فقول الإمام مالك: “وكيف عنه مرفوع” أي ليس استواؤه على العرش كيفا أي هيئة كاستواء المخلوقين من جلوس ونحوه. وقوله:” أنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه”، وذلك لأن الرجل سأله بقوله كيف استواؤه، ولو كان الذي حصل مجرد سؤال عن معنى هذه الآية مع اعتقاد أنها لا تؤخذ على ظاهرها ما كان اعترض عليه.
قال المحدث الشيخ سلامة القضاعي العزامي [1376هـ] -من علماء الأزهر- عن قول مالك لذاك الرجل “صاحب بدعة”: لأن سؤاله عن كيفية الاستواء يدل على أنه فهم الاستواء على معناه الظاهر الحسي الذي هو من قبيل تمكن جسم على جسم واستقراره عليه، وإنما شك في كيفية هذا الاستقرار. فسأل عنها، وهذا هو التشبيه بعينه الذي أشار إليه الإمام بالبدعة.اهـ
وروى الحافظ البيهقي من طريق يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }، فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج.اهـ
قال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح “الإحياء” ما نصه: “وقال ابن اللبان في تفسير قول مالك، قوله :”كيف غير معقول” أي كيف من صفات الحوادث، وكل ما كان من صفات الحوادث فإثباته في صفات الله تعالى ينافي ما يقتضيه العقل، فيجزم بنفيه عن الله تعالى، قوله: “والاستواء غير مجهول” أي أنه معلوم المعنى عند أهل اللغة، “والإيمان به” على الوجه اللائق به تعالى “واجب” لأنه من الإيمان بالله وبكتبه” اهـ.
فنفي الكيف عن الله تعالى أي الهيئة وكل ما كان من صفات الخلق، كالجلوس والاستقرار والحركة والسكون وما شابه ذلك، محل اتفاق بين علماء أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا.
قال الإمام التـرمذي[279 هـ] في سننه: والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث ونؤمن بـها ولا يقال كيف.اهـ
وروى الحافظ البيهقي في كتابه الاعتقاد عن الوليد بن مسلم، قال: سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيفية.اهـ ثم قال البيهقي: وتكييفه يقتضي تشبيها له بخلقه في أوصاف الحدث.اهـ
ونقل الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وشعبة وشريك وأبي عوانة وغيرهم، أنهم نَفَوْا عن الله تعالى الكيف.اهـ
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين


