أخرج الحافظ ابن عساكر فى تبيين كذب المفترى والحاكم فى المستدرك ” لما نزلت: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هم قومك يا أبا موسى) وأومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى أبي موسى الأشعري” اهـ. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم، رواه الإمام الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم كذلك، وابن سعد في طبقاته والطبراني في معجمه الكبير وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجالُه رجالُ الصحيح.
قال القشيرى: فأتباع أبى الحسن الأشعرى من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع ، قاله القرطبى فى تفسيره (ج6/220)
وقال البيهقى: وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبى الحسن الأشعرى رضى الله عنه فهو من قوم أبى موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصاً من بينهم بتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة ورد الشبهة “.ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري.
وذكر الإمام البخاري في صحيحه باب ” قدوم الأشعريّين وأهل اليمن وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم هم منّي وأنا منهم” اهـ.
ولما نزلت هذه الآية قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا الايمان يمان والحكمة يمانية .”
وأخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين أن النبي أتاه أناس من بني تميم فقال عليه الصلاة والسلام: “اقبلوا البشرى يا بني تميم” قالوا بشرتنا فأعطنا مرتين فتغير وجهه – أي للأسف عليهم كيف ءاثروا الدنيا-، فجاءه أناس من أهل اليمن فقال:” يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم ” قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان، قال: “كان الله ولم يكن شىء غيره”. أي كان الله في الأزل ولم يكن مكان ولا زمان ولا جهة ولا عرش ولا سماء ولا جسم ولا حركة ولا سكون ولا مخلوق ثم خلق الله الخلق ، وبعد خلقه الخلق لازال كما كان ، فهو سبحانه موجود بلا كيف ولا مكان ولا جهة.
ونحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السنية التى نحن عليها والتى كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، والتى مدحَ الرسول صلى الله عليه وسلم معتنقها ، فقال فيما رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني والحاكم بسند صحيح : ” لَتُفْتَحَنَّ القسطنطينية فلنِعم الأمير أميرها ولنِعم الجيش ذلك الجيش” ، ولقد فتحت القسطنطينية بعد تسعمائة عام، فتحها السلطان محمّد الفاتح الماتريدي رحمه الله ، وكان سنيّاً يعتقد أن الله موجود بلا مكان ويحب الصوفية الصادقين ويتوسل بالنبىّ صلى الله عليه وسلم .
والسلطان محمد الفاتح والجيش الذي كان معه كانوا ماتريدية أشعرية وقد شهد لهم الرسول بأنهم على حال حسن وكذا سائر السلاطين العثمانيين الذين ذبّوا عن بيضة المسلمين وحموا حمى الملّة قرونًا متتالية.
وعلى هذا الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين سلفًا وخلفًا في الشرق والغرب تدريسًا وتعليمًا ويشهد بذلك الواقع المُشاهَد، ويكفي لبيان حقّية هذا كون الصحابة والتابعين وأتباع التابعين (وهم السلف الصالح) ومن تبعهم بإحسان على هذه العقيدة، فممن تبعهم بإحسان :
ومنهم الوزير المشهور نظام الملك والسلطان العادل العالم المجاهد صلاحُ الدين الأيوبي رحمه الله فإنّه أمر أن تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنائر قبل أذان الفجر، وأن تُعلّم المنظومة التي ألّفها لهُ محمد بن هبة البرمكي للأطفال في الكتاتيب، ومما جاء فيها:
وصانع العالم لا يحويه قطر تعالى الله عن تشبيه
قد كان موجودا ولا مكانا وحكمه الآن على ما كانا
سبحـانه جلَّ عن المكان وعزَّ عن تغيـر الزمـان
فقد غـلا وزاد في الغلو من خصـه بجـهة العلو
وهذه العقيدة تدرس في جامعة الأزهر في مصر وفي جامعة الزيتونة في تونس بل وسائر المغرب العربي، وكذا في أندنوسيا وماليزيا وباكستان وتركيا وبلاد الشام والسودان واليمن والعراق والهند وإفريقيا وبخارى والداغستان وأفغانستان وسائر بلاد المسلمين .
ومنهم الملك الكامل الأيّوبي والسلطان الأشرف خليل بن المنصور سيف الدين قلاوون، بل وكل سلاطين المماليك.
وليس مُرادنا بما ذكرنا إحصاء الأشاعرة فمن يُحصي نجوم السماء أو يحيط علمًا بعدد رمال الصحراء ؟
فالأشعرية والماتريدية هم أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية.



