بألسنتهم وهذا دعوة للناس إلى الكفر .  ومما ينقض ما أتى به هؤلاء الذين هم ليسوا فقهاء ولا محدثين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  (( إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا )) (1) فلم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا أن يكون الشخص ناويا ومعتقدا وقاصدا الانتقال من الإسلام إلى غيره . ومع ذلك قال بأنه ينزل بهذه الكلمة إلى قعر جهنم ، ولا يصل إلى قعر جهنم إلا الكفار . فقوله صلى الله عليه وسلم  (( يهوي بها في النار سبعين خريفا )) دليل على أن الإنسان قد يعتقد اعتقادا أو يفعل فعلا أو يقول قولا هو كفر ولا يرى بذلك بأسا أي لا يرى فيه معصية وهو في الحقيقة كفر فيكون في جهنم في مكان لا يكون فيه عصاة المسلمين إلا الكفار لأن المسلم العاصي لا يصل إلى ذلك الحد . فما أبعد كلام هؤلاء من هذا الحديث

وقال البدر الرشيد الحنفي في رسالة له في بيان الألفاظ الكفرية : (( من كفر بلسانه طائعا وقلبه على الإيمان إنه كافر ولا ينفعه ما في قلبه ولا يكون عند الله مؤمنا لأن الكافر إنما يعرف من المؤمن بما ينطق به فإن نطق بالكفر كان كافرا عندنا وعند الله )) . وقال : (( من تكلم بكلمة توجب الكفر وأضحك به غيره كفر )) اهـ .  وهذا الذي حصل في هذا الزمان من بعض العوام فقد ذكر لي رجل من أهل دمشق قال : كنا في وزارة الخارجية فأقبل رجل أعمى فقال أحدنا : قال الله تعالى إذا رأيت الأعمى فكبه لست أكرم من ربه فأضحكنا فقلت له : هذا كفر فكيف تضحكون له ؟! هذا حال كثير من الناس اليوم يكفرون لإضحاك الناس أو لغرض ما من أغراض الدنيا ، فهؤلاء إذا رأوا مؤلفاتكم هذه يزدادون جرأة واطمئنانا للارتياح بما يتكلمون به من كلام الكفر فإن هذا الرجل حكي لي هذه الحكاية من باب المباسطة ، وقد جرت العادة في لبنان أن كثيرا من الناس إذا لقي بعضهم بعضا يقول احدهم للآخر اشتقنا لك أخت ربك أين كنت وكذلك اعتادوا فيما بينهم أن يقول أحدهم للآخر يا ابن الله

ومما يؤيد ردنا على هؤلاء ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني عند الكلام عن الخوارج ما نصه (1)  : ((وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في شهادته لهم بالجنة قال وهو عندي احتجاج صحيح . قال :واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علما قطعيا وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم ، ويؤيده حديث  (( من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما )) وفي لفظ مسلم  (( من رمى مسلما بالكفر أو قال عدو الله إلا حار عليه )) قال : وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود

فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا : وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علما قطعيا ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك ، قلت : وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب _ أي باب من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه _ : ((فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث (( يقولون الحق ويقرؤون القرءان ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشئ ))،ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطإ منهم فيما تأولوه من ءاي القرءان على غير المراد منه ، ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرءان فقال يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه، ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ماتقدم من حديث ابن مسعود : ((لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث))وفيه : ((التارك لدينه المفارق للجماعة )) .قال القرطبي في (( المفهم )) : يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد يعني الآتي في الباب الذي يليه فإن ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشئ كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشئ وقد أشار لذلك بقوله : سبق الفرث والدم )) ، وقال صاحب (( الشفاء)) فيه وكذا نقطع بكفر كل من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة وحكاه صاحب  (( الروضة )) في كتاب الردة عنه وأقره )) انتهى كلام الحافظ ابن حجر

والجملة التي نقلها الحافظ عن الإمام المجتهد ابن جرير الطبري حجة قاصمة لظهور أولئك الثلاثة سيد سابق وحسن الهضيبي وحسن قاطرجي مبطلة لكلامهم لأنه صرح بأن الذي يقول كلام الكفر يكفر ولو لم يقصد الكفر والخروج إلى دين سوى الإسلام . وهذه المقالة الخبيثة ما سبق هؤلاء الثلاثة إليها أحد من العلماء ولا حجة لهم في قول إمام الحرمين والغزالي المشهور، على أنه لو كان فيهم مسكة من فهم وعقل لكفاهم قوله تعالى { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [سورة النحل] فإن الآية صريحة أن اعتقاد الكفر في غير المكره لا يشترط وكذلك شرح الصدر بالكفر ليس شرطا في ثبوت كفر قائل كلمة الكفر في غير المكره .  ولم يشترط أحد من علماء المسلمين اعتقاد معنى لفظ الكفر في غير المكره . وقول الإمام المجتهد المطلق محمد بن جرير الطبري في (( تهذيب الآثار)) المتقدم ذكره ينسف افتراءات هؤلاء الثلاثة سيد سابق وحسن الهضيبي وحسن قاطرجي ومعهم محمد بن علوي المالكي المكي وعمر عبد الله كامل حيث قال في كتابه  (( التحذير من المجازفة بالتكفير)) ( ص/11و12) :  ((فلا بد من شرح الصدر بالكفر وطمأنينة القلب وسكون النفس إليه فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر . ولا اعتبار بلفظ يتلفظ به المسلم يدل على الكفر ولا يعتقد معناه )) اهـ

ووافقهم في هذه المقالة الكفرية أيضا الدكتور عمر عبد الله كامل في كتابه المسمى (( التحذير من المجازفة بالتكفير))  (ص/52_53 ) فقال : وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقده في عبارة فكيف يحرر اعتقاد غيره من عبارته فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرح بالكفر واختاره دينا وجحد الشهادتين وخرج عن دين الإسلام وهذا نادر وقوعه فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الاهواء والبدع )) اهـ

قاعدة مفيدة: قال الفقهاء من تلفظ بكلام كفر أو فعل فعلا كفريا وجهل أن ما حصل منه كفر لا يعذر بل يحكم بكفره قاله القاضي عياض المالكي والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي وكذلك عدد من فقهاء الحنفية . ومن المتفق عليه أن القول الكفري كفر بمفرده ولو لم ينضم إليه اعتقاد ذلك الكفر بالقلب ولا عمل بالبدن ، وكذلك الكفر الفعلي كفر وردة من فاعله ولو لم يقترن به قول واعتقاد، وكذلك الكفر الاعتقادي كفر بمفرده من غير أن ينضم إليه قول باللسان أو فعل وهذا مجمع عليه عند الفقهاء . وقد اشتهر في كتب الفقه تقسيم الكفر إلى ثلاثة قول أو فعل أو اعتقاد

ثم إن هذا الأمر الذي ذكره سيد سابق في كتابه (( فقه السنة )) وحسن الهضيبي في كتابه (( نحن دعاة لا قضاة )) وحسن قاطرجي البيروتي ومحمد بن علوي المالكي والدكتور عمر عبد الله كامل فيه تهوين أمر الكفر للجهال لأن من اطلع على كلام هؤلاء يرى أنه لا بأس إذا تكلم الشخص بكلمات الكفر بجميع أنواعها فيقول : أنا أقول هذه الكلمات ولا أقصد الخروج من الإسلام فلا أكفر، فعلى قول هؤلاء إذا إنسان قال كفرا أو فعل كفرا فأتي به إلى حاكم الشريعة لا يجرى عليه أحكام الردة حتى يقال له هل كنت قاصدا الخروج من الإسلام واخترت دينا غير الإسلام وهذا لم ينقل عن حكام المسلمين في أثناء التاريخ الإسلامي من الخلفاء وغيرهم ، وقتل المرتد حكم ديني أنزل على محمد كما نزل على موسى عليهما السلام فإن موسى قتل المرتدين الذين ارتدوا إلى عبادة العجل في غيبته إلى الطور وكانوا سبعين ألفا ، وشرائع الأنبياء لا ترد بالرأي وهي حق في حياتهم وبعد مماتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .  وهذا الإمام المجتهد الأوزاعي ناظر غيلان الدمشقي في أول القرن الثاني من الهجرة لكونه قدريا فقطعه بالحجة ثم قال للخليفة هشام بن عبد الملك : كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين فقطع يديه ورجليه وعلقه بباب دمشق ولم يذكر عن الأوزاعي ولا هشام أنه سأل غيلان هل قلت هذا الكلام وأنت قاصد الخروج من الإسلام واستبدال دين غيره عنه ، فليراجع تاريخ دمشق الجزء الثامن والأربعون من ترجمة غيلان أبي مروان ، وذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه كان من موالي سيدنا عثمان وكان يقص في المسجد النبوي

ومما يحذر أيضا مما في هذا الكتاب _ أي كتاب الدكتور عمر عبد الله كامل _ إطلاق ترك تكفير أهل الأهواء ، وهو كلام مردود لأنه ثبت عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل تكفير بعض أهل الأهواء .أما أحمد بن حنبل فقال (( من قال الله جسم لا كالأجسام كفر ))، وأما الشافعي فقال (( لا يكفر أهل القبلة )) واستثنى المجسم. ذكره السيوطي في ((الأشباه والنظائر )) (1) ، والنووي كفر المجسم في (( شرح المهذب)) (2) ، وكفر الشافعي القدري أي المعتزلي والقائل بخلق القرءان الذي هو مذهب المعتزلة الذين يقولون الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره نقل ذلك صاحب البيان العمراني اليمني وهو قبل النووي . وقال مالك :أري أن يستتاب الأهواء فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم ا هـ وهذا صحيح ثابت عنه رواه عنه الإمام الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه ((الأوسط)) وفي كتابه ((الإشراف)). ثم إن اشتراط أن يكون الشخص الذي يتلفظ الكفر قاصدا للكفر وعارفا بأنه كفر ليحكم عليه بالكفر مردود باطل صرح بذلك القاضي عياض المالكي وابن حجر الهيتمي الشافعي وغيرهما كما تقدم

وكذلك قال كمال بن الهمام الحنفي في (( فتح القدير)) : ((المجسم القائل جسم لا كالأجسام كفر)) ا هـ ونصوص العلماء في هذا الباب كثيرة فليتتبعها من أراد التأكد من مظانها . ولا حجة لهؤلاء الخمسة في قول الشافعي أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية فإن هذا محمول على من لم يصل منهم إلى الكفر أي لم تثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره ، هذا هو محمل كلام الشافعي كما قال الحافظ سراج الدين البلقيني الشافعي في كتابه (( حواشي الروضة )) .  والدليل على أن هذا مراد الشافعي ما ثبت عنه أنه كفر القدري أي المعتزلي والقائل بخلق القرءان والمجسم وهو المشبه باصطلاح الفقهاء ولا يصح تأويل النووي وغيره لقول الشافعي لحفص الفرد المعتزلي القائل بخلق القرءان(( لقد كفرت بالله العظيم )) بعد أن أطال مناظرته فقطعه بالحجة بأن مراده كفران النعمة لا كفر الجحود، قال الحافظ البلقيني هذا أي قول أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية عام وقوله لحفص الفرد خاص والخاص يقدم ويرجح على العام كما هو مقرر في علم أصول الفقه ، ويرد هذا التأويل قول الربيع بن سليمان المرادي راوي كتب الشافعي الذي حضر قصة مناظرة الشافعي لحفص في هذه القصة :  ((فقطعه وكفره)) كما ذكر ذلك الإمام الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق

والحذر الحذر من الأخذ بقول بعض المتأخرين من الشافعية كعز الدين بن عبد السلام من ترك تكفير الجهوي الذي يثبت لله التحيز في المكان وبقول غيره من المنتسبين للشافعي فإن كلامهم خالف كلام الشافعي فلا يعتد به والعبرة بكلام الإمام ومن وافقه من المنتسبين إليه كأبي حامد المروزي إمام أصحاب الشافعي المراوزة والإمام أبي منصور البغدادي فإنه قال :  ((يجب تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة )) يعني بذلك أن المنتسبين إلى الاعتزال منهم من لا يعتقد مقالاتهم الكفرية إنما يعتقد بعض مقالاتهم التي ليست كفرا فإن منهم من لا يرى بعض أصول عقائدهم وهو منتسب إليهم فإن المعتزلة لهم مقالات كفرية ومقالات دون الكفر مع كونها ضلالة وبدعة وقد ذكرت قبل هذا في موضع من هذه الرسالة ما قاله الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه ((تفسير الأسماء والصفات )) وهو قوله في ص/ 228 : (( فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة في الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات والإجارات والرهون وسائرالمعاوضات دون الأنكحة فأما مناكحتهم وموارثتهم والصلاة عليهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شئ من ذلك إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا )) انتهى

وبهذا يعلم أن ما ذكر في كتاب (( روضة الطالبين )) للنووي من ترك تكفيرهم وصحة الاقتداء بهم خلاف ما ذكره المتقدمون من أصحاب الشافعي

زيادة: ومثل هذا ما هو مذكور في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد المنسوب للغزالي من عدم تكفير أهل الأهواء على الإطلاق فإنه باطل مخالف لقول الإمام الشافعي وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم رضي الله عنهم . وقد قال أبو علي عمر بن محمد السكوني في كتابه لحن العامة والخاصة وليحترز من مواضع في كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي ومن مواضع في كتاب النفخ والتسوية له أيضا ومن مواضع في تأليفه أيضا دست في تأليفه أو رجع عنها كما ذكره في كتابه المسمى بالمنقذ من الضلال ا هـ .  وحكى القاضي عياض في الشفا عن الجاحظ وثمامة المعتزليين أنهما قالا إن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم إذا لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال وقد نحا الغزالى قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك. قال القاضي أبوبكر لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف أو مشك فيه والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كفر إ هـ

فصل في بيان كفر من شك في قدرة الله على شئ ما

في كتاب (( التحذير من المجازفة بالتكفير )) (1) للدكتور عمر عبد الله كامل أنه قال : (( لكي نحكم على شخص بالكفر لأنه عمل عملا أو قال قولا أو اعتقد اعتقادا هو كفر فلا بد قبل الحكم من التأكد من معرفة هذا الشخص بأن ما يفعله كفر وأنه مخالف لما يجب فعله من الحق والصواب )) ا هـ ثم قال (2) : (( وقد ثبت في نصوص أخرى أن الله لا يؤاخذ الجاهل ولو كان جهله بمسائل في العقيدة )) ا هـ ثم أورد حديث البخاري في المسرف على نفسه محتجا به لمقالته الفاسدة وليس له في ذلك حجة . ونص الحديث : كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه : إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال : اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال : ما حملك على ما صنعت قال : يا رب خشيتك فغفر له ا هـ وفي رواية أخرى : (( مخافتك يا رب )) ا هـ ، قال (3) الدكتور عمر عبد الله كامل : (( فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن ءادم بعدما أحرق وذرى )) إلى أن قال  : ((ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل صالحا وهو خوفه من الله أن يعاقب على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله )) ا هـ . قلت : قد ظن هذا الرجل أن المسرف على نفسه المذكور في الحديث شك في قدرة الله عليه ليس كذلك قال الحافظ ابن الجوزي (1): ((جحده صفة القدرة كفر اتفاقا )) ا هـ

وإنما قيل :إن معنى قوله : (( لئن قدر الله علي )) أي ضيق فهو كقوله تعالى { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ }[سورة الطلاق] أي ضيق ، ولعل هذا الرجل المذكور في الحديث قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط أي سبق لسان ذلك الآخر فقال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أو يكون قوله : (( لئن قدر علي )) بتشديد الدال أي قدر علي العذاب ليعذبني . قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث (2) : (( وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله )) ا هـ. فإذا عرف هذا علم أنه لا يعذر أحد في الجهل بقدرة الله ونحوها من صفاته مهما بلغ الجهل بصاحبه وكن على ذكر لنقل ابن الجوزي الإجماع على ذلك . وأما قول الشافعي :  ((إن من جهل صفة من صفات الله إن كان لا يدرك اتصاف الله بها بالفكر والروية لا يكفر إلا بعد أن يعرف ))  ا هـ  مراد الشافعي بهذا ما سوى الصفات الثمانية التى يدل عليها العقل ولو لم يرد نص بإثباتها لله وهي الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام والبقاء لأن هذه الصفات العقل يدل على ثبوتها لله تعالى . وأما الصفات التي لا يدل عليها العقل إنما أخذت من السمع أي النقل من القرءان والحديث كالوجه واليد والعين فإن هذه لا تعرف الا بطريق النقل فإذا جهل شخص هذه الصفات لا يكفر الا بعد أن يكون علم بورودها في الشرع وذلك لأن الإنسان الذي عرف الله أنه موجود لا يشبه شيئا سواه لا يخطر له ببال أن لله صفة اسمها وجه وصفة اسمها يد وصفة اسمها عين إنما الذي علم ثبوته شرعا يحملها على أنها صفات لا جوارح . هذا مراد الشافعي بدليل أنه كفر المشبه المجسم والقدري الذي ينفي خلق الله لأفعال العباد والبهائم وكل ذي روح حتى البقة لأن القدرية يقولون هؤلاء كلهم هم يخلقون أعمالهم حركاتهم وسكناتهم

وما أعظم هذا الفساد الذي في مقالة الدكتور هذه لأنه على قوله كل إنسان يفعل كفرا كإلقاء المصحف في القاذورة أو يقول قولا كفرا كقول الله ثالث ثلاثة أو الله ظالم أو يعتقد عدم علم الله ببعض الأشياء فيعذر على قوله لأنه إن لم يعتقد المعنى وقال أنا ما اعتقدت هذا وما أردت الخروج من دين الإسلام إلى دين غيره فعلى قوله وقول أولئك الأربعة يخلى سبيله ولا يقام عليه حد الردة وهذا دين جديد، ودين الله برئ منه .  والذي يصدق كلام هؤلاء يكفر بالقول وبالفعل وبالاعتقاد ويقول أنا ما أردت الانتقال من دين الإسلام إلى غيره فيرى هذا رخصة. وهذا فتح باب الكفر للناس على مصراعيه . يقال لهم هل تستطيعون أن تقيموا حادثه في التاريخ الإسلامي أن إنسانا سب الله أو سب الرسول ثم أخذ إلى الحكام فقال أنا ما نويت الخروج من الإسلام فأخلي سبيله من غير أن ينفذ فيه أحكام الردة إن اعترف أو شهدت عليه بينة عادلة . لقد تركتم كلام الفقهاء بمن فيهم من مجتهد ومن دون مجتهد ودعوتم الناس إلى خلاف ما جري عليه عمل المسلمين لأن العلماء اتفقوا على أن الكفر القولي والكفر الفعلي كفر من غير أن ينضم إليه اعتقاد كما سبق. فالكفر إما قول بمفرده أو اعتقاد بمفرده أو فعل بمفرده أو ينضم إلى أحد هؤلاء غيره

ويدل عليه قوله تعالى { مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ }[سورة النحل ] الآية ، قال الحافظ ابن حجر (1) عند ذكر هذا الآية : ((الكفر يكون باعتقاد وبدون اعتقاد )) ا هـ ولن تجدوا عالما حق عالم يوافقكم على كلامكم ، فاتقوا الله واعلموا أنكم خالفتم الآية الله فرق بين المكره وغيره فجعل المكره إذا خلا عن الاعتقاد لا يحكم عليه بالكفر وأنتم ساويتم بين المكره وغيره فكذبتم الآية فاعلموا ذلك ، فماذا تقولون فيما رواه البخاري من أن معاذ بن جبل زار أبا موسى الأشعري وكانا مبعوثين من قبل الرسول إلى اليمن وكان معاذ راكبا بغلة فرأي إنسانا مقيدا فقال ما هذا فقيل إن هذا كان مسلما ثم كفر فقال معاذ لا أنزل حتى يقتل فقتل فنزل عن دابته ولم يقلم معاذ هل سألتموه أكان قاصدا الانتقال من الإسلام الذي كان عليه إلى دين ءاخر بدل دين الإسلام أم لا ولا قال لهم هل سألتموه إن كان قال ما قال عن الاعتقاد أم لا .فيما تزعمونه مخالف للقرءان والحديث وما كان عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل العلم فأنتم شاذون عن كل هؤلاء فاعلموا أنكم قد خرقتم الإجماع ودعوتم الناس إلى خرقه

فصل بيان معنى قول الشافعي أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية وأنه ليس على ظاهره

قال العمراني في البيان : (( مسئلة. قال الشافعي رحمه الله : ولا ترد شهادة أحد من أهل الأهواء إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقيه  بتصديقه وقبول يمينه ، ولشهادة من يرى أن كذبه شرك بالله ومعصية تجب بها النار أولى أن تطيب النفس بقبولها ممن يخفف المأثم في ذلك فنص بهذا على قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية . وقال في (( الأم )): ذهب الناس في تأويل القرءان والأحديث والقياس أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينا شديدا واستحل فيها بعضهم من بعض ماتطول حكايته فكان ذلك منهم متقادما عن السلف ومن بعدهم إلى اليوم فلم يعلم أن أحدا ممن سلف من هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورءاه استحل منه ما حرم عليه، ولا ترد شهادة أحد بشئ من التأويل كان له وجه يتحمله وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول فكذلك أهل الأهواء . وجملة ذلك أنه لا خلاف بين أصحابنا في أن شهادة الخطابية غير مقبولة وهم أصحاب أبي الخطاب الكوفي يعتقدون أن الكذب لا يجوز فإذا ذكر بعضهم لبعض أن له على رجل حقا حلفه وصدقه على ذلك وشهد له بالحق الذي حلفه عليه لأنهم يشهدون بقول المدعي . قال المسعودي : إلا أن يفسر الشهادة فيقول أشهد أن فلانا أقر لفلان بكذا فحينئذ يقبل والأول أصح لأنه يجوز أن يشهد بالحق مفسرا معتمدا في تفسيره على يمين المدعي الذي حلف له.  قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا كان الرجل يعتقد أن رجلا مباح الدم يحل قتله فيشهد عليه بالقتل فلا تقبل شهادته عليه لأنها شهادة بالزور. واختلف أصحابنا في قبول شهادة سائر أهل الأهواء غير الخطابية فقال ابن القاص والقفال : لا ترد شهادة واحد منهم . قال ابن الصباغ : وهو ظاهر قول الشافعي رحمه الله وبه قال أبو حنيفة لأن لهم شبهة فيما يقولون لا يصل الإنسان إلى حلها إلا بعد إتعاب الفكر فلم ترد شهادتهم بذلك . قال الشيخ أبو حامد : أهل الأهواء على ثلاثة ضروب: ضرب نخطئهم ولا نفسقهم فيهم الذين اختلفوا في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد مثل أصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهما من أهل العلم الذين يخالفون في نكاح المتعة وهو النكاح بلا ولي ولا شهود وغير ذلك فهؤلاء لا نفسقهم ولا نرد شهادتهم. قال: وهذا الضرب هو الذي أراد الشافعي رحمه الله بأهل الأهواء الذين لم ترد شهادتهم دون غيرهم لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة في الفروع وخطأ بعضهم بعضا وأغلظ بعضهم على بعض في القول في الخطإ في ذلك ولم يرد بعضهم شهادة بعض

وأما الضرب الذين نفسقهم ولا نكفرهم فهم الروافض الذين يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما والخوارج الذين يسبون عثمان وعليا رضي الله عنهما فلا تقبل شهادتهم لأنهم يذهبون إلى شئ لا يسوغ فيه الاجتهاد فهم معاندون مقطوع بخطئهم وفسقهم فلم تقبل شهادتهم هذا خلاف قول القفال .  وأما الضرب الذين نكفرهم فهم القدرية الذين يقولون إنهم يخلقون أفعالهم استقلالا دون الله تعالى ( أي مع قولهم إن الله أعطاهم القدرة عليها فهم يرون أنهم يخلقون استقلالا فيكفرون ولو قالوا خلقنا فعلنا بقدرة أعطانا الله إياها ))  ومن يقول بخلق القرءان ( يعني من يقول إن الله ليس له كلام صفة له إلا ما يخلقه في غيره ) زيادة: سئل الشيخ عن الضرب الذين نكفرهم من القدرية من ذلك ويقولون إن الله لا يرى يوم القيامة وكنا تعلمنا أنهم لا يكفرون هذا القول فكيف ذكر هنا فقال رضي الله عنه : أضافوا إليه للعلم ، يضيفون هذا للعلم  ( أي للعلم أنهم يقولون هذه المقالة أيضا ) . ويقولون إن الله لا يرى يوم القيامة، والجهمية النافون عن الله تعالى الصفات لأن الشافعي رحمه الله تعالى قال في مواضع من كتبه : من قال بخلق القرءان فهو كافر ، وإذا حكم بكفرهم فلا معنى لقبول شهادتهم

والدليل على ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( القدرية مجوس هذه الأمة فإذا مرضوا فلا تعودوهم وإذا ماتوا فلا تشهدوهم ))، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من سب نبيا فقد كفر ومن سب (1) صاحب نبي فقد فسق )) . وروي عن عمر أنه قال : (( لا تجالسوا القدرية ))،  وأقل ما في هذا أن لا تقبل شهادتهم , قال علي رضي الله عنه : ما حكمت مخلوقا وإنما حكمت القرءان، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ولأن هذه المسائل قد نصب الله تعالى عليها أدلة إذا تأملها المتأمل حصل له العلم بها فنسبوا في مخالفتها إلى العناد كما ينسب المخالف في التوحيد انتهى كلام أبي حامد. وقال أبو إسحاق في (( الشرح )) : من قدم عليا على أبي بكر وعمر في الإمامة فسق لأنه خالف الإجماع ومن فضل عليا على أبي بكر وعمر وعثمان أو فضل بعضهم على بعض لم أفسقه وأقبل شهادته. وأما قول الشافعي رحمه الله لشهادة من يرى كذبه شركا بالله فهم الخوارج لأنهم يرون الكذب معصية وكفرا تجب به النار . ولم يرد به أن شهادتهم تقبل وإنما أراد أن شهادتهم لا ترد لذلك لأن ذلك أدعى إلى قبول شهادتهم وإنما ترد شهادتهم لقولهم بخلق القرءان وأنهم يخلقون أفعالهم وغير ذلك )) . انتهى.  ومراده بقوله (( من سب صاحب نبي فقد فسق)) من كان من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن كان على سيرتهم أما من ليس كذلك فليس مرادا بهذا الحديث فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في صحابي خطب فقال في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (( بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى )) .هذا حديث صحيح رواه مسلم (1) .فقد قال الرسول هذا الكلام لهذا الخطيب بسبب الكلام الفاسد المكروه وهو قول ذلك الخطيب : ((ومن يعصهما )) حيث جمع بين الله والرسول في ضمير واحد وذلك لأن هذا الجمع يوهم التسوية بين الله ورسوله

فصل  في التحذير من حسن قاطرجي اللبناني

حسن قاطرجي لا يؤول ءايات الصفات والأحاديث المتشابهات تأويلا تفصيليا موافقة للوهابية لكن يقول كما يقولون ما صورته تأويل إجمالي لا على معناه الذي كان يريده الأئمة مالك وسفيان الثوري وغيرهما من قولهم نؤمن بذلك بلا كيف فإنه يقول هذا اللفظ كما يقول الوهابية لكن اعتقادا يثبتون الكيف بل يسمون من يؤول التأويل التفصيلي كالذي يؤول الاستواء على العرش بالقهر تعطيلا وإلحادا وكثيرا ما يقولون : (( التأويل تعطيل )) معناه أنه كفر بزعمهم أي نفي لما أثبت الله ورسوله على زعمهم .  نقول : قد أول بعض السلف ممن هو قبل مالك تأويلا تفصيليا فقد أول عبد الله بن عباس {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } بأن الساق الشدة الشديدة وقال الحافظ ابن حجر إن قول عبد الله بن عباس هذا له إسنادان جيدان أي صحيحان، فما أشد عمى الوهابية فقد انتهى بهم اتباع هواهم إلى تكفير الصحابي الذي أول هذ التأويل وهو عبد الله بن عباس ترجمان القرءان فإن هذا على مقتضى كلامهم كفر وحاشا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أن يقول كفرا . وكذلك من التابعين من أول تأويلا تفصيليا ، فبان أن الوهابية يكفرون السلف والخلف ولا يغتر بقولهم بلا كيف.  والعجب منهم يقولون التأويل تعطيل ويؤولون الآيات والأحاديث التي ظواهرها توهم أن الله في جهة الأرض كآية {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ }[ سورة البقرة ]وءاية { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ }[ سورة الصافات ] فإن هذه الآية تخبر عن إبراهيم حين أواد التوجه من بلده إلى فلسطين . وإذا قيل لهم : كيف تأولون هذه ولا تأولون النصوص التي ظواهرها أن الله مستقر على العرش أو في السماء؟ قالوا: لأن جهة فوق كمال وجهة تحت نقص ولم يدروا أن كمال الله ليس بالجهة كما ظنوا

وينقض قولهم هذا حديث: (( أقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد))، لأنه على قول الوهابية يكون العبد أقرب إلى ربه وهو قائم لأن القائم أقرب إلى العرش بالمسافة من الساجد، والمسافة بين رأس القائم إلى العرش أقصر من المسافة التي بين العرش وبين الساجد فسبحان الله الذي طمس بصائرهم فعلى موجب كلامهم القائم أقرب إلى الله وهذا الحديث الصحيح أخرجه مسلم وغيره (1) ، ولا جواب لهم عنه.  وقد وصل بعض الوهابية إلى عقيدة لم تنقل عن أحد من طوائف البشر وهي اعتقاده أن الله تعالى محيط بالعالم إحاطة حسية جعلوا الله تعالى كالكرة التي تحيط بما في جوفها وممن قال بهذا الألباني وبعض تلامذته ، فقد ذكر الألباني ذلك في تأليفه الذي سماه  ((صحيح الترغيب والترهيب ))(2) وقد شافهني بعض تلاميذه بدمشق الشام من نحو أربعين سنة بذلك فإنه فسر قول الله تعالى  {وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} [سورة النساء ]على الظاهر وهذا شأن من فسر ظواهر النصوص القرءانية والحديثية المتشابهة على الظاهر .  ثم إن حسن قاطرجي يعلم أن الوهابية يكفرون من ليس منهم بما فيهم من الأشاعرة والماتريدية ولا ينكر عليهم هذا بل يداهنهم . وهل يخفى عليه تكفيرهم لكل من ليس منهم بل يعلم أن الوهابية يقولون الأشاعرة معطلة أي ينفون وجود الله ويقولون التأويل تعطيل. وقد ثبت التأويل التفصيلي عن السلف والخلف كما قدمنا فقد ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه أول ءاية  { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } [سورة القلم ] بأن معنى الساق الشدة الشديدة ، ويعلم حسن قاطرجي أن الوهابية يفسرون الساق بالعضو المعروف ولا يقبلون تأويله بما تأول به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وعبد الله بن عباس هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعا له الرسول بفهم القرءان والحكمة قال عليه السلام : ((اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب )) (1) رواه البخاري والإمام أحمد ولفظ البخاري : (( اللهم علمه الكتاب )) ا هـ

وقد رأيت له عبارة ينتقدنا فيها على التأويل التفصيلي ، ونحن وافقنا في ذلك السلف والخلف ، ما ابتدعنا بدعة ونرى التأويلين حقا التأويل التفصيلي والتأويل الإجمالي. التأويل التفصيلي كتأويل ابن عباس لتلك الآية وتأويل الإمام أحمد { وَجَاء رَبُّكَ }[سورة الفجر] بمجيء القدرة تنزيها لله تعالى عن الحركة والانتقال من جهة إلى جهة. والتأويل الإجمالي هو قول بعض السلف كمالك بلا كيف ، وكلا التأويلين تنزيه ليس تجسيما كما تدعي الوهابية أن قول بلا كيف لا ينافي التجسيم لكن يريدون إيهام الناس بأنهم مع السلف وهيهات هيهات.  ومن ضلالات حسن قاطرجي قوله بوجوب تغطية المرأة لوجهها إذا خرجت من بيتها ووجوب لبس الجلباب على النساء فإنه بقوله هذا أوجب ما لم يجب بإجماع العلماء وهذا نصه في مجلته المسماة  (( منبر الداعيات )) العدد الرابع ص/25 أيلول 1995 ر: (( اتفق أهل العلم على أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من منزلها أن تلبس الجلباب فوق ثيابها )) .  فهو بقوله هذا يناقض الإجماع الذي نقله جمع وهو أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها بالإجماع وعلى الرجال غض البصر ، نقل ذلك جمع منهم القاضي عياض من المالكية وغيره ، وعدد من الشافعية كما ذكر ابن حجر الهيتمي ذلك في حاشيته على شرح الإيضاح فقال ما نصه (1) :وإلا فهو ذهول عما قالوه في باب النكاح من أنه يجوز لها كشف وجهها إجماعا وعلى الرجال غض البصر )) ا هـ

وجهها إجماعا وعلى الرجال غض البصر )) ا هـ . والشاهد في قوله: (( قالوه )) لأنه لفظ جمع فبهذا تبين أن الإجماع انعقد على أنه لا يجب على المرأة تغطية وجهها . ولم يقل أحد من الأئمة بأن لبس الجلباب واجب على النساء لا للصلاة ولا للخروج بل ذكروا أنه مستحب . وهذا مما يدل على اعتماده على جسارة نفسه فإن كان عنده علم بأن أهل العلم اتفقوا على ذلك فليذكر أين هذا الاتفاق الذي ادعاه فهل يصح إجماع ضد إجماع سابق .  ويكفي في نقض قوله ما رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار قال (( إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها )) والخمار بإجماع أهل اللغة ما تغطي به المرأة رأسها والدرع قميص المرأة ، فمعنى الحديث أنه يصح للمرأة أن تصلي في درع وخمار بشرط أن يكون هذا الدرع يغطي ظهور قدميها ومن هنا يعلم أن الجلباب ليس فرضا على النساء لأن الجلباب هو الثوب الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها فوق خمار وفوق الدرع من رأسها إلى رجليها ، وهذا هو القول الصحيح في معنى الجلباب قال ذلك السيوطي والنووي والقرطبي وغيرهم ، وهو الذي يسمى عند العرب الملاءة ويعرف عند أهل فارس بالشادور . ولعل حسن قاطرجي أفتى بهذه الفتوى ليرضي الوهابية لأن الوهابية حرام عندهم كشف المرأة وجهها ولو في البيت إذا كان زوج المرأة وإخوته في البيت

فصل في التحذير من جماعة منيرة قبيسي وأميرة جبريل الموجودات في سوريا ولبنان وغيرهما

أما القبيسيات فيكفي في ضلالهن قولهن في كتابهن الذي سمينه (( مزامير داود )) : كل ما تهواه موجود في ذات الله ، وقولهن : أستغفر الله من تركي للمعصية ، وقولهن : أستغفر الله من توحيدي لربي ، وقولهن : اثنان نحن وفي الحقيقة واحد ، وقولهن : ما الكون إلا القيوم الحي ا هـ.  وقد سألنا قبل نحو عشرين سنة صاحب مكتبة الفارابي فقال : هذا الكتاب لا يطلبه مني إلا القبيسيات ، والظاهر أنهن كن طلبن منه أن يطبعه فطبعه فكن يشترين منه وكانت أميرة جبريل لما كانت تقيم في بيروت للدراسة تبيعه للبنات.  ومما يدل على أنه من منيرة قبيسي ما في هذا الدفتر من قولهن (( شيختنا لو كنا أينما كنا هي معنا لا تضيعنا )) ومن يعنين غير منيرة. ثم ليس الشأن في صور العبادات بل في أن تكون العبادات موافقة لشرع رسول الله كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم  (( كم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ ))(1) ، وفي رواية : ((والعطش)) . وهؤلاء يغتر الناس بأنهن يقمن حصة من الليل بالصلاة ويلتزمن قراءة جزء من القرءان مع الاستمرار. فمن الذكر ما هو محرم ومن الدعاء ما هو محرم وقد شرح القرافي ذلك في كتابه  (( الفروق )) .  ومن هذا الذكر المحرم قول بعض القادريين : (( اللهم أجرنا وأجر والدينا وجميع المسلمين من النار )) يكررونه سبع مرات مجتمعين بين المغرب والعشاء وبين صلاة الفجر وطلوع الشمس ، ووجه فساد هذا اللفظ أن معناه اللهم لا تدخل أحدا من المسلمين النار ، وقد ثبت ثبوتا قطعيا أن بعض المسلمين يدخل جهنم ثم يخرجون

فالجملة الأولى من أقوال القبيسيات المنقولة في هذا الفصل صريحة في عقيدة الحلول فإن الله تبارك وتعالى ليس جسما فيستحيل عليه أن يحل فيه شئ أو أن يحل هو في شئ ، قال الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه (( الفتح الرباني )) (1) : (( من اعتقد أن الله يحل فيه شئ أو يحل هو في شئ أو انه انحل من شئ أو ينحل منه شئ كافر)) ا هـ .  وقول : كل ما تهواه موجود في ذات الله كفر صريح لمن فهم معناه أما من لم يفهم معناه بل يردده من غير فهم معناه لا يكفر ولكن يجب أن ينهى عنه وأن يحذر منه لئلا يقوله . وكذلك قولهن :اثنان نحن وفي الحقيقة واحد فيه دعوى الوحدة المطلقة وكلا الأمرين من أكفر الكفر . وكذلك كلمة ما الكون إلا القيوم الحي صريح في اتحاد العالم مع الله ، لكن من الناس من يقولونه ولا يفهمون منه معنى الوحدة ، فالذي يفهم منه معنى الوحدة إذا نطق به كفر والذي لا يفهم منه ذلك المعنى ويظن أن معناه أن مدبر العالم هو الله وحده فلا يكفر .  والسادة الرفاعية رضي الله عنهم هم أشد الناس تحذيرا من الوحدة المطلقة والحلول ، قال القطب سيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه: (( لفظتان ثلمتان في الدين القول بالوحدة والشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة )) ا هـ أي أن التلفظ به هدم للدين ولو لم يعتقد قائله المعنى الذي هو اتحاد الله بالعالم. ومن هنا قال أبو الهدى الصيادي شيخ الرفاعية في زمانه في شرح رسالة لبعض الصوفية في ءاخرها : (( فائدة استطرادية : من قال أنا الله أو ما في الوجود إلا الله أو لا موجود إلا الله أو الكل هو الله أو نحو ذلك فإن كان عاقلا صاحيا في قيد التكليف فلا خلاف بين المسلمين جميعا في كفره لمخالفته نص القرءان )) ا هـ . أي أنه مرتد فيجرى عليه أحكام المرتد وإلا فلا .  والعجيب كيف يستحلون هذه الكلمات وهم يعلمون أن أفضل الذكر هو لا إله إلا الله ،لا ذكر أحب إلى الله من لا إله إلا الله وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إن هذه الكلمة أحسن الحسنات ، وهذا حديث صحيح رواه البيهقي وغيره وصححه الحافظ ابن حجر

فصل في التحذير من ناظم القبرصلي وشيخه الداغستاني

وأما ناظم القبرصلي فإنه ألف كتابا باسم شيخه الداغستاني قال فيه : الذي يقرأ الفاتحة ينال من التجليات والفضائل ما لم تنله الأنبياء ولو كان كافرا لأنه لا فرق بين الكافر والمؤمن عند الله لقوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ }[سورة الإسراء] ا هـ، وكان ذلك بترجمة ناظم لأن شيخه الداغستاني لا يعرف العربية إلا الداغستانية . وشيخه عبد الله الداغستاني قال لي مرة في دمشق :الشيخ محي الدين بن عربي حبسه ملك في المغرب في سجن عليه سبعة أبواب ووكل أي الملك بخدمته جارية عمرها ثمانية عشر عاما أو ستة عشر قال : فجاءتني روحانية الرسول فقال لي : انتهت مدتك في الحبس فنظر في اللوح المحفوظ فرأى أنها زوجته فجامعها ، قلت له : مقام الشيخ محي الدين يجل عن أن يجامع بدون نكاح شرعي فقال : هؤلاء يكتفون بنكاح العرش قلت : مقام الشيخ محي الدين يجل عن أن يجامع إلا بنكاح شرعي فسكت قليلا وقال : هؤلاء لا يشهدون إلا من أهل الديوان ، فخرجت من عنده

فصل  في بيان معنى حديث : (( لا تسبوا أصحابي ))

قال أبو مسلم الخولاني رضي الله عنه لمعاوية : السلام عليك يا أجير فقال له بعض من حوله قل: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أجير فقال معاوية : اتركوه فإنه يعرف ا هـ ذكره الإمام الحافظ ابن عساكر بإسناده فمن يظن أن كل صحابي تقي صالح فقد بعد عن الصواب بعدا شاسعا أليس فيهم من جلد على القذف أليس فيهم من رجم بالحجارة حدا لكونه زنى بعد إحصان ، فمن ظن أن الصحابي كائنا من كان أفضل ممن جاؤوا بعد الصحابة لو كان تقيا وذاك الصحابي غير تقي فقد خالف القرءان والحديث قال الله تعالى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [سورة الحجرات] حيث لم يقل إن أكرمكم عند الله من صاحب محمدا صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا )) رواه ابن حبان وصححه (1) . ومن الفهم الفاسد تفضيل بعض المتعصبين  لمعاوية حيث قال : (( غبار نعل فرس معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز ))، وهذا يخالف ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة )) (2) فما أبعد قول هذا المتعصب الأموي عن كلام الله وكلام رسوله ، وليس هذا من كلام عبد الله بن المبارك رضي الله عنه كما نسبه بعض بني أمية إليه زورا وبهتانا . فإذا تبين هذا فلا يجوز حمل حديث البخاري (1) (( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )) على كل الصحابة لأن معنى الحديث السابقون الأولون لأن الرسول قال هذا لخالد بن الوليد وكان سب عبد الرحمن بن عوف فخالد ليس من السابقين الأولين بل أسلم قبل وفاة الرسول بنحو ثلاث سنوات وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين الأولين ، وليس معنى هذا الحديث كل من ينطبق عليه اسم الصحابي ، ويحمل الحديث على أن سب الصحابة جملة حرام بل كفر ، ومن حمل الحديث حكما على كل فرد فقد غلط غلطا بعيدا . كيف ومن الصحابة من حضر مع الرسول حجة الوداع وسمع كلام الرسول يقول في تلك الحجة  (( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) (2) ، ثم هذا الرجل قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع معاوية ثم كان عندما يأتي إلى باب أحد بني أمية يقول قاتل عمار بالباب ، فليتق الله هؤلاء

وكذلك حديث الترمذي (( الله الله في أصحابي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن ءاذاهم فقد ءاذاني )) إلى ءاخره وهو حديث حسن (3) ليس فيه ما يزعمه أولئك الذين يظنون أن كل فرد من الصحابة أفضل من كل فرد ممن جاء بعدهم وأنه لا يجوز ذكر أحد منهم بسوء مما فعله أو قاله . كيف يقال هذا وقد صح الحديث بأن من خرج على أمير المؤمنين ومات على ذلك كأنه مات ميتة جاهلية رواه البخاري ومسلم (1) ، ثم أليس معاوية كان يأمر بسب علي فقد روى مسلم أنه قال لسعد بن أبي وقاص : ما يمنعك من أن تسب أبا تراب يعني عليا فماذا يقولون في معاوية هل يقولون سب جميع الصحابة ومن المناقض لكلام الله وكلام رسوله قول صاحب الزبد :  ومــا جــرى بــين الصــحاب نسـكــت  عــنه وأجــر الاجــتهــاد نــثـبت كيف يثبت الأجر لمن خرج على الخليفة وقد نهى الرسول عن الخروج على الخليفة إلا أن يكفر فالذين خرجوا على علي كلهم عصاة حتى طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم عصوا إلا أن ذنبهم مغفور لأجل البشارة التي بشرهم بها رسول الله بالجنة هكذا قال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري ، وهؤلاء الثلاثة رضوان الله عليهم تابوا

وما لصاحب (( الزبد )) وصاحب (( جمع الجوامع )) تاج الدين السبكي حيث قالا بأن الصحابة الذين قاتلوا عليا مأجورون لأنهم اجتهدوا . يقال لقائل هذا الاجتهاد لا يكون مع قيام النص الصريح إنما الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص قرءاني أو حديثي إنما هذا غلط في الرأي ليس من الاجتهاد الشرعي الذي يثاب فاعله إن أصحاب بأجرين وإن أخطأ بأجر واحد كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، وكأبي بكر وعلي رضي الله عنهما فإنهما اجتهدا في مسئلة الجد والإخوة فقال أحدهما الجد يرث والإخوة لا يرثون وقال الآخر وهو علي يشترك الجد والإخوة في الميراث ، هذا مع قول صاحب (( الزبد )) بأن الخروج على الخليفة حرام حيث قال : ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على ولي الأمر فكيف جمع بين القولين : فيا طالب الحق خذ بما يوافق الكتاب والسنة وهو ما قاله أبو الحسن الأشعري إن الذين قاتلوا عليا كلهم عصاة وتمسك بهذا الحق ولا تمل لما يخالفه . ونقل كلام أبي الحسن الأشعري الإمام الجليل تلميذ تلميذة محمد بن حسن بن فورك في كتابه مجرد مقالات الأشعري

فإذا تبين هذا فمعنى الحديث أن سب الصحابة جملة كفر وسب خيارهم كأبي بكر وعمر فسق وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( قتل مسلم واحد أعظم من زوال الدنيا )) وهو حديث صحيح (1) فماذا يقال فيمن قتل عشرين ألف نفس من الصحابة والتابعين فيهم خيار الصحابة أهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان وهو معاوية . فيدخل تحت هذا الحديث الذين قاتلوا عليا فإنهم كلهم عصاة الصحابي منهم وغير الصحابي ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجع )) وهذا أيضا ينطبق على مقاتلي علي ، رواه الحاكم وغيره(2) فالعجب بعد هذا ممن قال إنهم مأجورون من متأخري الشافعية كصاحب الزبد وغيره . ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم سمى جيش معاوية بغاة والباغي كيف يؤجر وكيف يجتمع الإثم والأجر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار )) (1) وعمار رضي الله عنه كان في جيش علي قتله جيش معاوية ، فمن أخد بكلام أمثال صاحب جمع الجوامع وصاحب الزبد لا عذر له وتأويل ابن تيمية للحديث بأن معنى الباغي الطالب مردود لا معنى له. وقد روى هذا الحديث الطبراني (2) بلفظ : (( تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الحق )) وما دعا ابن تيمية إلى هذا التأويل إلا ما يكنه في صدره من بغض علي لأنه كان ينتقصه في بعض كلامه كما قال الحافظ ابن حجر في (( لسان الميزان )) (3) .  ثم معاوية من الملوك كما يشهد بذلك حديث (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملك عضوض )) (4) أي شديد الظلم وهذا الحديث ثابت صححه الحافظ ابن حجر والحافظ ولي الدين العراقي وبعض أهل الكتب الستة

ثم هؤلاء غلوا في هذا الأمر فقال بعضهم غبار نعل فرس معاوية أفضل من مائة مثل عمر بن عبد العزيز ، وبعضهم قال أفضل من ألف مائة مثل عمر بن عبد العزيز، والصحابة رضي الله عنهم يجب مدحهم في الجملة أما من حيث الأفراد فمنهم تقي ومنهم غير تقي فالأتقياء منهم أفضل أولياء البشر وأما القول بأن كل فرد من الصحابة أفضل ممن جاء بعدهم فهو معارض للقرءان والحديث

فصل  في الرد على من يقولون ءاه اسم من أسماء الله

أقول: هذا باطل لأن ءاه من ألفاظ الأنين وقد نص فقهاء المذاهب الأربعة بأن الأنين يبطل الصلاة لمن تعمده ، وقد ثبت الحديث بأن ءاه يعجب الشيطان فقد روى الحافظ المجتهد محمد أبو بكر بن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ولا يقل ءاه ءاه فإن الشيطان يضحك منه )) أخرجه في كتابه (( الأوسط )) (1) .  وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري (2) عند ذكر حديث التثاؤب الذي أورده البخاري إن في رواية ابن عجلان فإذا قال ءاه ضحك منه الشيطان. وأما استدلال بعض الناس بحديث عائشة أنها قالت : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا مريض يئن فنهيناه عنه فقال : دعوه يئن فإن الأنين اسم من أسماء الله فهو حديث موضوع كما قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن الصديق الغماري في كتابه  (( المغير على الجامع الصغير ))(3) فإن الأنين المذكور فيه يشمل اثنتين وعشرون كلمة كلها أنين ففي القاموس (4) مع الشرح اثنتان وعشرون كلمة كلها أنين منها أوه أوه أوه أوه أوه أوه أوي أوه ءاووه ءاه ءاو ءاو أواتاه ءاوي ءاها واها أوه أواه أواه هاه ءاهه اثنتان وشعرون لغة كل ذلك كلمة تقال عند الشكاية أو التوجع والتحزن ، فعلي موجب هذا الحديث تكون كل هذه الكلمات أسماء الله . وهؤلاء الذين يشتغلون بآه كيف انتقوا من بين هؤلاء ءاه وتركوا البقية . ثم إن قولهم ءاه اسم من أسماء الله معارض للقرءان وهو قوله تعالى { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِه } [سورة الأعراف] أي أن كلا من أسماء الله يدل على معنى حسن وءاه لا تدل على معنى الكمال لله تعالى بل تدل على الشكاية والتوجع والتحزن وذلك بإجماع أهل اللغة لأنها للشكاية والتوجع والتحزن ، فأي مسلم يرضى أن يسمي الله بهذا اللفظ الذي هذا معناه بما ذكر بإجماع أهل اللغة

وأما إيراد الجامع الصغير لحديث دعوه يئن فإن الأنين اسم من أسماء الله فليس حجة في صحته لأن فيه أحاديث أخرى حكم المحدثون بأنها موضوعة والسيوطي إنما أوردها ليعرف أنها غير صحيحة لأنه لم يضع عليه علامة الصحة

ومما يرده أيضا أن العلماء قالوا :لا يسمى الله إلا باسم ورد في القرءان أو الحديث الصحيح ، قال الإمام أبو الحسن الأشعري: لا يسمى الله مستطيعا وإن كان معناه القادر لأنه لم يرد أي في القرءان والحديث ، والعياذ بالله من عمى القلب كيف اعتقد هؤلاء أن ءاه اسم من أسماء الله وءاه لا يدل على الكمال والقرءان الكريم نص على أن أسماء الله حسنى أي تدل على الكمال قال تعالى:  { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } . هذا وقد أفتى شيخ الجامع الأزهر سليم البشري رضي الله عنه جوابا لسؤال رفع إليه عن هؤلاء الذين يعملون حضرات ذكر ثم يقومون ويرقصون ويقولون ءاه ءاه وربما قالوا أح أح بأنه يحرم حضور مجالسهم )) وكذلك غيره من علماء مصر أفتوا بمنع ذلك . فعلى موجب هذا الحديث الموضوع الذي أنتم استندتم إليه كل هذه العشرين كلمة من كلمات الأنين وكذلك الكلمتان الأخريان اللتان ذكرهما شارح القاموس كلها أسماء لله . فتبين أنه لا معنى لقول العزيزي:  (( حديث فإن الأنين اسم من أسماء الله قال شيخنا حديث حسن لغيره )) ا هـ .أما الأواه فقد فسره علماء اللغة بغير الأنين وقد ثبت عن عبد الله ابن مسعود بإسناد حسن (1) تفسير قول الله تعالى { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ }[سورة هود] بالرحيم،وإبراهيم ينزه عن أن يسمي الله بألفاظ الأنين، وليس أحد من المفسرين قال إن إبراهيم لأواه أي كان يقول ءاه ءاه ولن تجدوا نقلا بذلك أيها المولعون بهذا اللفظ . قال الإمام أحمد: (( الأنين مكروه للمريض )). والذي يريد الحق ويقف عند الحق يكفيه اتفاق المذاهب الأربعة أن ءاه وسائر كلمات الأنين تفسد الصلاة إن تعمدت فماذا بعد هذا وماذا بعد الحق إلا الضلال

فصل ومما يجب التحذير منه الطائفة التي تقول بأن الرسول يعلم كل ما يعلمه الله

فمن قال هذا فقد سوى الرسول بالله كالذي يقول الرسول قادر على كل شئ قال الله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [سورة الحديد] وقال { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [سورة الحديد] وقال { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } [سورة النمل] وسواء من قال إن علم الله بكل شئ ذاتي وعلم الرسول بكل شئ عطائي ومن قال علم الرسول ذاتي ، فالله تعالى لا يعطي العلم بكل شئ أحدا من خلقه كما لا يعطي القدرة على كل شئ لأحد لا لأشرف خلق الله ولا لغيره . ويكفي في إبطال قولهم قوله تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [سورة الأنعام ] وهذا الآية محكمة لا يدخلها النسخ ولا التخصيص ، ويكفي أيضا قوله صلى الله عليه وسلم (( أوتيت مفاتيح كل شئ إلا خمسة )) الذي رواه أحمد والطبراني (1) ، وأورده السيوطي في ((الخصائص الكبرى )) وصححه (2) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة (3) .وهذا عرف عن البريلوية الطائفة التي تنتسب إلى الشيخ أحمد رضا البريلوي وهذا كفر بالإجماع كما قال مفتي المدينة المنورة السيد أحمد البرزنجي الحسيني في رده على الشيخ أحمد البريلوي في حياته والناشر للكتاب اسمه تحسين إرشاد وذلك في كتابه  (( غاية المأمول)) (1)

فصل في التحذير من فتحي يكن

قال الله تبارك وتعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } [سـورة ءال عمران ] قياما بهذا الواجب وإظهارا للحق وتمييزا له عن الباطل حصل لقاء بتاريخ 14 أيلول 2004 بيننا وبين الدكتور فتحي يكن قمت فيه بشرح بعض أسـس العقيدة الإسلامية الصحيحة وذكرت بهذه المناسبة السلطان صلاح الدين الأيوبي والسلطان محمدا الفاتح أنه كان أحدهما أشعريا والآخر ماتريديا وأن أهل السنة اليوم هم الأشعرية والماتريدية . وبينت خطر الفكر المتطرف الذي يكفر البشرية جمعاء ويستحل دماءها وأموالها المتمثل بما قاله الكاتب المصري المعروف سيد قطب والذي كفر كل إنسان لا ينتمي إلى جماعته بما يشمل رعاة الغنم ومؤذني المساجد.  وقد استمر اللقاء نحو ساعة لم يتكلم فيها الدكتور فتحي بكلمة واحدة تعارض ما قلته . وقد أصدر بعد اللقاء بيانا عبر مكتبه الإعلامي زعم فيه أنه لم يكن بين المجتمعين في هذا اللقاء أي خلاف متعلق بالأس والأصول وإن كان قد أهمل تماما الإشارة إلى ما جرى ذكره من شذوذ سيد قطب وخطر فكره

لكن بعد أسبوع من ذلك صرح في المجلة التابعة لحزبه المسماة (( الأمان)) قائلا إن فكر الشيخ عبد الله الهرري وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية ( مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح وعدول هذه الأمة وفقهاؤها ) مدافعا عن سيد قطب وناعتا له بالشهيد ومنتقدا الحملة عليه وعلى الشيخ فيصل مولوي الذي صرح في مجلة ((الشهاب )) بأن ( المجتمعات اليوم مجتمعات جاهلية مشركة). تجاه ذلك نقول لفتحي يكن: أنت تدافع عن سيد قطب الذي يقول: (( لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله )) إلى أن قال (( ارتدت البشرية بجملتها حتى أولئك الذين يرددون على المآذن كلمات لا إله إلا الله بلا مدلول أو واقع ارتدوا إلى عبادة العباد )) . وأنت تدافع عن سيد قطب عدو الفقه الإسلامي الذي قال في كتابه الظلال أيضا ( المجلد الرابع الجزء الثالث عشر/ص 2012) عن الاشتغال بالفقه الإسلامي في هذه الأيام بأنه مضيعة للعمر وللأجر أيضا

وأنت تدافع عن سيد قطب الذي يسمي الله في أكثر من كتاب عقلا وقوة وريشة وهي تسميات تبرأ منها علماء الإسلام وقالوا بأنها من الإلحاد في أسماء الله .  وأنت تدافع عن سيد قطب الذي يكذب صريح قول الله تعالى {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[سورة النساء ] ويقول : (( إن حواء خلقت خلقا مستقلا ولم تخلق من جزء من أجزاء ءادم )). وقد أجمع المسلمون وسائر أهل الأديان على أن حواء خلقت من ضلع ءادم.   وأنت تدافع عن سيد قطب الذي يقول في (( ظلاله )) ( 6/841) : (( ومن اتبع غيره – أي غير حكم الشرع – ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية الله وخرج من دين الله مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم )).  وأنت تدافع عن سيد قطب الذي يقول بأن الله حال منبث بذاته في كل مكان فيقول في تفسير سورة الحديد من (( ظلاله )) عن الآية  { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } : (( وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز والله تعالى مع كل شئ ومع كل أحد في كل وقت وفي كل مكان )) .  وأنت تدافع عن سيد قطب الذي صار كتابه المسمى (( معالم في الطريق )) دستورا لكل جماعات تقتيل الأبرياء وتفجير ممتلكاتهم وخطفهم وتذبيحهم . هذا هو سيد قطب الذي تدافع عنه

فإما أنك تجهل أفكاره وأقواله فها نحن قد أعلمناك بها ويسهل عليك أن تتأكد مما ذكرناه عن الرجل ونقلناه عنه ، فافعل ذلك ثم حذر الناس من هذه المخالفات للشرع والتكذيب له كما نحن نحذر لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس .  وأما أنك تعلم أفكاره وأقواله ومع ذلك تدافع عنه فأنت بذلك بميزان الشرع شريك له في الذنب والوزر داع لما يدعو إليه.  فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم  أما فيصل مولوي الذي تدافع عنه أليس هو الزاعم بأن الكافر مباح لا إثم فيه كما نقلت ذلك عنه مجلة حزبه المسماة ((الأمان)) في عددها الانتخابي الصادر عام 2000 ذي الرقم 420 ونص كلامه : (( لأن الله عز وجل عندما أباح لمن يكفر به أن يكفر …)) الخ. فهل هذا الكلام دس عليه كذب من جماعته أم أيش!. أليس هو الذي قال لشاب في السادسة والثلاثين من العمر لا يحلو له عند الغضب إلا أن يكفر ويشتم الخالق : (( أنت مسلم يا أخي عن شاء الله )) فنفى عنه الكفر مع تصريحه بشتمه لله تعالى ولم ينصحه حتى أن يرجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين. ذكر ذلك في مجلة (( الشهاب )) في العدد الخامس عشر . أليس هو القائل في العدد التاسع من مجلة (( الشهاب )) بأنه (( لا يجوز التكلم مع البنات من أجل الدعوة إلى الإسلام ولو كان الكلام في حدود الحشمة والأدب )) ألم يعلم (( الشيخ )) فيصل بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدرس النساء وبأن من لا يحصى بعده من الصحابة والتابعين وأتباعهم كانوا يدرسون النساء مع وجود فقيهات بين النساء في أزمانهم

أليس (( الشيخ )) فيصل هو الذي قال (( إن الحرام لا يتجاوز ذمتين )) وجعلها قاعدة فقهية بزعمه ،كما في العدد الثاني من المجلة  (( الشهاب )) . ومعنى كلامه أن الرجل إذا سرق مالا فأعطاه لآخر ثم أخذه منه ثالث جاز له ذلك مع علمه بأنه من حرام .و لعل هذا ما يفسر ما ذكره النائب المصري أحمد طه وغيره من المتاجرة بالمخدرات وتهريب السلاح للمجرمين التي يقوم بها ما يسمى  (( بنك التقوى )) المتمركز في جزر الباهاماس والذي (( للشيخ )) فيصل مولوي و((الشيخ )) يوسف القرضاوي اسمان بين المؤسسـين له . أليس (( الشيخ )) فيصل هو الذي يحرم في العدد الحادي والعشرين من المجلة (( الشهاب )) اقتناء التلفزيون ! ونحن نتساءل كم جهازا للتلفزيون يوجد في بيته وبيوت أتباعه !!! أليس فيصل مولوي هو الذي قال في العدد التاسع من المجلة (( الشهاب )) : (( يجب عليك أن تعلم أن الإقامة في بلاد الكفر لا تجوز)) . !! ونحن نتساءل كم مركزا لجماعته وتابعيه وحزبه في تلك البلاد ؟ وكم من أعضائه يقيمون هناك ؟ أليس ما يسميه (( مركز الإفتاء الأوروبي ))الذي هو عضو فيه مقره (( دبلن ))؟ أم أن  (( دبلن ))عنده تعتبر من بلاد الإسلام

أيها الدكتور فتحي يكن هذه أمثلة عن فتاوى سيد قطب وفيصل مولوي التي نحذر منها ونخالفهما لأجلها . ونحن نقول إن أقوالهما هذه مخالفة لدين الله ، أما أنت فتدافع عنهما .  فإن زعمت أن أقوالهما هذه صحيحة فبين لنا بالحجة والدليل من القرآن والسنة وأقوال الأئمة المجتهدين . بل نحن نتحداك أن تفعل ذلك.  فإن لم يكن عندك دليل فاسكت عن التعرض لنا إن لم تكن تريد أن تساعدنا في بيان الحق . وإنا لنعجب من قولك إن ما نعمله ونقوله ( مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح وعدول هذه الأمة وفقهاؤها ) . فهل ذلك من أجل العقيدة التي نتبعها وهي عقيدة الصحابة والتابعين العقيدة الأشعرية والماتريدية !  فماذا تقول إذا في السلطان صلاح الدين الذي نحن على عقيدته الأشعرية ؟ فماذا تقول في السلطان محمد الفاتح الذي هو عقيدته ماتريدية ؟  ماذا تقول في مشايخ بيروت وطرابلس ومفاتيها كالشيخ أبي المحاسن القاوقجي ، والشيخ وهيب البارودي ، والمفتي الشيخ عبد الباسط الفاخوري ، والشيخ عبد الرحمن الحوت ، والمفتي الشيخ مصطفى نجا، الأشاعرة والماتريدية . ومنذ ألف سنة أين أهل السنة غير الماتريدية والأشعرية

أم أنك تدافع عن قطب ومولوي لأنك ما زلت على عقيدتهما من تكفير البشرية كما ذكر في كتابك (( كيف ندعو إلى الإسلام )) (ص/ 112) حيث قلت : (( واليوم يشهد العالم أجمع ردة عن الإيمان بالله وكفرا جماعيا وعالميا لم يعرف لهما مثيل من قبل)) فكفرت والعياذ بالله مليارا ونصفا من المسلمين يا فتحي، ذكرت أننا نكفر فلانا وفلانا أشخاصا أقل من عشرة وأنت كفرت كل الأمة . روى البخاري عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يأتي أمر الله )) أي أن المسلمين لا ينقطعون إلى يوم القيامة . وفي الحديث الثابت الآخر : (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة )). أنت ومن وافقك نفيتم معنى هذين الحديثين حتى قلت ما قلت من تلك الكلمة التي مر ذكرها ، أين كلامك وأين حديث رسول الله . وقال سيد قطب في كتابه المسمى (( العدالة الاجتماعية في الإسلام )) (طبع دار الكتاب العربي – ص 174 ) ما نصه : (( فلا يأخذ أحد الإسلام بمعاوية أو بني أمية فهو منه ومنهم بريء )) ا هـ. وكلامه هذا فيه تكفير معاوية وتكفير بني أمية ومنهم سيدنا عثمان وسيدنا عمر بن عبد العزيز فماذا تقول فيه وهو يكفرهم بغير حق. وهل تقول فيه ما تقول فينا أم أنك تكيل بمكيالين . نحن كفرنا من كفرناه بدليل شرعي ، ما كفرناهم جزافا ومن أراد البيان فليأت إلينا وأما أنت أعد جوابا عن زعيمك الذي تدافع عنه سيد قطب في تكفيره لمعاوية وبني أمية

وتكفير من تكلم بكلمة الردة هو من دين الله ولم يزل السلف والخلف على ذلك . هذا الإمام الأوزاعي المجتهد السلفي كفر أبا مروان غيلان الدمشقي وقال للخليفة هشام بعد أن ناظره بعلم الخليفة وقطعه : (( كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين )) ، فماذا تقول ؟ هل تقول إن كلامك هذا حق أم باطل ؟ وهل كلامك اليوم هو عين كلامك السابق ؟ أم أنك تلقي الكلام كل مدة على عواهنه من غير أن تعرف ما يصيب منه مما يخطئ !! يصيب ولا يدري ويخطى وما درى وكيف يكون الجهل إلا كذلك نحن نطالبك أن تذكر ما هذا الذي تدعي أننا نخالف فيه إجماع الأمة وأن تثبت مخالفتنا المزعومة بالدليل . فإن لم يكن عندك دليل فاتق الله واعلم أنك صائر إلى القبر حيث تلقى ما قدمت.  إلـى ديــان يـوم الـديـن نــمضـي وعــند الله تـجـتمع الــخـصـوم. وقد ادعيت أنك في الماضي دعوت إلى عقد مناظرات علمية معنا ، إن صدقا وإن كذبا، فها ميدان المناظرات مفتوح أي يوم تريد حتى نثبت الحجة في تكفير من ذكرت أننا كفرناهم والذين شرب أكثرهم من عكر مشرب سيد قطب ، وليتميز عند من له فهم من يتبع جمهور الأمة ويتمسك بأقوال الأئمة ومن يخالف السلف والخلف وعدول الأمة وأئمتها . وسترى الفضيحة مثل فلق الصبح

فصل في الرد على كلام فيصل مولوي الفاسد  الذي ذكره على الإنترنت في 4/6/2004 

قال فيصل مولوي على الإنترنت في الموقعه  بتاريخ4/6/2004 فتوى 958: الأحباش أو ( جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية ) هم تلامذة الشيخ عبد الله الهرري ، ولهم طريقة خاصة في العقيدة تجعلهم يكفرون المسلمين وعلماءهم لأتفه الأسباب . كما لهم طريقة خاصة في الفقه لا يشاركهم فيها جمهور العلماء المعاصرين . والمناقشة معهم لا تفيد لأنهم لا يقتنعون إلا بأقوال شيخهم . وإذا تجنبت الدخول إلى مساجدهم فهو أفضل لمنع الجدال غير المفيد لكننا نعتبرهم مسلمين تصح الصلاة معهم وخلفهم وإن كانوا هم يعتبرون غيرهم كفارا ولا يجيزون الصلاة خلفهم اهـ

الرد: إن فيصل مولوي يرى القذاة في عين غيره ولا يرى الجذع في عينه هذا إذا كان في عين غيره قذاة . ألا يخجل مما يقول بعد أن بان الصبح لذي عينين وقد بان للأمة بأسرها من هم أمثال فيصل مولوي من يدور بفلكهم حيث تورطوا بإنشاء مؤسسة باسم الدين تلفيقية من أهواء شتى مرة يسمونها الوسطية وأخرى يسمونها فقه التيسير إلى ما هنالك من أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان ، فهذا شأنهم  أما نحن ففكرنا وعقيدتنا الإسلامية باتا أنصع من الشمس في رابعة النهار حيث إننا في عقيدتنا على مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري وهو إمام أهل السنة قديما وحديثا بالإضافة إلى الإمام أبي منصور الماتريدي وهذا خطابنا في كتبنا ومجالسنا يشهد لنا بذلك . أما عقيدة جماعتك يا فيصل فإنما عي تركيبات قائمة على الأهواء حيث وصل بهم الأمر أن حرموا قول أستغفر الله وذلك في مجلتكم المسماة ( الأمان العدد (7) السنة الثانية 22 رجب 1400 هـ ) حيث قيل بالنص : (( لا تصح صيغة الاستغفار إلا قول : رب اغفر لي أو ربنا اغفر لنا أو غفرانك ))  وقال هذا المدعي :كل ما عدا هذه الصيغ فهو كلام أقل ما يقال فيه أنه المكاء والتصدية وما استعمال صيغة استغفر الله إلا دليل جهل من المستغفر لا أصل له في القرءان والسنة

والرد على مثل هذه الترهات واف ووافر رددنا غير مرة وفي غير موضع ولكن نكتفي بما روى مسلم في صحيحه أن الأوزاعي رضي الله عنه سئل كيف الاستغفار أي الوارد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الاستغفار عقب الصلاة ثلاث مرات ثم قول : اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام . فقال : تقول أستغفر الله أستغفر الله . ففسر الأوزاعي هذا الاستغفار الذي أمر به الرسول بهذه العبارة المعروفة بين المسلمين صغارهم وكبارهم من الصدر الأول إلى يومنا هذا . والرسول عليه االسلام نفسه كان يقول في ءاخر الخطبة ((هذا وأستغفر الله لي ولكم )) . هؤلاء طعنوا في الرسول وفي المسلمين عامة فليعرفوا أين هم من الإسلام. وهذا الحديث الثاني رواه ابن حبان وصححه . وأما قولك : (( يكفرون المسلمين وعلماءهم لأتفه الأسباب )) فالرد : أننا نطالبك بأن تسمي لنا من هم هؤلاء المسلمون ومن هم علماؤهم . فإن كان قصدك ابن تيمية فالذين كفروه وكتبوا في أضاليله يربون على مائة من القرن الثامن الهجري إلى يومنا هذا ابتداء من السبكي والعلائي وابن جهبل وغيرهم من معاصريه ومرورا بمفتي مصر الشيخ بخيت المطيعي ومحمد زاهد الكوثري وكيل مشيخة الإسلام أيام العثمانيين والحافظ أحمد الغماري وغيرهم من أهل عصرنا وصولا إلينا وإلى تلاميذنا . وأنت الذي تتهمنا بالتكفير قل لنا من ترك ابن تيمية من شره من المسلمين لم يكفره ومقالاته في هذا المجال فاضحة وفادحة

وأما إن كنت تقصد في غمزك تكفيرنا لسيد قطب وأمثاله ، فسيد قطب هل نسيت أنه كفر الأمة الإسلامية قاطبة وبدون استثناء؟ ويكفيه من الخزي ما امتلأ به كتابه (الظلال) ومما قال في الجزء الثالث ص1257طبعة دار الشروق بأن الإسلام اليوم متوقف عن الوجود مجرد الوجود وإننا في مجتمع جاهلي مشرك . ا هـ .  فمن الذي كفر الأمة بجملتها يا فيصل؟ أليس قال رجل من جماعتكم من ءال حوا يجوز لنا إذا أردنا ن نقتل إنسانا اختبأ في قرية فيها سبعمائة شخص أن نقتل السبعمائة لأجل أن نقتل هذا الواحد.  ثم أنت يا فيصل ألم تقل في مجلة الشهاب العدد الثاني ص 16 السنة السابعة 1973 وفي العدد الثالث عشر السنة السابعة ص 16 عام1973 ردا على سؤال رشيد فرحان أن أخاه يعمل في بنك ويعطيه المال لأجل إكمال دراسته فهل يجوز له أخذ هذا المال قلت ما نصه : ((إن أخذ النقود من أخيك لإكمال دراستك ليس عليك فيه إثم لأن القاعدة الشرعية أن الحرام لا يتجاوز ذمتين ولأن المال الخبيث لا يكون خبيثا بذاته بل بطريقة الحصول عليه )) إلخ …  معنى كلام فيصل أن مال البنك حرام والموظف الذي أخذه من البنك حرام عليه وأما الثالث الذي قبض من الموظف فحلال عليه ،يعني وبطريقة أوضح وأفضح ينجر كلامه إلى أنه لو شخص سرق مالا ثم أخذه ءاخر منه ثم سرق منه ثالث فالإثم على السارق الأول والذي أخذ منه أما الثالث فلا إثم عليه بحسب كلام فيصل مولوي ولو كان يعرف أصل هذا المال

وهذا الكلام لا يقبله مسلم ولا غير مسلم ، فإن فيه إباحة أكل أموال الناس وسرقتهم ، وهذا مما يخالف الشرع وكل نظام الدول وبهذا فتح باب سرقة أموال الناس على مصراعيه وهذا لم يقل به أحد قط قبله .هذا هو حال الذي يسميه حزب الإخوان ( فقيه الجماعة ) يعني فقيه الحزب يعني أعلهم .فإذا كان هذا حال أعلمهم فما ظنك بمن دونه ؟ ثم أنسيت يا فيصل قولك في مجلة الشهاب العدد التاسع ( السنة السابعة ) 1973ص 16: (( لا يجوز التكلم مع البنات من أجل الدعوة إلى الإسلام ولو كان الكلام في حدود الحشمة فالرجل ليس مكلفا أصلا بدعوة النساء للإسلام وباب دعوة الرجال مفتوح لم يغلق وحجة تبليغ الدعوة للنساء مدخل كبير من مداخل الشيطان قد يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الدعوة ومن الإسلام )) . قلت هذا الكلام مردود بكثير من النصوص وكأن فيصلا هنا يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة وعلى علماء المسلمين أمثال الحافظ ابن عساكر الذي كان له أكثر من ألف شيخ وشيخة وغيره كثير وكثير، وكم وكم من الصحابيات قد نقلن الأحاديث عن رسول الله وبلغنها للرجال ، أما فيصل فيعتبر الكلام مع البنات سبيلا للردة والخروج من الإسلام!!! وقد تخلى الآن جماعة فيصل لمجاراة الأوروبيين عن هذه الأفكار وصاروا يلتقون بالبنات في الجامعات والمدارس والصور في المجلات والجرائد كثيرة وليس ما نقوله من الأسرار

وأما قول فيصل ( كما لهم طريقة خاصة في الفقه لا يشاركهم فيها جمهور علماء المعاصرين ) فإن كان مراده بالعلماء المعاصرين أمثاله وأمثال القرضاوي فنعم نحن لا نشارك هؤلاء في شذوذهم . أليس هم الذين أباحوا في ( دبلن ) بيع الأطعمة التي تحوي لحم الخنزير وأباحوا للمسلم أن يتاجر بالخمور عبر أجير غير مسلم وذلك في البيان الذي صدر عن ما يسمى المجلس الأوروبي للإفتاء في دبلن.في الاجتماع الثاني (ص4)وفيصل عضو فيه كما جاء في البيان. إن كان لنا طريقة خاصة في الفقه كما تقول ، فأنتم قد نسفتم الفقه وأوسعتمونا قذفا وشتما ، ونحن ولله الحمد طريقتنا في الفقه اتباع المجتهدين من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم

استمع إلى سيد قطب الذي تعظمه وتحث على كتبه وطريقته ماذا يقول عن الفقه في كتابه الظلال الجزء الرابع ص2012 طبعة دار الشروق يقول : (( إن العمل في الحقل الفكري للفقه الإسلامي عمل مريح لأنه لا خطر فيه ولكنه ليس عملا للإسلام لا هو من منهج هذا الدين ولا من طبيعته وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب والفن أو بالتجارة أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملا للإسلام في هذه الفترة فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضا )) . فما رأيك بزعيمك يا فيصل الذي اعتبر العمل بالفقه مضيعة للأجر والعمر بل اعتبر عمل الفن كالرقص والغناء أحسن من العمل في مجال الفقه . وفي مجلة الشهاب العدد (15) (السنة الرابعة ) السنة 1971 ما هو فيصل عينه يرد على سائل ينتسب إلى الإسلام قال إنه كلما يغضب يكفر ويشتم الخالق فما حكم الإسلام فيه وكيف يعمل حتى يدخل في الإسلام ؟ فأجابه ( فقيه الحزب بزعمهم ) فيصل مولوي : (( أنت يا أخي مسلم إن شاء الله )) إلى أن يقول : (( ولكن إياك أن تظن أنك أصبحت من الكافرين )) .  وهنا نريد أن نسأل إن كان سب الله ليس كفرا فما هو الكفر ؟ ماذا كان يمنعك أن تصارحه بأن ساب الله كافر بالإجماع كما نقل ابن فرحون المالكي وغيره؟ أم أنك خشيت أن تخرج من ( دائرة الوسطية ) المزعومة ؟ ماذا كان يمنعك أن تقول له عد إلى الإسلام بالشهادتين وانو أن لا تعود لأن نية العودة إلى الكفر كفر ؟ هذا وأفتى فيصل بتحريم اقتناء التلفزيون وذلك في مجلة الشهاب العدد  (21) ( السنة الرابعة) 1971ص/16

والرد أنه على موجب كلامك ما سلم بيت من بيوت المسلمين تقريبا من الحرمة والمعصية . ثم نريد أن نسألك يا فيصل كم يوجد الآن جهاز تلفزيون في منزلك ومنازل أولادك وأهلك وأصحابك وحزبك أجمعين ؟ وأفتى بأن الكحول التي في الكولونيا لو كانت نجسة فهي تبطل الوضوء فقط .ذكر ذلك في مجلة الشهاب العدد (20) (السنة الثامنة ) 1975ص/16.  وهذا قول باطل شاذ يعجز فيصل عن أن يذكر ولو واحدا من العلماء الماضين وافقه فيه. وفي مجلة الشهاب العدد السابع ( السنة الرابعة 1970ص16 قال فيصل للسائل : ((ويجب عليك أن تعلم أن الإقامة في بلاد الكفر لا تجوز طالما أن المسلم قادر على الإقامة في ديار الإسلام إلا إذا كان لضرورة مؤقتة كطلب العلم بالنسبة لأنواع العلوم الغير موجودة في ديار الإسلام وأما الإقامة في ديار الكفر لمجرد طلب الرزق فغير جائزة )).  قلت إن هذا الكلام ليس له دليل ومن المعلوم أن صاحب الفتوى فيصل المولوي أقام فترة في فرنسا وفتح متجرا في باريس لطلب الرزق أنأخذ بقولك أم بفعلك أم ماتسميه ( فقه الوسطية ) له رأي ءاخر

فبعد هذا السرد الموثق من كلام فيصل المولوي تبين أنه هو وحزبه حزب الإخوان من له طريقة خاصة شاذة تخالف أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من المجتهدين في أصول الدين وفروعه وعليهم أن يتوبوا قبل أن يفوت زمن التوبة والله الموفق لمن يشاء

فصل  

ومن الكتب التي يجب التحذير منها كتاب (( معراج التشوف )) المنسوب لابن عجيبة فإن فيه أن من أسماء الله التي تطلقها الصوفية على الله الخمرة وفيه كلام معناه اتحاد الله بالخلق نقل فيه هذا البيت وما الكون في التمثال إلا كثــلجة وأنت لها الماء الذي فيه نابع وما الثلج في تحقيقنا غير مائه وغيران في حكم دعته الشرائع وهذان البيتان من كتاب (( القصيدة العينية )) لعبد الكريم الجيلي مؤلفة من ثمانمائة بيت على حرف العين .  وكذلك ينبغي أن يحذر من كتاب (( الفتاوى الحديثية )) المنسوبة لابن حجر الهيتمي فإن فيه القول بأن غبار نعل فرس معاوية في الغزو كان أفضل من عمر بن عبد العزيز منسوبا إلى عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وهذا الكلام مخالف للقرءان والحديث لأن عمر بن عبد العزيز عالم مجتهد تقي زاهد فكيف يفضل عليه غبار نعل فرس معاوية والله تعالى يقول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [سورة الحجرات ] والرسول عليه السلام قال (( إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا ))(1 ) أي أن التقي أفضل من غير التقي إن كان من الصحابة أو من غير الصحابة من غير فرق بالنسب فكيف يقال هذا الكلام الذي هو ضد القرءان والحديث وقد قدمنا ذكر ذلك . وليحذر أيضا ما في كتاب  (( البحر الرائق )) نقلا عن (( التجنيس ))من جواز كتابة الفاتحة بالبول والدم إن علم فيه شفاء ،فإنه لا يحتاج إلى كتابة شئ من القرءان بالبول وأي حاجة إلى ذلك ؟ ولو احتيج إليه فكيف يجوز هذا ثم كيف يدعي مدع أن كتابة الفاتحة بالبول فيها شفاء . وكذلك لا حاجة للاستشفاء بكتابة شئ من القرءان بالدم. وكيف لا يحصل الشفاء بالكتابة المداد معناه الحبر أو بالزعفران المخلوط بالماء وغير ذلك من أشياء كثيرة من الطاهرات

وقد ذكر ابن عابدين نفسه في ثبت شيخه أي يذكر فيه إسناد شيخه العقاد أنه لا يجوز كتابة شئ من القرءان بالدم (1) ، وذكر أيضا في كتاب (( الجنائز)) (2) المنع من كتابة يس والكهف على الكفن لأن فيه تعريضا للنجاسة وهو ما يسيل من الميت من القيح والصديد . وكتابة الفاتحة بالبول شبيهة بما قالوا من أن إلقاء المصحف في القاذورة ردة. ومما يجب التحذير منه حديث باطل موضوع في نسخة سقيمة من كتاب الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان وهو أن ءادم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عندما يذهب إليهم الناس يوم القيامة للشفاعة يقول كل واحد إني أخاف أن يطرحني الله في النار ، وهذا تكذيب للقرءان والسنة والإجماع لأن الأنبياء وكل الصالحين لا يحصل لهم خوف من النار ولا من غيره من أنواع النكد لا في القبر ولا في الآخرة ، دل على ذلك قوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [سورة يونس ] وقوله تعالى :  {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [سورة فصلت] ، وحديث: (( ما من نفس تموت لها عند الله خير تحب أن تعود إلى الدنيا ولو أن لها الدنيا وما فيها )) (1)، كما ان هذه اللفظة زيادة غير موجودة في طرق الحديث المعروفة . ومن كتب هذه العبارة وهو يفهم المعنى عند كتابته وسكت عليه كفر لأن من المعلوم عند مسلم الصغير والكبير أن الأنبياء لا خوف عليهم في الآخرة ولا في القبر ولا يصيبهم نكد مطلقا، فليتق الله من يبيع هذه النسخة المطبوعة وليغير بالضرب عليه

تنبيه: ما ذكر من وجوب تغيير المنكر باليد فإن لم يستطع الشخص ذلك فباللسان مشروط بكون إنكار هذا المنكر لا يؤدي إلى منكر أعظم وإلا حرم الإنكار . وقد نص الفقهاء أن المسلمين إن عجزوا عن مقاتلة الكفار وعلموا أنهم إن فعلوا يصطلمهم الكفار أي ييدونهم حرم عليهم القتال عندئذ عملا بقوله تعالى :{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [سورة البقرة] وعملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه)) قيل وكيف يذل نفسه يا رسول الله قال : (( يتعرض لما لا يطيق من البلاء )) رواه الترمذي والبيهقي بل نص الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر على أنه يجوز مصانعة الكفار عندئذ بمال يدفع إليهم إن احتيج إلى ذلك لدفع أذاهم عن المسلمين فإن الجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله لا لإذلال المسلمين وإبادتهم فالقتال في هذه الحال مؤد إلى عكس المقصود من الجهاد فيمتنع .ولسنا نقول ذلك لظننا أن الإنكار باللسان غير مستطاع في أيامنا بل هو مستطاع ولم نكتب رسالتنا هذه إلا قياما بواجب إنكار المنكر وتنبيها على أهميته وإنما أردنا بيان حكم الشرع فقد يجد الشخص نفسه في حال لو أنكر فيها المنكر بيده أو لسانه لأدى ذلك إلى زيادة المنكر لا إلى تغييره وإزالته . والله أعلم . تمت الرسالة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المرسلين وءاله الطاهرين